بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
ليست كل الأزمات التي تقع على الحدود أزمات حدود. بعضها يكون امتحانا للدولة نفسها. وفي بعض اللحظات النادرة، لا تعود الحدود خطا تفصل به الخرائط بين دولتين، بل تتحول إلى جهاز كشف هائل يفضح نقاط القوة ونقاط الارتباك في النظام الدولي كله. هكذا ينبغي قراءة ما جرى في سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026. ليس باعتباره مجرد موجة عبور جماعي، ولا باعتباره مجرد ملف مهاجرين عالقين ينتظرون العودة، ولا باعتباره خلافا جديدا بين الرباط ومدريد. إنه حدث كشف، في لحظة واحدة، عن هشاشة منظومة كاملة: هشاشة الحدود حين تتسارع حركة البشر، وهشاشة السياسة حين تسبقها المعلومة، وهشاشة الرواية حين تدخل أجهزة الأمن والقضاء والإعلام والشبكات الاجتماعية في سباق واحد لصناعة المعنى. ولهذا لم يعد السؤال المغربي الإسباني محصورا في: كيف نعيد من دخلوا؟ السؤال الأعمق هو: كيف نمنع أن تتحول الحدود المغربية الإسبانية، مرة أخرى، إلى مكان تختلط فيه الحركة البشرية بالضغط السياسي، والوقائع بالفرضيات، والقانون بالحسابات، حتى يصبح حادث واحد قادرا على جر علاقة استراتيجية كاملة إلى حافة سوء الفهم؟ هذا هو السؤال الذي يذهب أبعد من سبتة. وربما هو السؤال الذي ينبغي أن يكون في قلب اللقاء الذي جمع ناصر بوريطة وخوسيه مانويل ألباريس في نيويورك.
طاولة نيويورك لم تكن مستديرة تماما
في 24 شتنبر، جلس وزيرا خارجية المغرب وإسبانيا على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. الصورة في ظاهرها هادئة. وزيران. مدينة دولية. أمم متحدة. جدول أعمال دبلوماسي. لكن تحت هذه الصورة الهادئة كانت تتحرك طبقات كثيفة من الأسئلة. سبتة. المهاجرون. العودة. القاصرون. التحقيق القضائي الإسباني. التقارير الأمنية. تصريحات بيدرو سانشيز. ومستقبل التعاون المغربي الإسباني في لحظة أصبحت فيها العلاقة بين البلدين أكبر من ملف واحد، وأشد حساسية من أن تترك أسيرة حادث واحد. ووفق ما أوردته «إل باييس»، تناول اللقاء مسألة المهاجرين الموجودين في سبتة، مع تأكيد الجانب الإسباني أن المغرب أبدى استعداده لاستعادة مواطنيه. هذه النقطة مهمة.
لكن الأهم منها هو ما تختبئ خلفه. فالاستعداد السياسي للعودة لا يعني أن جميع حالات العودة يمكن تنفيذها بالسرعة نفسها. هنا يدخل القانون الإسباني والأوروبي، وهنا تظهر أوضاع القاصرين غير المصحوبين، وطلبات الحماية الدولية، والتحقق من الهوية، والضمانات الفردية. وهنا أيضا ينبغي أن تكون الدبلوماسية المغربية أكثر ذكاء من اللغة السريعة. لأن القول إن المغرب مستعد لاستقبال مواطنيه يجب ألا يبقى موقفا عاما. ينبغي أن يتحول إلى هندسة تنفيذية. من يعود؟ متى يعود؟ بأي إجراءات؟ من يتحقق من هويته؟ من يعالج الحالات الخاصة؟ من ينسق مع القنصلية؟ ما الآجال؟ وما مصير الحالات التي تمنع القوانين الإسبانية إعادتها فورا؟ هذه ليست تفاصيل إدارية. هذه هي السياسة حين تنزل من السماء إلى الأرض.
الدولة لا تفاوض فقط على الأشخاص… بل على قواعد اللعبة
من السهل أن تتحول قضية المهاجرين إلى مفاوضة حول عدد من الأشخاص. لكن الدولة التي تنظر أبعد من اللحظة تسأل عن النظام الذي أنتج المشكلة. وهنا تكمن إحدى أهم الفرص التي تحملها أزمة سبتة بالنسبة إلى المغرب. إذا كان المغرب مستعدا للتعاون في العودة، وإذا كانت إسبانيا تريد فعلا تسريع المعالجة، فلماذا لا ينتقل الطرفان من إدارة الحالات إلى بناء آلية دائمة للعودة وإدارة الأزمات الحدودية؟ لماذا لا تكون هناك قناة مؤسساتية لا تنتظر حدوث الأزمة كي تبدأ الاتصالات؟ لماذا لا يكون هناك بروتوكول واضح للبالغين، وآخر للقاصرين، ومسار للحالات الإنسانية، ومسار للتحقق من الهوية؟ لماذا لا يكون هناك نظام إنذار مبكر عندما تظهر على الشبكات الاجتماعية مؤشرات على تحرك جماعي؟ ولماذا لا تتحمل أوروبا جزءا أكثر تنظيما من هذه المنظومة؟ هذه الأسئلة ليست هجومية على إسبانيا. بل هي أسئلة شراكة حقيقية. لأن الشراكة التي لا تنتج قواعد جديدة بعد الأزمة، تعود في كل مرة إلى نقطة الصفر.
ابن خلدون أمام شاشة الهاتف
قد يبدو غريبا أن نستدعي ابن خلدون في أزمة حدودية تتداخل فيها الشرطة والهجرة والمنصات الرقمية. لكن ابن خلدون، لو وضع أمامه هاتف ذكي اليوم، ربما لم يحتج إلى وقت طويل ليدرك أن أدوات «العصبية» تغيرت، بينما جوهر الاجتماع البشري لم يتغير. الجماعات لا تتحرك فقط لأنها تريد. تتحرك عندما تتوافر لها المعلومة، والدافع، والشعور بأن الحركة ممكنة. وهذا ما يجعل البعد الرقمي في أزمة سبتة شديد الأهمية. تشير التحقيقات الإسبانية إلى أن شبكات التواصل والرسائل الرقمية ساهمت في تعبئة أعداد من المشاركين في عملية العبور. وهنا تغير معنى الحدود. في زمن قديم، كان على الإنسان أن يرى الطريق حتى يسلكه. اليوم يستطيع أن يتلقى الطريق في هاتفه. في الماضي كانت الجغرافيا تخفي الممر. اليوم يمكن لخوارزمية أن تكشفه أمام آلاف الأشخاص في ثوان. لهذا لم تعد حماية الحدود قضية أسلاك ومراقبة وكاميرات فقط. أصبحت أيضا قضية سيادة على المعلومة. ومن لا يراقب حركة المعلومة، قد يجد نفسه يراقب حركة البشر بعد فوات الأوان.
التقرير الأمني… ذلك الكائن الذي لا ينبغي أن يتحول إلى حكم
من أخطر المنزلقات في مثل هذه الأزمات أن تتحول التقارير الأمنية إلى أحكام جاهزة. وقد نشرت وسائل إعلام إسبانية معطيات عن تقرير للشرطة يتحدث عن احتمال قيام عناصر مغربية بتوجيه مجموعات من المهاجرين أثناء عملية الدخول. هذه معطيات لا يجوز تجاهلها. لكنها أيضا لا يجوز أن تتحول إلى حقيقة قضائية قبل أن تقول المحكمة كلمتها. وهنا ينبغي احترام ترتيب الأشياء: التقرير تقرير. والتحقيق تحقيق. والاشتباه اشتباه. والحكم حكم. والمسؤولية الفردية ليست تلقائيا مسؤولية دولة. وهذا التمييز بالذات يخدم المغرب، لأنه يضع النقاش في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه: الأدلة. وقد قررت المحكمة الوطنية الإسبانية فتح تحقيق في الوقائع. أما أن يتحول ذلك إلى إدانة سياسية مسبقة، فذلك أمر آخر تماما. المغرب لا يحتاج إلى أن يخوض معركة إعلامية مع كل فرضية. بل يحتاج إلى شيء أكثر صلابة: أن يقول، عمليا، إن الحقيقة مكانها التحقيق، وإن مسؤولية الدولة لا تثبت بالتلميح، وإن علاقة المغرب بإسبانيا لا يمكن أن تدار بواسطة التسريبات. هذه ليست لغة دفاعية. هذه لغة دولة.
بين سانشيز وألباريس… أين تقف مدريد؟
هنا تظهر أيضا نقطة دقيقة في المشهد الإسباني. بيدرو سانشيز تحدث عن إخفاق في مراقبة الحدود المغربية في يوم الأزمة، وطالب بتوضيحات وإجراءات تحول دون تكرار ما وقع. وفي المقابل، ظل ألباريس متمسكا بخيار الحوار مع الرباط. وهذا ليس بالضرورة تناقضا. رئيس الحكومة ينظر إلى مسؤولية الدولة أمام الرأي العام والمؤسسات. ووزير الخارجية ينظر إلى العلاقة التي يجب أن تستمر رغم الأزمة. وبين الموقعين توجد مساحة السياسة الحقيقية. وهنا يستطيع المغرب أن يقرأ مدريد من دون أن يختزلها في موقف واحد. فإسبانيا ليست صوتا واحدا. لديها حكومة. وقضاء. وأجهزة أمنية. وبرلمان. وصحافة. ورأي عام. ومصالح أوروبية. والسياسة المغربية الذكية لا تفاوض «إسبانيا» باعتبارها كتلة واحدة، بل تفهم المؤسسات التي تتحرك داخلها، وما الذي تستطيع كل مؤسسة قوله أو فعله. هذه هي الدبلوماسية التي تعرف أين تضع قدمها.
المغرب ليس «حارس أوروبا»
ينبغي أن يكون هذا واضحا أكثر من أي وقت مضى. المغرب يتعاون مع إسبانيا وأوروبا في مكافحة الهجرة غير النظامية لأنه شريك له مصالحه وأمنه واستقراره. لكنه ليس حارسا مستأجرا لقلعة أوروبية. هذه نقطة ليست خطابية. إنها مبدأ تفاوضي. عندما يحمي المغرب حدوده، فهو يحمي حدوده. وعندما يتعاون مع إسبانيا، فهو يمارس شراكة. وعندما يستعيد مواطنيه، فهو يمارس مسؤولية دولة. لكن هذه الأدوار لا ينبغي أن تختزل المغرب في وظيفة أمنية لصالح طرف آخر. المغرب يريد شراكة. والشراكة لها ثمن سياسي واقتصادي واستراتيجي متبادل. ولهذا فإن ملف سبتة يمكن أن يكون مدخلا لإعادة تعريف التعاون كله. لا بمنطق «أعطني مهاجريك وأعطيك تعاوننا». بل بمنطق أكثر نضجا: إذا كانت الحدود المغربية جزءا من أمن المتوسط، فإن أمن المتوسط يجب أن يكون أيضا جزءا من مسؤولية الشركاء تجاه المغرب. وهنا تصبح أوروبا طرفا طبيعيا في المعادلة.
لماذا ينبغي أن تدخل بروكسيل الغرفة؟
الاتحاد الأوروبي ليس بعيدا عن القصة. إسبانيا دولة عضو في الاتحاد، وحدودها الخارجية جزء من المنظومة الأوروبية. وقد قدم الاتحاد الأوروبي لإسبانيا بعد أزمة سبتة دعما ماليا وتشغيليا، من ضمنه 114.7 مليون يورو من المساعدات الطارئة، إلى جانب دعم مؤسسات أوروبية مختصة. وهذا يكشف حقيقة سياسية بسيطة: أوروبا موجودة في هذه القضية، حتى عندما لا تجلس على الطاولة المغربية الإسبانية. فلماذا لا تتحول هذه الحقيقة إلى إطار مؤسساتي؟ لماذا يبقى جزء من التعاون محصورا في الثنائية المغربية الإسبانية بينما نتائج الأزمة تمس فضاء أوروبيا بأكمله؟ إذا كان الاتحاد الأوروبي يريد حدودا أكثر أمنا، فعليه أن يشارك أيضا في بناء أنظمة أكثر فعالية لإدارة العودة، وحماية القاصرين، وتسريع الإجراءات، ودعم القدرات المؤسساتية. وهنا لا يطلب المغرب معروفا. إنه يطرح معادلة منطقية: من يستفيد من الأمن المشترك، يشارك في كلفته ومسؤوليته.
سبتة تكشف شيئا لا تحب الدول الاعتراف به
تكشف أن الحدود الحديثة ليست جدارا. إنها نظام. وأن النظام إذا لم يكن متماسكا، فإن أقوى سياج في العالم يمكن أن يصبح مجرد ديكور أمام موجة بشرية كبيرة. لكن هناك أمرا أكثر أهمية.ة الحدود لا تختبر فقط قدرة الشرطة. إنها تختبر قدرة الدولة على إنتاج روايتها. في الساعات الأولى للأزمات، تكون المعلومات ناقصة. والصور كثيرة. والشائعات أسرع من المحاكم. والتفسيرات تتكاثر. وهنا تستطيع دولة ما أن تخسر معركة سياسية قبل أن تعرف حتى ما حدث. لذلك فإن إدارة الرواية ليست دعاية. إنها جزء من الأمن القومي. لكن الرواية الأقوى ليست الأكثر صراخا. إنها الرواية التي تستطيع أن تصمد أمام الوثيقة. وهذا بالضبط ما يجعل الهدوء المغربي فضيلة استراتيجية. لا ينبغي للرباط أن تستعجل الرد على كل ادعاء. ولا أن تسمح في الوقت نفسه بأن تملأ الادعاءات الفراغ. المطلوب هو أن تكون الوقائع حاضرة، موثقة، قابلة للدفاع عنها.
ماذا لو كان السؤال الخطأ هو: كيف نعيدهم؟
ربما يكون السؤال الأدق: كيف نبني نظاما لا يجعل عودة المهاجرين في كل مرة أزمة دبلوماسية؟ هذا فرق هائل. الأول يعالج النتيجة. الثاني يعالج البنية. والدولة التي تفكر في المستقبل تهتم بالبنية. لذلك يمكن أن يكون الحل في إنشاء آلية مغربية إسبانية دائمة تضم: السلطات الأمنية. السلطات القضائية عند الحاجة. المصالح القنصلية. السلطات المختصة بالقاصرين. والجهات الأوروبية ذات الصلة. وتكون لها صلاحيات واضحة، ونقاط اتصال محددة، وآجال معلومة، وقاعدة بيانات موثوقة، وآلية للتعامل مع الأزمات المفاجئة. عندها لا يعود كل حادث بحاجة إلى لقاء عاجل بين وزيرين. وهذا هو معنى المؤسسات. أن تجعل الدولة أقل اعتمادا على اللحظة.
الوطنية ليست غضبا
هنا ربما يكون من الضروري قول شيء من داخل الرؤية المغربية نفسها. الوطنية المغربية لا تحتاج إلى المبالغة. ولا تحتاج إلى إنكار المشكلات. ولا تحتاج إلى تحويل كل انتقاد إلى مؤامرة. المغرب الذي صنع خلال العقود الأخيرة حضورا دبلوماسيا متزايدا في إفريقيا والمتوسط والعالم العربي وأوروبا، لا يحتاج إلى وطنية انفعالية. يحتاج إلى وطنية باردة الأعصاب. وطنية تعرف قيمة السيادة، لكنها تعرف أيضا قيمة المعلومة. تحترم التاريخ، لكنها لا تسمح له بأن يحكم المستقبل وحده. تدافع عن المصالح، لكنها لا تغلق أبواب التفاوض. وتعرف أن الدولة القوية ليست الدولة التي لا تعترف بوجود الثغرات، بل الدولة التي تستطيع أن ترى الثغرة قبل أن يحولها خصمها إلى مدخل. هذه هي الوطنية التي تليق بالمغرب.
وسبتة ليست مجرد ملف
هناك في التاريخ مدن تتحول إلى رموز لأن الجغرافيا وضعتها في نقطة تقاطع بين عوالم متنافسة. سبتة واحدة منها. ولهذا لا يجوز التعامل معها بعقلية الملف الإداري. لكن في المقابل، لا يجوز أن يصبح رمزيتها التاريخية سببا لإهمال الأسئلة العملية التي تفرض نفسها اليوم. التاريخ لا يمنح الدول سياسة جاهزة. إنه يمنحها ذاكرة. والسياسة هي التي تحول الذاكرة إلى خيارات. وهنا بالذات تظهر براعة الدولة المغربية. أن تعرف أن قضية سبتة موجودة في الوعي الوطني، وأن تعرف في الوقت نفسه كيف تفصل بين أفقها التاريخي وبين إدارة ملف أمني وإنساني ودبلوماسي آني. فالدولة التي تعرف غايتها لا تحتاج إلى أن تصل إليها دفعة واحدة. إنها تراكم. تفاوض. تثبت. تنتظر. ثم تتحرك عندما تكون اللحظة ناضجة.
بوريطة وألباريس أمام فرصة لا أمام مشكلة فقط
قد يبدو لقاء نيويورك وكأنه محاولة لإطفاء حريق. لكن يمكن أن يكون أكثر من ذلك. يمكن أن يكون بداية لإعادة صياغة طريقة إدارة الملفات الحساسة بين الرباط ومدريد. الهجرة. الأمن. الحدود. التنسيق القنصلي. القاصرون. مكافحة الشبكات. المعلومات المضلّلة. التعاون الأوروبي. كلّها حلقات في سلسلة واحدة. إذا بقيت كل حلقة منفصلة، ستستمر الأزمات. أما إذا صيغت في منظومة واحدة، فسيصبح الحادث المقبل أقل قدرة على هز العلاقة. وهذا هو الاختبار الحقيقي للدبلوماسية. ليس أن تمنع الخلاف. الخلاف طبيعي بين الدول. بل أن تمنع الخلاف من التحول إلى انهيار.
من يحرس الحدود غدا؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى فوق الطاولة بعد أن تغادر الكاميرات. من يحرس الحدود غدا؟ الشرطة وحدها؟ أم التكنولوجيا؟ أم التعاون الاستخباراتي؟ أم القانون؟ أم الدبلوماسية؟ الحقيقة أن القرن الجديد يطلب كل ذلك دفعة واحدة. فالحدود التي لا تملك إنذارا مبكرا ستفاجأ. والحدود التي لا تملك قانونا واضحا ستتعطل. والحدود التي لا تملك دبلوماسية مرنة ستنفجر سياسيا. والحدود التي لا تملك رواية موثوقة ستخسر المعركة الإعلامية. والحدود التي لا تملك بعدا إنسانيا ستنتج أزمات جديدة. لهذا فإن الحل ليس في مزيد من الأسلاك. الحل في مزيد من الدولة. دولة أكثر ذكاء. أكثر تنسيقا. أكثر قدرة على التوقع. وأكثر ثقة في نفسها.
آخر المهاجرين ليسوا نهاية القصة
سيأتي يوم يعود فيه الموجودون في سبتة إلى حيث تقرر الإجراءات القانونية أن يعودوا. وقد يغلق ملف هذا الحادث قضائيا وسياسيا. وستتراجع الصور من الشاشات. وستختفي العناوين العاجلة. لكن ما سيبقى هو السؤال الذي لا تراه الكاميرات: ماذا تغير بعد ذلك؟ إذا تغيرت الآليات، فقد تحولت الأزمة إلى معرفة. إذا تغيرت طريقة التنسيق، فقد تحولت الأزمة إلى قوة. إذا أصبح التعاون أكثر مؤسساتية، فقد خرج المغرب وإسبانيا من المحنة بأداة جديدة. أما إذا عاد كل طرف إلى مكاتبه، وانتظر الأزمة المقبلة، فسيكون كل ما حدث مجرد دورة أخرى في ماكينة التاريخ. وهنا نعتقد أن على المغرب أن ينظر إلى اللحظة من زاوية أوسع. لا كدولة تحاول الدفاع عن نفسها أمام اتهام. ولا كدولة مطالبة بإرضاء طرف أوروبي. بل كدولة متوسطية لها مصالحها، ووزنها، وذاكرتها، وحدودها، ورؤيتها. دولة تستطيع أن تقول لإسبانيا: نحن مستعدون للتعاون. لكنّنا نريد تعاونا منظما. نحن مستعدون لاستعادة مواطنينا وفق الآليات القانونية. لكننا نريد آليات واضحة. نحن نتحمل مسؤوليتنا. لكن المسؤولية يجب أن تكون متبادلة. نحن نحترم التحقيق. لكننا نرفض أن تتحول الفرضيات إلى أحكام. نحن نعرف قيمة الشراكة. لكننا نعرف أيضا قيمة السيادة. هذه ليست لغة مواجهة. إنها لغة الندية. والندية، حين تكون مدعومة بالدليل والصبر والمصلحة، أقوى كثيرا من الصراخ.
حين تصبح سبتة سؤالا عن المغرب نفسه
ربما تكون هذه هي المفارقة الأخيرة. أزمة بدأت عند السياج، لكنها وصلت إلى نيويورك. بدأت بحركة بشرية، لكنها دخلت القضاء. ظهرت في تقارير أمنية، ثم وصلت إلى البرلمان. عبرت الحدود، ثم دخلت قاعات الجامعات. تحدث عنها الأمن، ثم تحدثت عنها الدبلوماسية. وهكذا تحولت سبتة من مكان إلى سؤال. ليس سؤالا عن المهاجرين وحدهم. بل عن الدولة. عن السيادة. عن أوروبا. عن العلاقة المغربية الإسبانية. عن معنى الحدود في عصر التكنولوجيا. وعن قدرة الدبلوماسية على تحويل اللحظات الخطرة إلى قواعد جديدة. وهنا يجب ألا يخاف المغرب من عمق السؤال. بل عليه أن يذهب إليه. لأنّ الدول الصغيرة في التاريخ هي التي تخاف من الأسئلة الكبيرة. أمّا الدول التي تعرف وزنها، فتدخل إليها. تفكّكها. تدرسها. ثم تصنع منها سياسة. ولذلك فإن ما يجري بين بوريطة وألباريس ليس بحثا عن مخرج لملف عالق فقط. إنّه، في جوهره، بحث عن صيغة جديدة لإدارة منطقة من أكثر مناطق المتوسط حساسية. صيغة لا تجعل المغرب حارسا على أبواب الآخرين. ولا تجعل إسبانيا سجينة مخاوفها. ولا تجعل أوروبا بعيدة عن مسؤولياتها. ولا تجعل القانون خصما للحل. صيغة يعرف فيها كل طرف حدوده، ومصالحه، والتزاماته، ومجال حركته.
أما سبتة، تلك القطعة الصغيرة التي تحمل على ظهرها وزنا هائلا من التاريخ، فقد تكون مرة أخرى قد فعلت ما تفعله المدن الحدودية الكبرى: أجبرت الدول على أن تنظر إلى نفسها من الجهة الأخرى من السياج. وربما تكون هذه هي قيمة الأزمة. أن تجعل الرباط ومدريد تكتشفان أن الحدود التي تفصل بينهما هي نفسها الحدود التي تجبرهما على التعاون. وأن الجغرافيا، مهما حاولت السياسة أن تطوقها، تظل أكثر دهاء من الخرائط. لا يحتاج المغرب إلى أن يرفع صوته كي يسمع. يحتاج إلى أن يعرف ما يريد. وأن يملك الدليل. وأن يبني الآلية. وأن يفاوض من موقع الدولة التي تعرف أن السيادة ليست كلمة تقال في البيانات، بل قدرة يومية على تحويل المصلحة الوطنية إلى سياسة قابلة للحياة. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي لسبتة: ليس من سيعيد من، بل من سيعيد ترتيب قواعد اللّعبة.
