ميثاق مكة في ساعة الاختبار

اجتماع رؤساء الأركان وحدود الدفاع المشترك السعودي–التركي–الباكستاني

بقلم د. عبد الرحمن مكاوي -باريس

هناك لحظات في السياسة الدولية تُختبر فيها قوة المعاهدات في المسافة الفاصلة بين النص والقرار، وبين التعهد السياسي والقدرة على دفع ثمنه عسكريا. وهذه هي اللحظة التي وصل إليها ميثاق مكة للدفاع المشترك. فبعد أسابيع قليلة فقط من توقيعه في مكة يوم 7 أغسطس بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، يجد الاتفاق نفسه أمام أول امتحان حقيقي: السعودية تتعرض لتصعيد حوثي متواصل يستهدف أراضيها ومدنها ومنشآتها الحيوية وممراتها البحرية، بينما تتعرض منظومة الردع الخليجية لضغط متزايد في بيئة إقليمية تتقاطع فيها حرب اليمن مع الصراع الأمريكي–الإيراني واضطراب الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز.

في هذه اللحظة بالذات، اكتسب الاجتماع المرتقب لرؤساء أركان السعودية وتركيا وباكستان في الرياض معنى يتجاوز جدول الأعمال العسكري. فالمسألة لم تعد: هل وقّعت الدول الثلاث اتفاقا للدفاع المشترك؟ بل أصبحت: ماذا يعني هذا الاتفاق عندما يتعرض أحد أطرافه فعلا لهجوم؟ وهنا تكمن المفارقة الكبرى لميثاق مكة: لقد صيغ بلغة تقترب من منطق المادة الخامسة لحلف شمال الأطلسي، لكنه لم يبلغ بعد مستوى البنية القانونية والمؤسساتية والعسكرية التي تجعل من الالتزام السياسي آلية دفاع جماعي تلقائية. إنه، حتى هذه اللحظة، ردع في طور التكوين أكثر منه تحالفاً عسكريا مكتمل الأركان.

من مكة إلى الرياض: انتقال الاتفاق من الصورة الرمزية إلى الاختبار العملي

عندما وقّعت السعودية وتركيا وباكستان الاتفاق في مكة، كان الإعلان يحمل دلالة سياسية شديدة الوضوح. ثلاث قوى ذات أوزان مختلفة، ولكنها مكملة لبعضها استراتيجيا: السعودية بثقلها المالي والنفطي والجغرافي، تركيا بجيش كبير وصناعة دفاعية متقدمة وعضوية في الناتو، وباكستان بجيش كبير وقدرة نووية وموقع جيوسياسي يربط الخليج بجنوب آسيا. النص المعلن للاتفاق ينص على أن الهجوم المسلح على دولة من الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على الدول الثلاث. كما أكد أردوغان أن الاتفاق يستند إلى مفهوم الردع الجماعي وحق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وشددت أنقرة على أنه لا يستهدف دولة بعينها. لكن السياسة الدولية لا تقاس فقط ببلاغة العبارات.

فبين «الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع» وبين السؤال العملي «ماذا سيفعل الجميع؟» توجد مسافة شاسعة. وقد بدأت هذه المسافة تظهر الآن. في نيويورك، وعلى هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، اجتمع وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان مع نظيره الباكستاني إسحاق دار ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وجرى بحث عقد اجتماع عاجل للقيادات العسكرية للدول الثلاث لمناقشة سبل دعم السعودية في مواجهة التصعيد. وبعد ذلك انتقلت المسألة إلى المستوى العسكري. هذه النقلة مهمة للغاية. فالاجتماعات السياسية يمكن أن تبقي الغموض مقصوداً. أما عندما يجلس رؤساء الأركان أمام خرائط العمليات، وأمداء الدفاع الجوي، ومخزونات الذخائر، ونطاقات الرصد والاستطلاع، ومسارات الإمداد، فإن اللغة تصبح أقل شاعرية وأكثر قسوة. هناك فقط يظهر السؤال الحقيقي: ما الذي يستطيع كل طرف أن يقدمه، وما الذي لا يستطيع؟

السعودية تحت ضغط «حرب الاستنزاف المتعدد»

ما يجري في السعودية لم يعد مجرد سلسلة من الهجمات الصاروخية المتفرقة. ففي 24 سبتمبر، أعلنت الرياض اعتراض ستة صواريخ باليستية قالت إنها كانت متجهة إلى الطائف وينبع، بينما أعلنت جماعة الحوثي شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف قالت إنها في الرياض وينبع. وأكدت تقارير مستقلة أن منطقة ينبع شهدت أيضاً اعتراض صاروخ باليستي وطائرة مسيرة بواسطة منظومة باتريوت تشغلها قوات يونانية. الأهمية هنا ليست في عدد الصواريخ وحده. ينبع هي العقدة. فالمدينة ليست مجرد منشأة نفطية سعودية أخرى؛ إنها منفذ استراتيجي يمنح المملكة قدرة على تصدير النفط عبر البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز. ولذلك فإن الضغط على ينبع يعني الضغط على أحد منافذ المرونة الاستراتيجية للاقتصاد السعودي في لحظة يتعرض فيها الخليج نفسه لاضطراب بحري واسع. وحين تضاف إلى ذلك سيطرة الحوثيين على مساحات واسعة من الساحل اليمني على البحر الأحمر، بما في ذلك مناطق تقترب من باب المندب، يصبح المشهد أكبر من «جبهة يمنية». إنه صراع على الممرات. ومن يملك القدرة على تعطيل الممرات لا يحتاج بالضرورة إلى تدمير الاقتصاد؛ يكفيه أن يجعل كلفة الحركة فيه مرتفعة، وأن يحوّل كل ناقلة نفط وكل منشأة ساحلية وكل منظومة دفاع جوي إلى هدف محتمل. لقد تحولت الجغرافيا هنا إلى سلاح.

الحدود الأربعة لميثاق مكة

أولا: الحد القانوني – المعاهدة ليست بعدُ قوة تنفيذية مكتملة

هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الخطاب السياسي. الاتفاق وُقّع بالفعل، لكنه لم يدخل في منظومة قانونية موحدة ومكتملة بين الدول الثلاث. والأهم أن البرلمان التركي لم يمنحه بعد الموافقة اللازمة لدخوله حيز النفاذ؛ وقد صرح رئيس البرلمان التركي نومان قورتولموش في 25 سبتمبر بأن الاتفاقات الدولية تحتاج إلى موافقة برلمانية، وأن الاجتماعات الحالية ذات طابع تحضيري، مع توقع تقديم الاتفاق للتصديق اعتبارا من الشهر المقبل. وتشير تحليلات منشورة إلى أن الاتفاق لم يُصدّق عليه بعد في تركيا وباكستان، وأن بنية التفعيل المؤسسي ما تزال في طور الإنشاء. وهذا ليس تفصيلا إجرائيا. إنه جوهر المسألة. فالدولة التي لم تستكمل إجراءاتها الدستورية لا تستطيع ببساطة أن تتصرف وكأنها دخلت بالفعل في منظومة قيادة عسكرية مشتركة مماثلة لحلف الناتو.ة ومن هنا يجب التمييز بين ثلاث دوائر: التضامن السياسي، والالتزام القانوني، والتنفيذ العسكري. الميثاق حقق الأولى بوضوح. الثانية لم تكتمل بعد. أما الثالثة، فهي تحديدا ما يجري اختباره الآن. وهذه الفجوة القانونية تمنح أنقرة وإسلام آباد هامشا واسعا لإدارة الأزمة دون أن تضطرا، حتى الآن، إلى اعتبار نفسيهما في حالة حرب مباشرة مع الحوثيين.

ثانيا: الحد العملياتي – لا شيء يتحرك من تلقاء نفسه

الحلف العسكري الحقيقي يحتاج إلى أكثر من إعلان التضامن. يحتاج إلى طلب، وتقدير تهديد، وقواعد اشتباك، وسلسلة قيادة، وقوات جاهزة، وقدرات متوافقة، وآلية لاتخاذ القرار. وهذه العناصر ليست كلها موجودة في ميثاق مكة حتى الآن. بل إن التصريحات الباكستانية نفسها أشارت إلى أن إسلام آباد لم تناقش، في مرحلة سابقة، إطلاق استجابة عسكرية مباشرة بموجب الاتفاق، رغم تأكيد مسؤولين باكستانيين الالتزام بأمن السعودية. وفي المقابل، قال فيدان إن تركيا مستعدة للمساعدة في الاحتياجات العسكرية السعودية، ولا سيما في المجالات التقنية. هذه العبارة التركية بالذات تستحق قراءة دقيقة. فيدان لم يتحدث عن إرسال جيش تركي إلى اليمن. تحدث عن احتياجات عسكرية، وخصوصا تقنية. وهذا فرق استراتيجي بالغ الأهمية. الدفاع الجوي، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، والإنذار المبكر، والذخائر، وربط شبكات الرصد، والطائرات المسيّرة، وتحليل المعلومات الاستخباراتية، كلها أشكال من المساعدة العسكرية يمكن أن تعزز قدرة السعودية على حماية أراضيها دون أن تنقل تركيا أو باكستان إلى موقع الطرف المحارب مباشرة. وهذه، على الأرجح، هي المنطقة الرمادية التي سيحاول ميثاق مكة التحرك داخلها.

ثالثا: حد المضمون – «المادة الخامسة» بلا قيادة موحدة

من السهل جدا تشبيه ميثاق مكة بالمادة الخامسة لحلف الناتو. التشابه النصي موجود بالفعل. لكن التشابه السياسي لا يعني التطابق المؤسسي. فالمادة الخامسة للناتو ليست مجرد جملة تقول إن الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع؛ إنها تعمل داخل منظومة ضخمة من المؤسسات، والقيادة الموحدة، والتخطيط الدفاعي المشترك، والتدريبات، وتبادل المعلومات، والبنية العسكرية المتكاملة، وإجراءات التشاور واتخاذ القرار. أما ميثاق مكة، فما يزال يبني هذه الطبقات. في 31 أغسطس، اتفقت السعودية وتركيا وباكستان على إنشاء أمانة دائمة في السعودية، يرأسها أمين عام باكستاني لمدة ثلاث سنوات، كما عملت الدول الثلاث على ترسيخ لجنة سياسية ودفاعية مشتركة. وهذه خطوة مؤسساتية مهمة، لكنها ليست قيادة عسكرية موحدة. بمعنى آخر: هناك غرفة سياسية آخذة في التشكل، لكن لا توجد بعد غرفة عمليات مشتركة تجعل الجيوش الثلاثة جيشا واحدا. وهذا الفارق هو الذي يمنع تحويل كل صاروخ حوثي إلى «زر» أوتوماتيكي يشغّل جيوش الدول الثلاث.

رابعا: الحد الاستراتيجي – تركيا وباكستان لا تريدان أن تصبحا طرفين في حرب أمريكية-إيرانية

هنا تكمن العقدة الأكثر حساسية. تركيا لا تريد أن تتحول السعودية إلى جبهة متقدمة في الحرب الأمريكية-الإيرانية، ولا تريد أن يتحول ميثاق مكة إلى أداة تجر أنقرة إلى مواجهة أوسع مما وقّعت عليه. وفيدان كان واضحا في هذه النقطة: السعودية، بحسب رؤيته، لا ينبغي أن تُجر إلى الصراع الأمريكي-الإيراني، وهي نفسها لا تسعى إلى أن تصبح جزءا منه. هذه ليست مسألة تكتيكية. إنها فلسفة استراتيجية تركية. أنقرة تريد أن تكون صاحبة نفوذ إقليمي لا صاحبة حرب إقليمية مفتوحة. أما باكستان، فحساباتها أكثر تعقيدا. إسلام آباد ترتبط بالرياض بعلاقات عسكرية وسياسية واقتصادية وثيقة، لكنها في الوقت نفسه دولة ذات حدود ومصالح مباشرة مع إيران، فضلا عن هشاشتها الأمنية الداخلية، ولا سيما في بلوشستان. ولذلك فإن إرسال قوات باكستانية إلى حرب مفتوحة ضد الحوثيين سيكون شيئاً مختلفاً جذرياً عن تقديم التدريب أو الدفاع الجوي أو الدعم اللوجستي. إنه سيحوّل الاتفاق من أداة ردع إلى التزام حرب. وهذه النقلة هي بالضبط ما ستتحاشاه إسلام آباد ما استطاعت.

ميثاق مكة ليس موجها بالضرورة إلى إيران… لكنه لا يستطيع تجاهل إيران

المفارقة الجيوسياسية في الاتفاق أنه يقول رسميا إنه لا يستهدف دولة بعينها. وهذا صحيح في اللغة الدبلوماسية المعلنة. لكن الجغرافيا السياسية تقول شيئا آخر: أي ترتيبات دفاعية جديدة في الخليج واليمن والبحر الأحمر لا يمكنها أن تتجاهل شبكة النفوذ الإيرانية، سواء في اليمن أو في مسارات الصراع الإقليمي الأخرى. وهنا تظهر براعة الصياغة. فالتحالف لا يقول: «نحن تحالف ضد إيران». بل يقول: «نحن تحالف ضد أي عدوان على أعضائنا». وهذا يمنحه مساحة سياسية أوسع، ويترك الباب مفتوحا أمام دول أخرى للانضمام. بل إن تركيا طرحت منذ البداية فكرة توسيع الإطار ليشمل دولا إقليمية أخرى، وبرزت مصر باعتبارها إحدى الدول المحتملة في مرحلة لاحقة. وهذا التحول، إن حصل، سيكون مهما للغاية. فدخول مصر سيغير طبيعة المعادلة. عندها لن يعود الأمر مجرد مثلث سعودي–تركي–باكستاني، بل يمكن أن يتحول إلى منظومة أمن إقليمية متعددة المراكز تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط وجنوب آسيا. لكن كلما اتسعت المنظومة، زادت صعوبة الاتفاق على عدو محدد، وعلى قواعد اشتباك مشتركة، وعلى مستوى موحد من الالتزام.

لماذا تحتاج السعودية إلى تركيا وباكستان إذا كانت تملك المال والسلاح؟

السؤال قد يبدو غريبا، لكنه جوهري. السعودية تملك موارد مالية ضخمة، وتستثمر بكثافة في الدفاع الجوي والطائرات والأسلحة الغربية، ولديها قدرات عسكرية كبيرة. لكن الحرب الحديثة لا تُحسم بعدد الطائرات فقط. الاختناق الحقيقي في أوقات الاستنزاف قد يكون في المعترضات، والذخائر، والاستطلاع، والإنذار المبكر، وتوزيع الرادارات، والقدرة على مواجهة أسراب المسيرات والصواريخ الرخيصة نسبيا بأسلحة دفاعية باهظة الثمن. وهنا يصبح البحث عن شركاء متعددي المصادر منطقيا. تركيا تستطيع تقديم صناعة دفاعية متطورة، وخبرة في المسيرات وأنظمة الاستطلاع والحرب الإلكترونية. باكستان تستطيع تقديم عمقا بشريا وعسكريا وتدريبيا، فضلا عن علاقاتها الطويلة بالمؤسسة العسكرية السعودية. والسعودية تقدم التمويل، والبنية التحتية، والموقع، والقدرة على شراء الأنظمة وتسريع إدخالها إلى الخدمة. إنها معادلة تقاسم للقدرات أكثر منها معاهدة لتقاسم الحرب.

فرنسا تدخل من الباب الدفاعي

وفي الوقت نفسه، جاءت الخطوة الفرنسية لتكشف جانبا آخر من المشهد. الرئيس إيمانويل ماكرون أعلن أن فرنسا سترسل إلى ينبع جنوداً ورادارات وأنظمة دفاعية لحماية الموقع الحيوي لصادرات النفط السعودية. ولم يقدم تفاصيل نهائية عن حجم القوة أو جدول انتشارها. وهذه الخطوة تحمل دلالة استراتيجية مهمة. فرنسا لا تقول إنها تدخل الحرب اليمنية. بل تقول إنها تحمي منشأة حيوية. وهنا يظهر اتجاه جديد في الأمن الخليجي: بدلاً من أن يكون الدفاع عن المنطقة مشروعا أمريكيا حصريا، بدأت السعودية تبحث عن شبكة متعددة الأطراف: تركيا، باكستان، فرنسا، وربما دول أخرى. ليس بالضرورة لأن الرياض تريد استبدال واشنطن، بل لأنها تريد تقليل الاعتماد على مصدر واحد للقوة. هذه ليست قطيعة مع الولايات المتحدة. إنها، في جوهرها، سياسة تأمين ضد عدم اليقين.

السعودية أمام معادلة جديدة: تعدد المظلات بدلا من المظلة الواحدة

ربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لميثاق مكة. فالسعودية لا تبني بالضرورة «ناتو إسلاميا» بالمعنى الكلاسيكي. إنها تبني شيئا أكثر مرونة: شبكة ردع متعددة العقد. تركيا للعقيدة والصناعة الدفاعية والقدرات التقنية. باكستان للعمق العسكري والبشري والرمزية الاستراتيجية. فرنسا للحماية النوعية لبعض المنشآت. والولايات المتحدة، رغم التوترات والتباينات، تبقى لاعبا لا يمكن تجاوزه في منظومة القوة الإقليمية. هذه ليست منظومة تحالف تقليدية. إنها أقرب إلى هندسة أمنية هجينة، تتوزع فيها المخاطر على أكثر من شريك.

لكن الاختبار الحقيقي ليس في الرياض… بل في صنعاء وباب المندب

يمكن للدبلوماسيين أن يوقعوا الاتفاقات في مكة. ويمكن لوزراء الدفاع والخارجية أن يجتمعوا في إسطنبول والرياض ونيويورك. لكن معيار نجاح الميثاق لن يكون في عدد الصور الرسمية. سيكون في قدرة الدول الثلاث على الإجابة عن ثلاثة أسئلة قاسية: من يقرر؟ من يرسل ماذا؟ وإلى أين؟ إذا كان الجواب: شبكة دفاع جوي، استخبارات، رادارات، مسيرات، ذخائر، تدريب، وصيانة، فإن الميثاق يستطيع أن يتطور تدريجياً من إعلان سياسي إلى منظومة ردع عملية. أما إذا تحول السؤال إلى إرسال قوات برية إلى اليمن وخوض حرب مفتوحة ضد الحوثيين، فإن الحسابات تتغير جذريا. عندها ستصبح تركيا أمام خطر الانزلاق إلى حرب لا تريدها. وستواجه باكستان سؤالا أصعب يتعلق بأمنها الداخلي وعلاقاتها مع إيران. وستواجه السعودية نفسها سؤالاً أكبر: هل الهدف هو الدفاع عن الأراضي السعودية أم إعادة تشكيل ميزان القوى داخل اليمن؟ وهما مهمتان مختلفتان تماما.

الحوثيون أمام معضلة مختلفة أيضا

قد يعتقد الحوثيون أن الضغط على السعودية يمكن أن يدفع أنقرة وإسلام آباد إلى التراجع. وقد يكون هذا أحد أهداف التصعيد. لكن المفارقة أن الضربات التي تتجاوز الحدود السعودية وتستهدف منشآت استراتيجية، ولا سيما ينبع، قد تنتج أثرا معاكسا تسريع بناء منظومة دفاع إقليمية حول السعودية. كل صاروخ يصل إلى المجال السعودي لا يستهلك فقط ذخيرة اعتراض. إنه أيضا يستهلك هامشا سياسيا. وكل ضربة على منشأة طاقة تجعل الشركاء الخارجيين أكثر استعدادا للمساهمة في حمايتها. ومن هنا فإن معادلة الردع تصبح أكثر تعقيدا: الحوثيون يريدون رفع كلفة الحرب على السعودية. والسعودية تريد رفع كلفة استهدافها. وتركيا وباكستان تريدان منع توسع الحرب دون خسارة مصداقية التزامهما. وفرنسا تريد حماية تدفق الطاقة دون أن تتحول إلى طرف في الحرب. أما الولايات المتحدة، فتظل أمام خيار أصعب: كيف تحافظ على نفوذها من دون أن تتحمل وحدها كلفة الدفاع عن منطقة تتغير فيها بنية الأمن بسرعة؟

ما الذي يعنيه اجتماع رؤساء الأركان فعلا؟

إذا جُرّد الاجتماع من الصور والبيانات، فإنه يمثل بداية مرحلة جديدة. ليس إعلان حرب. وليس تفعيلا آليا للمادة الدفاعية. بل عملية تحويل التعهد السياسي إلى قائمة احتياجات عسكرية قابلة للقياس. ومن المرجح أن تكون الملفات الأكثر واقعية في المدى القصير هي:

– الدفاع الجوي والصاروخي؛

– الإنذار المبكر والرادارات؛

– الاستطلاع والمراقبة؛

– الطائرات المسيّرة ومكافحة المسيّرات؛

– الحرب الإلكترونية؛

– تبادل المعلومات الاستخباراتية؛

– حماية المنشآت النفطية والموانئ؛

التدريب والصيانة والذخائر؛-

أمن الملاحة في البحر الأحمر–

أما نشر تشكيلات برية تركية أو باكستانية كبيرة داخل اليمن، فسيكون انتقالاً نوعياً لا يمكن استخلاصه من التصريحات الحالية. فالمؤشرات العلنية المتاحة حتى الآن تتحدث عن دعم ومساندة واحتياجات تقنية، لا عن قرار بفتح جبهة برية مشتركة.

من «حلف إسلامي» إلى «منظومة أمن إقليمية»؟

هنا ربما يكمن المستقبل الحقيقي لميثاق مكة. فإذا بقي الاتفاق محصورا في السعودية وتركيا وباكستان، فإنه سيظل مثلثا قويا لكنه محدود. أما إذا نجحت أنقرة والرياض وإسلام آباد في تحويله إلى إطار مفتوح، وانضمت إليه مصر أو دول أخرى، فقد يتطور إلى بنية أمنية جديدة لا تشبه الناتو تماما ولا مجلس التعاون الخليجي، وإنما تقع بينهما. منظومة لا تقوم على قيادة عسكرية مركزية واحدة، بل على تقاسم القدرات والردع والتنسيق. وهذا النموذج قد يكون أكثر ملاءمة للشرق الأوسط من محاولة استنساخ الناتو حرفيا. فالمنطقة لا تملك كتلة سياسية متجانسة بما يكفي لتشكيل حلف عسكري كلاسيكي. لكنها تملك مصالح متقاطعة بما يكفي لبناء شبكات أمنية متعددة الوظائف.

ميثاق مكة أمام لحظة الحقيقة

الميثاق ليس وهما. لكنه أيضا ليس بعدُ الناتو العربي أو الإسلامي الذي قد يوحي به بعض الخطاب السياسي. إنه مشروع استراتيجي حقيقي، لكنه لا يزال في مرحلة البناء. وقوته الحالية تكمن في الردع السياسي أكثر مما تكمن في القدرة على تنفيذ حرب مشتركة. السعودية تريد أن تقول إن أمنها لم يعد شأنا ثنائيا بينها وبين واشنطن. تركيا تريد أن تقول إن أمن الخليج والبحر الأحمر يدخلان في مفهوم الأمن الإقليمي الذي تريد أن تلعب فيه دورا مركزيا. باكستان تريد تثبيت التزامها بالسعودية دون أن تجد نفسها بسهولة في حرب إقليمية مفتوحة. وفرنسا تريد حماية عقدة الطاقة دون أن تدخل الحرب اليمنية. أما الحوثيون، فقد نجحوا في نقل الحرب من الجغرافيا اليمنية إلى معادلة الأمن والطاقة والممرات الدولية. ولهذا فإن أهمية اجتماع رؤساء الأركان لا تكمن في أنه يثبت أن «الناتو الإسلامي» قد وُلد. بل في أنه يكشف أن المنطقة بدأت فعلاً تبحث عن نظام أمني جديد. والسؤال التاريخي ليس ما إذا كان ميثاق مكة سيصبح نسخة من المادة الخامسة للناتو. السؤال الأهم هو ما إذا كانت الدول الثلاث ستنجح في تحويل العبارة السياسية – الهجوم على أحدنا هجوم علينا جميعا – إلى قدرة عملية تجعل الخصم يتردد قبل أن يضغط على الزناد. حتى الآن، لا تزال المسافة بين العبارة والقدرة قائمة. لكن الصواريخ التي تتجه نحو الرياض وينبع، والردارات التي تصل إلى الساحل السعودي، واجتماعات الأركان التي تنتقل من نيويورك إلى الرياض، كلها تقول إن تلك المسافة بدأت تضيق. وفي الشرق الأوسط، غالباً ما يكون الردع الذي يتشكل تحت النار أكثر أهمية من المعاهدة التي وُقّعت في زمن الهدوء. وهنا بالضبط يبدأ الاختبار الحقيقي لميثاق مكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *