بوريطة في نيويورك، وبولس بين الرباط والجزائر، واللحظة التي يعاد فيها رسم هندسة النزاع
قراءة في التحول من إدارة النزاع إلى هندسة التسوية بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
في التاريخ, قد لا تصرخ أحيانا الجغرافيا. بل تكتفي بالصمت. لكن صمتها يكون أثقل من المدافع. وهذه واحدة من تلك اللحظات. في نيويورك، حيث تتقاطع خرائط الدول تحت سقف الأمم المتحدة، لم يكن شهر سبتمبر 2026 مجرد موسم آخر للخطب الدبلوماسية. كان أشبه بمختبر سياسي مفتوح، تختبر داخله حدود النفوذ الأمريكي، وصلابة المواقف المغربية، وحسابات الجزائر، وقدرة الأمم المتحدة على الانتقال من إدارة نزاع عمره أكثر من نصف قرن إلى صناعة تسوية قابلة للحياة. وفي قلب هذا المشهد ظهر اسم مسعد بولس مرة أخرى. الرجل الذي اختارته إدارة دونالد ترامب ليكون أحد مفاتيحها العربية والإفريقية، لم يتحرك هذه المرة في خط مستقيم. ذهب إلى الجزائر. ثم تحدث مع الأمم المتحدة. ثم جلس مع ناصر بوريطة في نيويورك. ثم عاد إلى لقاء وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف. وفي الوقت نفسه كانت واشنطن تعيد تأكيد موقفها من سيادة المغرب على الصحراء ومن الحكم الذاتي، بينما كانت عيون مجلس الأمن تتجه إلى تجديد ولاية بعثة المينورسو في أكتوبر. هذه ليست مصادفة بروتوكولية. ولكنّها أيضا ليست، بالضرورة، دليلا على صفقة سرية مكتملة. إنّها شيء أكثر أهمية: إنّها حركة أمريكية لمحاولة معرفة أين تنتهي حدود الممكن. وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
أولا: ماذا قال بولس فعلا؟
الضجة التي أحدثها تصريح مسعد بولس حول عدم وجود «حل وشيك» لقضية الصحراء يمكن أن تقود إلى قراءة خاطئة إذا أُخرجت الجملة من سياقها. فالرجل لم يقل إن واشنطن تراجعت عن اعترافها بسيادة المغرب. ولم يقل إن الحكم الذاتي لم يعد أساسا للمقاربة الأمريكية. بل العكس تماما. في مقابلته مع «فرانس 24»، كما نقلت مصادر صحفية مغربية وفرنسية، أكّد بولس أن الموقف الأمريكي واضح وأنّ الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء لم يتغير، لكنّه أقرّ في الوقت نفسه بأن التسوية النهائية ليست وشيكة، وأن واشنطن لا تزال تنتظر ملاحظات من جبهة البوليساريو بشأن مقترح الحكم الذاتي يمكن البناء عليها في المفاوضات. هذه طبيعة السياسة الدولية. فقد يكون لدينا موقف سياسي واضح، لكن لا نملك بعدُ اتفاقا سياسيا. قد نعرف إلى أين نريد الذهاب، لكننا لا نعرف بعد كيف سنجعل الآخرين يمشون معنا في الطريق ذاته. وهنا تحديدا تكمن صعوبة المهمة الأمريكية.
واشنطن تعرف ماذا تريد… لكنّها لا تملك وحدها مفاتيح الباب
منذ ديسمبر 2020، عندما اعترفت إدارة ترامب الأولى بسيادة المغرب على الصحراء، أصبح للموقف الأمريكي وزن نوعي مختلف داخل هذا الملف. وفي 2025 أعادت إدارة ترامب الحالية تأكيد هذا الاتجاه، ثم جاء قرار مجلس الأمن رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025 ليجعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا للمفاوضات، مع الإبقاء على الصياغة الأممية المتعلقة بالحل السياسي والتسوية المتوافق عليها وتقرير المصير. لكن الاعتراف شيء. والتسوية شيء آخر. وهذه المسافة هي التي يبدو أن بولس اكتشف أنها أطول مما كانت تقديرات واشنطن الأولى توحي به. فالولايات المتحدة تستطيع أن تقول: هذا هو الإطار الذي نراه واقعيا. لكنها لا تستطيع أن تقول: وقد وقّع الجميع. وهنا الفرق بين القوة والنفوذ. القوة تستطيع أن تغير شروط اللعبة. أما النفوذ فيحتاج إلى أن يقبل اللاعبون بأن اللعبة الجديدة تخدم مصالحهم أو أن كلفة رفضها أصبحت أعلى من كلفة قبولها. والسياسة الأمريكية في الصحراء تبدو الآن عالقة في هذه المنطقة بالذات.
نيويورك: حيث تحولت الصحراء من قضية إلى اختبار للقوة الأمريكية
لم يكن وجود ناصر بوريطة في نيويورك مجرد حضور دبلوماسي. كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر 2026، مسرحا لثلاثة مسارات متزامنة: مسار مغربي يقوم على تثبيت مركزية الحكم الذاتي. ومسار أمريكي يحاول جمع الأطراف ودفعها إلى تفاوض أكثر عملية. ومسار جزائري يسعى إلى الحفاظ على هامش الحركة السياسية والقانونية الذي يسمح له بعدم الانخراط في صيغة يعتبرها مفروضة مسبقا. وسط ذلك كلّه كان بوريطة يتحرك في مساحة أوسع من الملف نفسه. وهذه نقطة تستحق التأمل. فالدبلوماسية المغربية في السنوات الأخيرة لم تعد تقدم قضية الصحراء باعتبارها ملفا منفصلا عن الاقتصاد والتنمية والأمن الأفريقي. إنها تحاول تقديم الجنوب المغربي باعتباره نقطة ارتكاز في مشروع أوسع يربط المغرب بالأطلسي وغرب إفريقيا والساحل. ومن هنا تصبح الداخلة، في الرؤية المغربية، أكثر من مدينة في أقصى الجنوب. تصبح عقدة في خريطة. وميناء في اقتصاد. وبوابة في استراتيجية. ورمزا في معركة الاعتراف.
اللقاء بين بوريطة وبولس: الكلمات القليلة التي تقول الكثير
في 23 سبتمبر، التقى ناصر بوريطة بمسعد بولس على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. البيان الأمريكي عن اللقاء كان مقتضبا: شراكة أمريكية-مغربية قديمة، وأولويات إقليمية مشتركة، والتزام بتعميق التعاون من أجل السلام والأمن والازدهار. لكن السياسة لا تقاس دائما بطول البيان. أحيانا يكون اختصار البيان هو الرسالة. فاللقاء جاء بعد أيام فقط من إعادة واشنطن تأكيد سيادة المغرب على الصحراء. وجاء بعد زيارة بولس إلى الجزائر. وجاء في وقت تستعد فيه الأمم المتحدة لمراجعة ولاية المينورسو. وجاء بعد مسار تفاوضي أمريكي-أممي جمع المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو في لقاءات متتالية خلال 2026. أي أن اللقاء لم يكن معزولا. لقد جاء في منتصف عملية.
بولس في الجزائر: لماذا لا يمكن تجاهل هذه الرحلة؟
في 13 سبتمبر، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مسعد بولس في الجزائر العاصمة. وبعد ذلك، في نيويورك، التقى بولس وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، الذي أكدت وزارته أن مباحثاتهما تناولت تطورات الوضع في الصحراء، واتفق الجانبان على مواصلة المشاورات والتنسيق حول الموضوع. ثم كان لقاء بوريطة. وهنا يظهر التصميم الأمريكي. واشنطن لا تحاول، وفق ما تظهره هذه التحركات، أن تجعل المغرب والجزائر يتفقان على كل شيء. بل تحاول أن تبقيهما داخل الغرفة. وهذا فرق جوهري. فالوسيط الذي يريد تسوية نزاع طويل لا يستطيع أن يكتفي بالحديث مع الطرف الذي ينسجم معه. عليه أن يتحدث أيضا مع الطرف الذي يعترض. والجزائر، مهما اختلفت الرباط معها في توصيف دورها، تظل لاعبًا إقليميًا لا يمكن لأي مقاربة أمريكية جادة تجاه الصحراء أن تتجاهله.
وهنا تظهر براعة بوريطة… أو صعوبة مهمته
بالنسبة إلى الرباط، لا تكمن المسألة في إقناع واشنطن من جديد. الموقف الأمريكي موجود. المطلوب هو تحويله من اعتراف سياسي إلى بنية دوليّة دائمة. أي أن يصبح الاعتراف: قرارا دبلوماسيا، وموقفا في مجلس الأمن، وموقفا لدى الدول، واستثمارا، وقنصليات، وشراكات اقتصادية، وحضورا في الجنوب، وواقعا تنمويا يصعب تجاهله. هذه ليست مهمة بيان. إنها مهمة تراكم. وهنا تبدو الدبلوماسية المغربية وكأنّها تعمل بمنطق مختلف: لا تنتظر لحظة واحدة كبيرة. بل تبني عشرات اللّحظات الصغيرة حتى تصبح النتيجة الكبرى أقل قابلية للرجوع إلى الوراء.
القرار 2797: لماذا كان نقطة انعطاف؟
ينبغي هنا أن نكون دقيقين. قرار مجلس الأمن 2797 لم يقل إن النزاع انتهى. ولم يعلن أن الأمم المتحدة أقرت قانونيا بسيادة المغرب. لكن القرار وضع المبادرة المغربية للحكم الذاتي في مركز العملية التفاوضية، ودعا الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات على أساسها بهدف الوصول إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه. كما مدد ولاية المينورسو حتى 31 أكتوبر 2026. وقد حصل القرار على 11 صوتا مؤيدا وثلاثة امتناعات، بينما لم تشارك الجزائر في التصويت. هذا مهم. لكن الأهم هو ما حدث بعد القرار. فالولايات المتحدة لم تتعامل معه باعتباره مجرد وثيقة أممية. بل حاولت تحويله إلى عملية سياسية. وهنا جاءت لقاءات2026.
مدريد: حين خرج الملف من البيانات إلى الطاولة
في فبراير 2026، نجحت واشنطن والأمم المتحدة في جمع المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو حول محادثات في مدريد، تركزت على تنفيذ القرار 2797. وهذا في حد ذاته تطور سياسي مهم. ليس لأنه حل النزاع. بل لأنه أعاد الأطراف إلى غرفة واحدة. والغرفة، في السياسة، قد تكون أهم من البيان. لأن الجلوس إلى الطاولة يعني أن لغة الحرب الإعلامية لا تستطيع وحدها أن تحدد المستقبل. وقد نقلت تقارير عن تلك الاجتماعات أنها شهدت نقاشًا حول وثيقة مغربية محدثة للحكم الذاتي، مع بحث مسائل تقنية تتعلق بالضرائب والقضاء والأمن وغيرها من التفاصيل. وهذه نقطة شديدة الأهمية. لأن النزاعات الكبرى لا تُحل عندما يتفق الناس على الكلمات. تُحل عندما يبدأون في الاتفاق على الآليات. من يجبي الضريبة؟ من يدير الشرطة؟ من يملك الاختصاص القضائي؟ كيف تُوزع الموارد؟ كيف تُضمن الصلاحيات؟ كيف تُمارس السلطة؟ من يراقب التنفيذ؟ متى يبدأ؟ ومن يضمنه؟ عندما تصل المفاوضات إلى هذه الأسئلة، تكون قد انتقلت من عالم الشعارات إلى عالم الدولة.
وهنا ربما يكمن جوهر الانتظار الأمريكي
حين يقول بولس إن واشنطن تنتظر ملاحظات البوليساريو على الحكم الذاتي، فإن السؤال الأعمق ليس: هل ستقبل البوليساريو؟ بل: هل ستنتقل البوليساريو من مناقشة مبدأ الإطار إلى مناقشة هندسته؟ هذه النقلة، إن حدثت، ستكون سياسية بامتياز. لأن التفاوض حول التفاصيل يفترض ضمنا قبول الدخول في بنية الإطار. أما رفض الإطار من أساسه، فيبقي الحوار في مستوى المبادئ المتعارضة. ولذلك فإن «الملاحظات» التي تحدث عنها بولس قد تكون أهم من مجرد ملاحظات تقنية. قد تكون اختبارا أمريكيا: هل يوجد مجال لتفاوض حقيقي؟ أم أن الهوة لا تزال أعمق من أن تسمح بذلك؟
الجزائر: اللاعب الذي لا يستطيع أحد إخراجه من المعادلة
هناك قراءة سطحية ترى الجزائر عقبة فقط. لكن القراءة الاستراتيجية تحتاج إلى شيء أكثر تعقيدا. الجزائر قوة إقليمية. لها حدود واسعة مع المغرب وموريتانيا وليبيا ومالي والنيجر. لها ثقل في الساحل. ولها شبكة علاقات أفريقية وعربية. ولها تصورها الخاص للنظام الإقليمي المغاربي. كما أن قضية الصحراء جزء من بنية الصراع السياسي بين الجزائر والمغرب منذ عقود. ولهذا فإن الولايات المتحدة، إذا كانت تريد اتفاقا مستداما، تحتاج إلى التفكير في سؤال مختلف: كيف يمكن للجزائر أن تخرج من التسوية دون أن ترى نفسها قد خرجت مهزومة؟ هذه هي العقدة. ليس لأن التسوية تحتاج بالضرورة إلى موافقة جزائرية على كل بند، وإنما لأن الاستقرار الإقليمي يحتاج إلى ألا يتحول الحل إلى وقود لجولة جديدة من التوتر المغربي-الجزائري. وهنا تصبح الدبلوماسية الأمريكية فنا من فنون صناعة المخارج.
«المخرج الآمن» للجزائر: الحلقة المفقودة في كل حديث عن التسوية
أي تسوية تاريخية تحتاج إلى رواية تسمح لكل طرف بأن يقول لجمهوره: لم أخسر. هذه ليست مجاملة. إنها قاعدة من قواعد السياسة. إذا شعر طرف ما أن التوقيع يعني انهياره السياسي الداخلي، فإنه قد يرفض حتى لو كان يعرف أن التسوية تخدم بعض مصالحه. ولهذا فإن واشنطن قد تكون بحاجة إلى صيغة تتيح للجزائر أن تنتقل من موقف سياسي إلى آخر دون أن يبدو الانتقال استسلاما. قد يكون ذلك عبر: تأكيد مبادئ تقرير المصير ضمن التسوية السياسية. ضمانات دولية. مشاركة أممية في التنفيذ. تعزيز التنمية الإقليمية. إبقاء الجزائر في موقع دبلوماسي محترم. وفتح ملفات تعاون أمريكي-جزائري مستقلة عن الصحراء. ولا توجد أدلة علنية كافية حتى الآن للقول إن واشنطن أبرمت مثل هذه الصفقة. لكن منطق التفاوض يجعل البحث عن مثل هذا المخرج مفهوما.
ماذا يريد ترامب؟
السؤال الذي يطرحه كثيرون ليس: ماذا يريد بولس؟ بل: ماذا يريد ترامب؟ وهذا السؤال أهم. لأن بولس ليس صاحب سياسة مستقلة. إنه منفذ لسياسة الإدارة. وإذا نظرنا إلى السياسة الأمريكية من زاوية المصالح، يمكن تحديد عدة أهداف محتملة دون الحاجة إلى افتراض وجود «مؤامرة» أو خطة سرية.
أولا: تريد واشنطن استقرار شمال أفريقيا.
ثانيا: تريد شريكا مغربيا قويا ومستقرا.
ثالثا: تريد ألا يتحول المغرب العربي إلى ساحة نفوذ صيني أو روسي مغلق.
رابعا: تريد تعزيز العلاقات الاقتصادية والطاقة والأمن مع المغرب.
خامسا: تريد إبقاء الجزائر ضمن المدار الدبلوماسي الأمريكي وعدم دفعها بالكامل نحو خصوم واشنطن.
سادسا: تريد إنهاء نزاع إقليمي مزمن يستهلك طاقة دبلوماسية ويمنع اندماجا مغاربيا أوسع.
وسابعا، وربما الأهم، تريد واشنطن أن تثبت أن القوة الأمريكية لا تزال قادرة على صناعة اتفاقات كبرى حتى في مناطق فشلت فيها الدبلوماسية لعقود.
وهنا يصبح المغرب مهمًا. لكن الجزائر مهمة أيضًا. ولهذا تتحرك واشنطن بينهما.
المغرب بالنسبة إلى واشنطن ليس مجرد ملف الصحراء
العلاقة الأمريكية-المغربية أوسع بكثير من الصحراء. هناك تعاون أمني. وتعاون عسكري. وتدريبات مشتركة. وتجارة. واستثمارات. وعلاقات سياسية تاريخية. وموقع جغرافي بالغ الحساسية بين أوروبا وأفريقيا والأطلسي والمتوسط. ولهذا فإن مستقبل الصحراء مرتبط، من منظور واشنطن، بصورة أكبر من مجرد حدود. إنه مرتبط بسؤال: أي مغرب تريد الولايات المتحدة أن يكون شريكا لها في العقود المقبلة؟ مغرب مغلق على نفسه؟ أم مغرب أطلسي؟ أم مغرب بوابة لأفريقيا؟ أم مغرب يجمع بين المتوسط والأطلسي والساحل؟ المعطيات الأخيرة تشير إلى أن واشنطن تنظر إلى التنمية في الصحراء أيضا من زاوية اقتصادية. ففي سبتمبر 2025 أعلنت الولايات المتحدة تشجيع الشركات الأمريكية على الاستثمار في الأقاليم الجنوبية، فيما أكدت واشنطن في 2026 استمرار الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء. وهنا تتحول السياسة إلى اقتصاد. والاقتصاد، في الجغرافيا السياسية، قد يكون أحيانا أقوى من البيان.
الصحراء كـ«بنية تحتية للنفوذ»
يمكن النظر إلى المشروع المغربي في الجنوب من زاوية استراتيجية لا تتوقف عند النزاع. الطرق. الموانئ. الطاقة. الربط الأفريقي. الاستثمارات. الصيد. اللوجستيك. الربط الأطلسي. كلها تصنع واقعا جديدا. وهذا الواقع لا يحسم وحده النزاع القانوني أو السياسي. لكنه يغير قيمة الجغرافيا. فالأرض التي كانت تُرى باعتبارها منطقة نزاع تصبح في الوقت نفسه منطقة استثمار. والمنطقة التي كانت تُقرأ أمنيا تصبح عقدة تجارية. والمدينة التي كانت في هامش الخريطة تصبح جزءا من شبكة اقتصادية عابرة للحدود. وهنا يمكن فهم الرؤية المغربية تجاه أفريقيا الأطلسية والساحل. إنها ليست فقط دبلوماسية الاعتراف. إنها أيضا دبلوماسية إعادة تعريف قيمة المكان.
بوريطة في نيويورك: الدبلوماسية التي تريد أن تجعل الواقع يتحدث
قد يكون أحد أهم التحولات في الدبلوماسية المغربية هو الانتقال من الدفاع عن «حق تاريخي» فقط إلى بناء حجة متعددة الطبقات: حجة قانونية. وحجة دبلوماسية. وحجة تنموية. وحجة اقتصادية. وحجة أفريقية.وحجة أمنية. وهذا أكثر تعقيدا بكثير من رفع شعار سياسي. لأن العالم لا يتعامل فقط مع العواطف. يتعامل مع المصالح. ومن يريد تثبيت موقعه في النظام الدولي عليه أن يجعل مصالح الآخرين تتقاطع مع موقفه. هذه هي السياسة الواقعية.
لكن هنا يجب أن نقول شيئًا لا يحب السياسيون قوله
حتى أقوى المواقف لا تضمن وحدها التسوية. وحتى الاعتراف الأمريكي لا يعني تلقائيا أن باقي الأطراف ستوقع. وحتى قرار مجلس الأمن 2797 لا ينهي الخلاف. وحتى الزخم الدبلوماسي المغربي لا يلغي الحاجة إلى تفاوض. وحتى التنمية في الصحراء لا تحل وحدها الخلاف السياسي. القوة الحقيقية ليست في إنكار هذه الحقائق. بل في القدرة على التعامل معها. وهذا هو الفارق بين الوطنية الناضجة والوطنية الانفعالية. الوطنية التي تصلح لبناء سياسة دولة ليست صرخة. إنها نفس طويل. إنها القدرة على النظر إلى الخريطة عشرين سنة إلى الأمام.
ماذا يحدث إذا رفضت البوليساريو الانخراط؟
هذا هو أحد السيناريوهات التي يجب أن تؤخذ بجدية. إذا رفضت الجبهة الدخول في نقاش تفصيلي حول الحكم الذاتي، فقد تجد واشنطن نفسها أمام معضلة: كيف تدفع المسار دون أن تظهر وكأنها تفرض حلا من طرف واحد؟ في هذه الحالة قد تستمر واشنطن في الضغط الدبلوماسي. وقد تستمر الدول في تبني الموقف المغربي. وقد تستمر الأمم المتحدة في لعب دورها. وقد تتسع دائرة الاعترافات. لكن الحل النهائي قد يتأخر. وهنا يصبح الزمن نفسه أداة سياسية. كل سنة إضافية من التطورات الاقتصادية والدبلوماسية قد تغير حسابات الأطراف. لكن هذا السيناريو يحمل أيضا مخاطر. فالجمود الطويل قد يعيد إنتاج التوتر. وقد يمنح المتشددين على الجانبين حججا جديدة. وقد يجعل المنطقة أكثر عرضة للتقلبات في الساحل. ولهذا فإن «الانتظار» ليس وضعا بلا تكلفة.
ماذا لو قدمت البوليساريو ملاحظات قابلة للتفاوض؟
هنا تبدأ المرحلة الأكثر إثارة. لأن الولايات المتحدة ستضطر إلى تحديد ما تعتبره تعديلات مقبولة وما تعتبره خروجا عن جوهر الحكم الذاتي. والمغرب سيواجه السؤال نفسه. هل يمكن توسيع الصلاحيات؟ ما حدود الضمانات؟ هل يمكن إعطاء مؤسسات الحكم الذاتي ترتيبات دستورية خاصة؟ كيف تُضمن الموارد؟ ما وضع القوات والأمن؟ ما دور الأمم المتحدة؟ كيف يتم تنفيذ الاتفاق؟ وما الضمانات ضد العودة إلى النزاع؟ إذا بدأت هذه الأسئلة على الطاولة، فإن الملف سيدخل مرحلة جديدة تماما. لن يعود النقاش: «سيادة أم استقلال؟» بل: كيف تُترجم التسوية السياسية إلى مؤسسات؟ وهذه هي المرحلة التي يمكن أن تصنع التاريخ.
السيناريو الثالث: اتفاق إطار أمريكي
ربما يكون هذا أحد الخيارات التي كانت واشنطن تطمح إليها. اتفاق لا يحل كل التفاصيل. لكنه يحدد: الإطار. المبادئ. الضمانات. الجدول الزمني. والجهة التي تتولى التنفيذ. ثم تترك التفاصيل للجان الفنية. وهذا النموذج قد يكون أكثر قابلية للتطبيق من محاولة كتابة «دستور كامل للصحراء» في جلسة واحدة. فالسلام في النزاعات الطويلة لا يولد كاملا. يولد أحيانا كوثيقة قصيرة، ثم تنمو حولها المؤسسات.
ولكن هناك عاملا لا ينبغي الاستهانة به: إيران
في الوقت الذي تتحرك فيه واشنطن في الصحراء، فإن الشرق الأوسط يعيش أزمة كبرى. وقد طغت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران على جزء كبير من أجندة الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، إلى جانب الحرب في أوكرانيا وملفات الطاقة والممرات البحرية. هذا يعني أن الإدارة الأمريكية تعمل في بيئة استراتيجية شديدة الازدحام. لكن من الخطأ القول إن ذلك «أوقف» ملف الصحراء. الوقائع الأخيرة تقول شيئا أكثر تعقيدا. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تغلي، أعادت واشنطن تأكيد سيادة المغرب على الصحراء، وتحرك بولس بين الجزائر ونيويورك، واجتمع مع بوريطة، كما واصلت الإدارة الأمريكية دعم الاستثمار في الصحراء. إذن يمكن القول إن الأولوية التكتيكية للصحراء قد تتأثر بأزمات أكبر. لكن التموضع الاستراتيجي الأمريكي لم يظهر أنه تراجع. وهذا فارق بالغ الأهمية.
لماذا قد يكون «عدم وجود حل وشيك» خبرا جيدا من زاوية مختلفة؟
لأن أخطر شيء في النزاعات الكبرى هو أن يصدق الوسطاء أن الإعلان عن الموعد يعادل صناعة الحل. إذا كانت واشنطن قد اكتشفت أن مايو كان موعدا متفائلا، فإن الاعتراف بذلك أفضل من فرض اتفاق هش. فالسلام الذي يولد تحت ضغط الساعة قد يموت بعد انتهاء الساعة. أما الاتفاق الذي يبنى على ترتيبات واقعية، فقد يعيش عقودا. ولذلك فإن تأخر التسوية لا يعني بالضرورة فشل المسار. المعيار الحقيقي هو: هل يتحرك المسار إلى الأمام أم يدور في المكان نفسه؟ وهنا توجد مؤشرات على الحركة: قرار 2797. اجتماعات مدريد. عودة الأطراف إلى التفاوض. تحركات بولس. الاتصالات الأمريكية مع الجزائر. الاتصالات الأمريكية مع المغرب. التنسيق مع الأمم المتحدة. وتكثيف الاعترافات والمواقف الدولية المؤيدة للمبادرة المغربية. هذه ليست صورة ملف ميت. لكنها ليست أيضا صورة اتفاق جاهز للتوقيع. إنها صورة مسار تحت الاختبار.
والسؤال الكبير: هل تستطيع واشنطن أن تجعل الجزائر والبوليساريو تتعايشان مع الواقع الجديد؟
هنا توجد العقدة الحقيقية. المغرب يريد أن تتحول قاعدة الحكم الذاتي إلى قاعدة نهائية للتفاوض. الجزائر تتمسك بمبادئها المعلنة بشأن تقرير المصير. البوليساريو لا تزال ترفض أن تتحول القضية إلى مجرد ترتيبات للحكم المحلي تحت السيادة المغربية. والولايات المتحدة تحاول أن تجد مساحة وسطى بين هذه المواقف دون أن تتراجع عن اعترافها بالمغرب. هذه ليست مهمة سهلة. لكنها ليست مستحيلة أيضا. والتاريخ مليء بتسويات بدت مستحيلة قبل أن تصبح ممكنة.
المغرب أمام فرصة تاريخية… وأمام مسؤولية تاريخية
إذا كان هناك شيء ينبغي أن تفهمه الرباط في هذه اللحظة، فهو أن مرحلة «كسب الاعتراف» ليست هي نفسها مرحلة «إدارة الانتصار الدبلوماسي». الاعتراف الأمريكي كان تحولا تاريخيا. والقرار الأممي 2797 تحول مهم. لكن المرحلة القادمة أكثر تعقيدا. لأن المغرب سيكون مطالبًا بإقناع العالم ليس فقط بأن الحكم الذاتي خيار سياسي، بل بأنه قابل للحياة. وهذا يعني: مؤسسات قوية. حكامة محلية. تنمية حقيقية. عدالة في توزيع الفرص. استثمارات. تعليم. صحة. بنية تحتية. وانفتاح سياسي واجتماعي يسمح لأي صيغة مستقبلية بأن تكتسب شرعيتها من حياة الناس اليومية. فالدولة لا تكسب معركة تاريخية فقط بما تقوله في نيويورك. تكسبها أيضا بما يراه المواطن على الأرض.
الوطنية التي تحتاجها المرحلة ليست صاخبة
هناك وطنية تصرخ. وهناك وطنية تبني. وهناك وطنية تتعامل مع التاريخ باعتباره سلاحا في الخطاب. وهناك وطنية تتعامل مع المستقبل باعتباره مسؤولية. والمرحلة الحالية تحتاج إلى النوع الثاني. أن يكون للمغرب اعتزازه بتاريخ الصحراء وارتباطه بها، فهذا أمر مفهوم داخل السردية الوطنية المغربية. لكن في الدبلوماسية الدولية، قوة هذه السردية تتضاعف عندما تُترجم إلى: مؤسسات. تنمية. استقرار. شراكات. وحلول سياسية قابلة للتطبيق. الوطنية الأقوى ليست التي ترفض كل سؤال. بل التي تستطيع أن تجيب عن أصعب الأسئلة.
بوريطة وبولس: ماذا يعني أن يلتقيا بينما كان بولس قد التقى تبون؟
قد يكون هذا المشهد هو أكثر مشاهد سبتمبر دلالة. بولس في الجزائر. بولس في الأمم المتحدة. بولس مع بوريطة. بولس مع عطاف. والملف نفسه في كل هذه اللقاءات. إنه أشبه بيد أمريكية تحاول أن تضع أصابعها على مفاتيح بيانو متباعدة، وتريد أن تنتج منها نغمة واحدة. لكن النغمة ليست جاهزة. لأن الرباط لها إيقاعها. والجزائر لها إيقاعها. والبوليساريو لها إيقاعها. والأمم المتحدة لها إيقاعها. وواشنطن تحاول أن تكون قائد الأوركسترا.لكن قائد الأوركسترا لا يستطيع إجبار العازفين على الشعور بالموسيقى نفسها.
ما الذي قد تفعله واشنطن الآن؟
يمكن تصور خمسة مسارات متوازية:
أولا: الضغط من أجل رد ّعملي من البوليساريو.
ليس بالضرورة قبول الحكم الذاتي فورا، وإنما تقديم ملاحظات محددة.
ثانيا: إبقاء الجزائر داخل العملية.
وهو ما تؤكده كثافة اتصالات بولس مع المسؤولين الجزائريين.
ثالثا: تعزيز العلاقة مع المغرب.
ليس فقط في الصحراء، بل في الأمن والطاقة والتجارة والتنمية.
رابعا: العمل داخل الأمم المتحدة.
وقد ظهر ذلك في لقاء بولس مع مسؤولة الأمم المتحدة للشؤون السياسية وفي تأكيده أن الحل يجب أن يكون مستداما ومتوافقا مع القرار 2797.
خامسا: انتظار اللحظة الإقليمية المناسبة.
لأن التسويات التاريخية تحتاج أحيانا إلى نافذة سياسية. والنافذة لا تُفتح بالقوة وحدها. أحيانا تفتحها الأزمات. وأحيانا تفتحها تغيرات القيادة. وأحيانا تفتحها المصالح الاقتصادية.
وماذا لو طال الانتظار؟
سيكون هذا هو السيناريو الأخطر.ة لأن كل طرف قد يعتاد على الوضع القائم. المغرب يواصل التنمية والدبلوماسية. الجزائر تواصل موقفها. البوليساريو تواصل رفضها. الأمم المتحدة تواصل إدارة الملف. وواشنطن تنتقل بين أزمات العالم. وهكذا يصبح النزاع مثل ساعة قديمة توقفت عقاربها، لكن الجميع يستمر في النظر إليها. وهذا بالضبط ما تريد واشنطن تجنبه عندما تقول إن الوضع القائم لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. وقد قال نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو في نيويورك في 25 سبتمبر إن واشنطن تريد العمل مع المغرب وباقي الأطراف المعنية لحل النزاع، مشددا على أن الوضع القائم لا يمكن أن يستمر. كما أكد الرؤية الأمريكية للتنمية في الصحراء تحت السيادة المغربية. هذه العبارة ربما تكون أهم من عبارة «لا حل وشيك». لأنها تعني: لا حل الآن، لكن لا قبول باستمرار الوضع إلى ما لا نهاية. هذه هي المعادلة الأمريكية الجديدة يمكن اختصارها في جملة واحدة: الاعتراف ثابت، والحل مؤجل، والضغط مستمر. وهذه معادلة مختلفة تمامًا عن التراجع. واشنطن لم تقل: سنبحث عن إطار جديد. بل تقول: الإطار معروف، لكن الأطراف لم تتفق بعد على تفاصيله. وهذا هو سبب انتظار الملاحظات.
الصحراء بين الرمال والخرائط
هناك شيء شاعري في أن يكون أكثر الملفات تعقيدا في المغرب العربي مرتبطا بأرض تبدو في صور الأقمار الصناعية واسعة وصامتة وفارغة. لكن الصحراء ليست فارغة. إنها مليئة بالتاريخ. وبالحدود. وبالذاكرة. وبالموانئ. وبالمعادن. وبطرق التجارة. وبالحسابات العسكرية. وبالمياه. وبالطاقة. وبالمستقبل الإفريقي. ولهذا فإن الصحراء ليست طرفا في الجغرافيا. إنها جغرافيا تتحول إلى سياسة. ومن يفهم ذلك يفهم لماذا أصبحت الداخلة والعيون وموقع المغرب الأطلسي جزءا من خطاب اقتصادي ودبلوماسي متزايد. لا نعيش لحظة الحسم… بل لحظة إعادة تشكيل الحسم. ربما يكون أكبر خطأ هو أن نسأل اليوم: هل حُسمت قضية الصحراء؟ السؤال الأدق هو: من الذي يحدد شروط الحسم المقبل؟ وهنا تظهر أهمية ما حدث خلال السنوات الأخيرة. الولايات المتحدة حددت موقفها. مجلس الأمن أعاد تشكيل إطار التفاوض. المغرب كثف حضوره الدبلوماسي والاقتصادي. الجزائر دخلت في اتصالات مباشرة مع واشنطن. البوليساريو تواجه ضغوطا للتفاعل مع إطار تفاوضي جديد. والأمم المتحدة تحاول الحفاظ على الشرعية الإجرائية للمسار. إذن الحسم لم يقع. لكن هندسة الحسم تتغير. وهذا ربما هو المعنى الأعمق لكل ما يجري في نيويورك.
حين تتكلم نيويورك بلغة الرمال
في نيويورك، لا تتحرك الصحراء. لكن الذين يتفاوضون حولها يتحركون. وهذا هو سر السياسة. الأرض ثابتة. أما خرائط المصالح فمتحركة. بوريطة جاء إلى نيويورك وهو يحمل معه ثقل الموقف المغربي وتراكم سنوات من العمل الدبلوماسي. بولس جاء وهو يحمل سؤال واشنطن الأصعب: كيف يمكن تحويل اعتراف سياسي واضح إلى اتفاق سياسي قابل للتوقيع؟ الجزائر جاءت بموقفها وحساباتها. والبوليساريو تقف أمام سؤال لا تستطيع السياسة الأمريكية تجاهله: هل ستكتفي برفض الإطار أم ستدخل في هندسة تفاصيله؟ والأمم المتحدة تقف في المنتصف، حاملة القرار 2797 كوثيقة تقول إن المسار الجديد لم يعد يشبه تمامًا المسار القديم. وفي الخلفية، تتحرك حرب إيران وأسواق الطاقة وأزمات الساحل وأوكرانيا، وكأن العالم اختار أن يضع فوق ملف الصحراء كل أزمات القرن دفعة واحدة. لكن الصحراء بقيت هناك. هادئة. عنيدة. كأنها تعرف أن الزمن الطويل ليس عدوًا لمن يعرف كيف يديره. ولهذا فإن عبارة مسعد بولس «لا يوجد حل وشيك» لا ينبغي أن تُقرأ كإعلان هزيمة للمسار. إنها أقرب إلى الاعتراف بأن آخر أمتار التسويات الكبرى هي أصعبها. فالولايات المتحدة ثبتت موقفها. والقرار الأممي أعاد رسم أرضية التفاوض. والمغرب يواصل بناء شبكة من العلاقات والمصالح حول رؤيته. والجزائر تتفاوض مع واشنطن وتراقب التحول.
والبوليساريو مطالبة بتحديد ما تستطيع أن تضعه على طاولة التفاوض. والوقت وحده سيكشف ما إذا كانت هذه العناصر ستلتقي في نقطة واحدة. لكن شيئا واحدا يبدو واضحا: لم تعد المعركة تدور فقط حول من يملك الرواية الأقوى عن الماضي؛ بل حول من يستطيع أن يصوغ المستقبل الأكثر قابلية للحياة. وهنا، بالضبط، تنتقل قضية الصحراء من دفتر التاريخ إلى دفتر الجغرافيا السياسية. ومن خطاب الذاكرة إلى هندسة الدولة. ومن السؤال: لمن الصحراء؟ إلى السؤال الأصعب: كيف سيكون شكل السلام إذا جاء؟ ذلك هو السؤال الذي سيبقى معلقا فوق نيويورك في الأسابيع المقبلة. وذلك هو السؤال الذي ستُختبر عنده قدرة واشنطن على صناعة التسوية، وقدرة الرباط على تحويل الزخم الدبلوماسي إلى واقع مؤسسي وتنموي، وقدرة الجزائر والبوليساريو على الانتقال من صلابة الموقف إلى مرونة التفاوض.
أما المغرب، فإن الرهان أمامه لم يعد مجرد أن يربح جولة دبلوماسية. الرهان هو أن يحول موقعه المتقدم في هذه اللحظة إلى مشروع مستدام للجنوب؛ مشروع يجعل التنمية شريكا للسياسة، والاقتصاد سندا للدبلوماسية، والمؤسسات حارسًا للشرعية، والانفتاح على إفريقيا جزءا من قوة المغرب في القرن الحادي والعشرين. وعندها فقط تصبح الرمال أكثر من رمال. تصبح جسرا. وتصبح الخريطة أكثر من خطوط. تصبح قدرا جيوسياسيا. وتصبح الدبلوماسية أكثر من بيانات. تصبح فنا في تحويل التاريخ إلى مستقبل. وهذه، في نهاية المطاف، هي المعركة الحقيقية التي تدور الآن – بصمت شديد – بين الرباط والجزائر وواشنطن ونيويورك. معركة لا تُسمع فيها المدافع. لكنها قد تعيد رسم خريطة المغرب العربي لأجيال.

نتمنى كل الخير في حل هذا الملف لجميع شعوب المنطقة المتجاورة.