الكراسي ليست المشكلة… المشكلة حين يصبح الكرسي غاية

عين من المهجر: الصندوق قال كلمته… لكنه ترك وراءه أسئلة أكبر

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجا. إذا كانت الانتخابات، كما يقول بعض الخطاب السياسي أحيانا، لا تغير كثيرا من واقع المواطن؛ وإذا كانت البرامج لا تجد طريقها إلى التنفيذ؛ وإذا كانت الوعود الانتخابية تتآكل بعد الوصول إلى السلطة؛ وإذا كان المواطن لا يرى فرقا حقيقيا في حياته اليومية… فلماذا كل هذا الصراع من أجل الكراسي؟ ولماذا يصبح الوصول إلى البرلمان والحكومة معركة شرسة، بينما يصبح الوصول إلى المواطن نفسه مهمة مؤجلة؟ الكرسي في السياسة ليس عيبا. والطموح إلى رئاسة الحكومة ليس عيبا. والتنافس على الوزارة ليس عيبا. بل إن هذا هو جوهر التنافس الديمقراطي. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الكرسي من وسيلة إلى غاية. عندما يصبح المنصب أهم من البرنامج. وعندما تصبح الحقيبة أهم من الإصلاح. وعندما تصبح التحالفات هندسة لتوزيع المواقع بدل أن تكون تعاقدا على الأولويات. وعندما يصبح المواطن رقمًا مطلوبا في يوم الاقتراع، ثم يتحول بعد إعلان النتائج إلى متفرج على المشهد. عندها لا تعود المشكلة في الكرسي. المشكلة في المعنى الذي يعطي للكرسي. فالكرسي العام ليس ملكا لصاحبه. إنّه أمانة مؤقتة، وصلاحية محدودة، وتفويض قابل للمحاسبة.

تغيير الخريطة لا يعني بالضرورة تغيير الثقافة السياسية

هناك تحول واضح في توزيع المقاعد. لكن السؤال الأعمق هو: هل ستتغير السياسة نفسها؟ الأحزاب الثلاثة التي شكلت الحكومة المنتهية ولايتها، الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، جاءت في المراتب الثلاث الأولى في نتائج 2026. وهنا لا نريد إصدار حكم مسبق. لكن السؤال يبقى مشروعا: هل نحن أمام تغيير في الحكومة، أم أمام إعادة ترتيب داخل الخريطة السياسية نفسها؟ الجواب لن تقدمه المقاعد وحدها. سيقدمه ما ستفعله الحكومة المقبلة. فإذا تغيرت الوجوه وبقيت طريقة التفكير نفسها، فلن يكون التغيير إلا تغييرًا في الديكور. أما إذا تغيرت طريقة صناعة القرار، وتغيرت علاقة الحكومة بالمواطن، وتغيرت طريقة اختيار المسؤولين، وتغيرت معايير تقييم الوزراء، وأصبحت البرامج قابلة للقياس والمحاسبة، فهنا يمكن الحديث عن تحول حقيقي. الديمقراطية ليست أن يتناوب الأشخاص على الكراسي؛ الديمقراطية أن تتغير طريقة استعمال الكراسي.

المغرب يتحرك بسرعة… والسياسة مطالبة بأن تلحق به

هذه النقطة بالنسبة إليّ شديدة الأهمية. المغرب اليوم ليس مغرب الأمس.هناك أوراش كبرى، واستثمارات، وبنية تحتية، وتحولات صناعية، ومشاريع مرتبطة بكأس العالم 2030، ورهانات على الطاقة، والماء، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع، والاقتصاد الأخضر، والدبلوماسية الاقتصادية، والانفتاح الإفريقي. المملكة تراكم مشروعا تنمويا طويل النفس.وهذا يضع الحكومة المقبلة أمام امتحان من نوع مختلف.وهل تستطيع السياسة أن تتحرك بسرعة التنمية نفسها؟ هذه هي المسألة. فالدولة تستطيع إطلاق مشروع. لكن الحكومة مطالبة بتدبيره. والحكومة تستطيع إعلان إصلاح. لكن الإدارة مطالبة بتنفيذه. والوزير يستطيع تقديم وعد. لكن المواطن يريد نتيجة. ومن هنا قد تظهر أخطر فجوة يمكن أن تواجه المغرب: دولة تسرّع خطى التنمية، مقابل حياة سياسية لا تزال في بعض جوانبها أسيرة صراعات المواقع. وهذه الفجوة ينبغي ألا تُستهان بها.

ماذا ينتظر المغربي على أرض الوطن؟

المواطن المغربي لا ينتظر خطبا جديدة. ينتظر مدرسة أفضل. ومستشفى أكثر إنصافا. وشغلا كريما. وإدارة أقل تعقيدا. وسكنا يمكن تحمّل كلفته. ونقلا محترما. وماء مضمونا. ومجالا اقتصاديا يسمح للشاب بأن يبدأ حياته دون أن يشعر أن الهجرة هي الطريق الوحيد أمامه. ينتظر أيضا دولة قوية في تطبيق القانون، ومؤسسات تستمع إليه، وسياسيا يستطيع أن يقول له بوضوح: هذا ما وعدنا به. وهذا ما أنجزناه. وهذا ما لم ننجزه. وهذه أسباب فشلنا. وهذا ما سنفعله لتصحيحه. هذا النوع من الصراحة هو الذي يعيد السياسة إلى معناها.

وماذا عن الدبلوماسية؟

المغرب لا يعيش فقط معركة التنمية الداخلية. هناك عالم مضطرب، ومنافسة دولية، وتحولات جيوسياسية، وأسئلة أمنية واقتصادية، وموقع إفريقي يتزايد أهمية. الحكومة المقبلة مطالبة بأن تجعل الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والعلمية جزءا من العمل الحكومي، لا ملفا منفصلا عن الاقتصاد. المغرب يحتاج إلى أن يبيع للعالم ليس فقط المنتجات، وإنما الثقة في المغرب. يحتاج إلى جذب الاستثمارات. وتوسيع الشراكات. وتقوية حضوره في إفريقيا. وتحويل موقعه الجغرافي إلى قيمة استراتيجية. والاستفادة من علاقاته الأوروبية والمتوسطية والأطلسية والإفريقية. وفي هذا المجال، يجب أن تعمل السياسة الخارجية والاقتصاد والتنمية كأنها أصابع اليد نفسها. لأن الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين لم تعد فقط بيانات ومصافحات. إنها استثمار، وتكنولوجيا، وأسواق، وطاقة، وأمن غذائي، وموانئ، وسلاسل إنتاج، وتعليم، وثقافة، وصورة دولة

فاطمة الزهراء المنصوري: هل تكون المسألة أكبر من امرأة في رئاسة الحكومة؟

إذا انتهى المسار الدستوري والسياسي إلى اختيار فاطمة الزهراء المنصوري لرئاسة الحكومة، فسيكون ذلك حدثا رمزيا وسياسيا مهما في تاريخ المغرب. لكن قيمة هذه اللحظة لن تكون في الصورة الأولى أمام الكاميرات. قيمتها ستكون في اليوم التالي. هل ستكون المرأة المغربية شريكا كاملا في صناعة القرار؟ هل ستفتح الأحزاب أبوابها أمام الكفاءات النسائية؟ هل تستطيع المرأة أن تنافس داخل الحزب على أساس البرنامج والكفاءة؟ هل تتجاوز الأحزاب منطق الحضور النسائي الرمزي إلى التمكين الحقيقي؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق النقاش. فالمرأة المغربية لا تحتاج إلى أن تكون مجرد عنوان تاريخي. تحتاج إلى أن تصبح جزءا طبيعيا من بنية القرار. أما الحديث عن وجود منافسة محسومة بين المنصوري ولقجع، فلا ينبغي التعامل معه كحقيقة. المنصوري نفسها نفت وجود صراع بينهما، وأكدت أن قرار تعيين رئيس الحكومة يعود إلى الملك. والحسم في نهاية المطاف مؤسساتي ودستوري، لا إعلامي.

وفوزي لقجع؟ النجاح لا ينتقل آليا من الملعب إلى الحكومة

فوزي لقجع شخصية أثارت اهتماما سياسيا متزايدا، بحكم تجربته في المجال الرياضي وموقعه في تدبير الميزانية، وبالنظر إلى الدور الذي تلعبه الرياضة والدبلوماسية الرياضية في صورة المغرب الدولية. لكن رئاسة الحكومة شيء آخر. الحكومة ليست ميزانية فقط. وليست كرة قدم. وليست مشروعا واحدا. إنها منظومة هائلة: التعليم، الصحة، الاقتصاد، الشغل، العدل، الإدارة، الثقافة، العلاقات الخارجية، الاستثمار، الحماية الاجتماعية، الأمن المائي، التحول الرقمي، وغيرها. لذلك فإن أي تقييم لأي اسم محتمل ينبغي أن يكون هادئا وعقلانيا: ما الذي أثبته؟ وما الذي لم يُختبر فيه بعد؟ وهذه الأسئلة ليست انتقاصا من الكفاءة، بل حماية للنقاش السياسي من صناعة الأبطال قبل أوانهم.

قاعدة وطنية للكفاءات المغربية بالخارج

ليست الجرأة السياسية في أن تختار الحكومة المقبلة مغربيا أو مغربية من المهجر لتزيين مشهدها الوزاري. الجرأة الحقيقية تبدأ عندما تضع الدولة قواعد معلنة لاختيار الكفاءة، ومعايير قابلة للقياس لمحاسبتها. فإذا كانت الدولة جادة في اعتبار مغاربة العالم ثروة بشرية ومعرفية، فلماذا لا تُفتح عملية الاختيار على أوسع نطاق ممكن؟ لماذا لا تنشأ، قبل تشكيل الحكومة، قاعدة وطنية للكفاءات المغربية بالخارج، تُسجّل فيها الخبرات العلمية والمهنية والإدارية، لا باعتبارها لائحة علاقات، وإنما باعتبارها خريطة للطاقات المغربية المنتشرة في العالم؟ ولماذا لا تُعلن الوزارات ذات الأولوية-الصحة، الاقتصاد، الصناعة، الثقافة، الرقمنة، التعلي- عن ملفات كفاءات تحتاجها الدولة، ثم تُستقبل الترشيحات وفق معايير واضحة: التجربة، النتائج، القدرة على الإدارة، المعرفة بالبيئة المغربية، النزاهة، والقدرة على تحويل الخبرة الدولية إلى حلول قابلة للتطبيق داخل المغرب؟

عندها يصبح السؤال مختلفا. لن يكون: “من يعرف من؟” بل: “من يستطيع أن ينجز ماذا؟” وهنا يمكن أن تبدأ آلية اختيار لا تخضع فقط للانطباع السياسي. تُشكّل لجنة مستقلة متعددة الاختصاصات لدراسة الترشيحات، ويُطلب من كل مرشح لمنصب حكومي أن يقدم تصورا عمليا قصيرا للقطاع الذي سيتولاه: ما الذي سيغيره؟ خلال أي مدة؟ وبأي موارد؟ وما المؤشرات التي سيقبل أن يُحاسب عليها؟ ثم تُعلن الحكومة، عند التعيين، عن عقد أهداف عمومي لكل وزير من مغاربة العالم، كما لكل وزير آخر، يتضمن مجموعة محددة من الالتزامات والمؤشرات والآجال. لا يكفي أن نقول إن وزيرا للصحة يريد إصلاح المستشفيات. بل يجب أن نعرف: ما الذي سيتغير؟ كم سيستغرق؟ ما المؤشر الذي سيقيس النجاح؟ وما الذي سيحدث إذا لم تتحقق الأهداف؟ هنا تنتقل السياسة من عالم النوايا إلى عالم الحساب. ويمكن أن تُعرض حصيلة نصف سنوية أمام البرلمان، وأن يُنشر للرأي العام تقرير تنفيذ يوضح ما تحقق، وما تعثر، ولماذا تعثر، وما الإجراءات التصحيحية المتخذة.

بل يمكن أن تذهب الدولة أبعد من ذلك: جلسة مساءلة سنوية مخصصة لسياسة الدولة تجاه مغاربة العالم، لا لمجرد الاستماع إلى الخطب، وإنما لفحص ملفات ملموسة: القنصليات، الرقمنة، الاستثمار، نقل الوثائق، حماية الحقوق، وضعية أبناء الجيل الثاني والثالث، ونقل الكفاءات والخبرات. وحين يتعلق الأمر بوزير من مغاربة العالم، يجب ألا تكون مساءلته أكثر تساهلا لأنّه جاء من الخارج، ولا أكثر قسوة لأنه جاء من الخارج. الجواز لا يمنح حصانة، والإقامة السابقة في الخارج لا تمنح امتيازا. الكفاءة تُختبر بالنتائج. وهذا مهم حتى لا يتحول شعار إدماج مغاربة العالم إلى محاصصة رمزية: وزير من فرنسا، وآخر من بلجيكا، وثالث من كندا، وكأن توزيع الخرائط الجغرافية أصبح بديلا عن توزيع المسؤوليات. لا ينبغي أن يكون السؤال: كم وزيرا من مغاربة العالم دخل الحكومة؟ بل: كم مشكلة استطاعت هذه الكفاءات أن تحل؟

وهناك آلية أخرى أكثر جرأة: إنشاء مرصد مستقل للكفاءات المغربية بالخارج والسياسات العمومية الموجهة إليها، يضم خبراء وأكاديميين ومهنيين وممثلين عن المجتمع المدني، وتكون مهمته إصدار تقارير دورية حول مدى تنفيذ الالتزامات الحكومية. فإذا كانت الدولة تطلب من مغربي العالم أن يثق بها، فعليها أن تمنحه في المقابل شيئا ثمينا: الشفافية. شفافية في التعيين. شفافية في الأهداف. شفافية في النتائج. وشفافية في أسباب الإخفاق عندما يحدث. أما في المجال الثقافي، فيمكن أن تكون المساءلة أكثر دقة. إذا كان الهدف أن يشعر أبناء الجيل الثاني والثالث بأن المغرب ليس مجرد قصة يرويها الآباء، فلا يكفي تنظيم أسابيع ثقافية ومهرجانات موسمية. يجب وضع مؤشرات حقيقية: عدد البرامج التعليمية والثقافية الموجهة إليهم، عدد المستفيدين، مدى انتشار تعليم العربية والأمازيغية، إنتاج المحتوى الرقمي الموجه إلى الشباب، الشراكات مع المدارس والجامعات في بلدان الإقامة، ومدى مشاركة الشباب أنفسهم في تصميم هذه البرامج.

فإنّ أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه الدولة هو أن تصمم علاقة الجيل الثالث بالمغرب من دون أن تستمع إلى الجيل الثالث نفسه. ولهذا يمكن إنشاء مجلس استشاري شبابي لمغاربة العالم، بتركيبة شفافة وتمثيل متعدد البلدان والأجيال، تكون له صلاحية تقديم مقترحات وتقييم البرامج الثقافية الموجهة إلى الشباب. وهنا تصبح الثقافة جسرا، لا متحفا. أما الاستثمار، فيمكن أن يخضع بدوره لآلية مختلفة: مسار سريع وشفاف للمستثمر المغربي المقيم بالخارج، مع آجال محددة للرد الإداري، ومنصة رقمية لتتبع الملف، ونظام واضح للتظلم إذا تجاوزت الإدارة الآجال. فالاستثمار لا يخاف فقط من الضرائب أو المخاطر الاقتصادية؛ أحيانا يخاف من الغموض، ومن الباب الذي لا يعرف من يملك مفتاحه. ولذلك فإن أفضل طريقة لإقناع مغربي العالم بأن الدولة تريده مستثمرا ليست دعوته إلى مؤتمر فاخر، وإنما أن تمنحه إدارة يمكن التنبؤ بها.

يمكن وضع قاعدة بسيطة أمام أي حكومة مقبلة: لا تعيّن كفاءة من مغاربة العالم لأنها من مغاربة العالم، ولا تستبعدها لأنها من مغاربة العالم. نختَرها لأنها تملك الكفاءة. نختبرها لأنها تملك المسؤولية. نحاسبها لأنها تملك السلطة. ونعطيها فرصة النجاح لأنّها خضعت لنفس القواعد التي يخضع لها الجميع. عندها فقط يصبح تعيين مغربي من المهجر وزيرا في الصحة أو الاقتصاد أو الصناعة أو الثقافة أكثر من صورة سياسية. يصبح تجربة دولة. والتجارب الجادةليست بعدد التصفيقات عند إعلانها، بل بعدد النتائج التي تستطيع الدولة أن تضعها على الطاولة بعد سنوات. وربما يكون السؤال الأكثرعمقا والذي ينبغي أن يرافق الحكومة المقبلة هو: إذا كانت الدولة تثق في كفاءة المغربي حين يعمل في الخارج، فلماذا لا تختبر هذه الكفاءة حين تعمل من أجلها في الداخل؟ ثم سؤال أكثر إزعاجا: وإذا منحته الدولة السلطة، فهل تملك الشجاعة نفسها لمحاسبته؟ هنا بالضبط تبدأ الجرأة السياسية الحقيقية.

والشباب؟

ربما يكون الشباب هو الامتحان الأكبر. فإذا ابتعد الشاب عن السياسة، فليس من الحكمة أن نقول له فقط: لماذا لا تصوّت؟ يجب أن نسأله: لماذا لا تجد في السياسة ما يجعلك تريد التصويت؟ الشاب يريد العمل. يريد السكن. يريد مستقبلا. يريد أن يؤسس مشروعا. يريد أن يشعر بأن الكفاءة يمكن أن تفتح له الباب. يريد أن يرى جيله داخل الأحزاب والبرلمان والحكومة. ويريد أن يعرف أن المغرب الذي يحلم به ليس مجرد شعار. فإذا لم يجد ذلك، فقد يبحث عن مستقبله في مكان آخر. وأخشى أن تكون أخطر هجرة ليست هجرة الجسد فقط. أخطر هجرة هي هجرة الثقة.

الحكومة المقبلة: لا نريد حكومة تفوز… نريد حكومة تنجح

الانتخابات انتهت. والآن يبدأ الامتحان الحقيقي. الأغلبية المقبلة لن تُقاس فقط بعدد المقاعد. بل بقدرتها على الإنجاز. المغرب مقبل على استحقاقات كبرى. 2030 ليست مجرد كأس عالم. إنها موعد دولي يجب أن يتحول إلى رافعة دائمة للبنية التحتية والسياحة والاستثمار والتشغيل وصورة المغرب. الماء ليس مجرد ملف قطاعي. إنه قضية أمن وطني وتنمية ومستقبل. التعليم ليس وزارة فقط. إنه مستقبل الأجيال. والذكاء الاصطناعي ليس موضة. إنه تحول اقتصادي سيعيد تعريف الوظائف والصناعة والخدمات. والدبلوماسية ليست واجهة. إنها جزء من القوة الاقتصادية والاستراتيجية للدولة. لذلك نحتاج إلى حكومة تفكر في المغرب بعد 2030، لا في 2030 فقط.

ماذا يجب أن يتغير عما سبق؟

أول ما يجب أن يتغير هو طريقة تقييم الحكومة. لا يكفي أن تقول الحكومة إنّها أنجزت. يجب أن تقول: ماذا أنجزت؟ بكم؟ في أي وقت؟ وبأي نتيجة؟ وثاني ما يجب أن يتغير هو العلاقة مع البرلمان. المعارضة ليست عدوا للحكومة. المعارضة جزء من النظام الديمقراطي. والحكومة التي تخاف من الأسئلة البرلمانية تضعف نفسها. وثالث ما يجب أن يتغير هو علاقة الأحزاب بالشباب. الحزب الذي لا يجدد نخبه يموت ببطء حتى لو فاز في الانتخابات. ورابع ما يجب أن يتغير هو التعامل مع مغاربة العالم. لا نريدهم فقط في مواسم التحويلات والاستثمار. نريدهم في التفكير وصناعة القرار والمشاركة. وخامس ما يجب أن يتغير هو ثقافة المسؤولية. المسؤول الذي يفشل يجب أن يستطيع الاعتراف بالفشل. والمسؤول الذي ينجح يجب أن يقدم حساب نجاحه. هذه هي السياسة الناضجة.

صاحب الجلالة يعيّن رئيس الحكومة… لكن الحكومة لا تنجح بالإسم وحده

الدستور يحدد مسار تعيين رئيس الحكومة، كما أن الموقع الرسمي للانتخابات يوضح أن تشكيل الحكومة وتعيين رئيس الحكومة يأتيان بعد استكمال المسار الانتخابي والتحقق من النتائج. لكن تعيين رئيس الحكومة لا ينهي المسؤولية الديمقراطية. بل يبدأها. فالملك يعيّن. والحزب يقدم النخب. والحكومة تنفذ. والبرلمان يراقب. والمعارضة تنتقد وتقترح. والصحافة تسأل. والمواطن يحاسب. هذه هي سلسلة المسؤولية. وإذا اختلّ جزء منها، اختلّ البناء كله. لذلك فإن شخصية رئيس الحكومة مهمة، لكنها ليست كل شيء. قد يكون الرئيس قويا، لكن فريقه ضعيف. وقد يكون البرنامج ممتازا، لكن التنفيذ رديئا. وقد تكون النوايا حسنة، لكن الإدارة عاجزة. ولهذا فإن المغرب لا يحتاج فقط إلى رئيس حكومة. يحتاج إلى فريق دولة.

السؤال الذي ينبغي أن يلاحق الحكومة المقبلة

ليس: من ربح؟ ولا: من حصل على الوزارة؟ ولا: من جلس في الصف الأول؟ السؤال الحقيقي: ماذا سيتغير في حياة المغربي؟ ماذا سيتغير في المدرسة؟ في المستشفى؟ في الإدارة؟ في سوق الشغل؟ في حياة الفلاح؟ في حياة الشاب؟ في حياة المرأة؟ في حياة المقاول؟ في حياة المغربي المقيم بالخارج؟ وماذا سيتغير في صورة المغرب في العالم؟ إذا استطاعت الحكومة الإجابة عن هذه الأسئلة بالأرقام والنتائج، فستكون قد أعادت للسياسة شيئًا من بريقها. أما إذا بقيت الإجابات في حدود البلاغات والخطب، فستظل الفجوة قائمة.

لا نحتاج إلى ديمقراطية صاخبة… بل إلى ديمقراطية فعالة

أنا لا أريد للمغرب ديمقراطية تستورد نماذج الآخرين دون أن تراعي خصوصيته. ولا أريد ديمقراطية شعارات. ولا أريد فوضى باسم الحرية. أريد ديمقراطية مغربية ناضجة، داخل دولة قوية، ومؤسسات مستقرة، وقواعد واضحة، ومسؤولية سياسية حقيقية. المغرب لديه الكثير مما يفتخر به. استقرار. مؤسسات. مشاريع. موقع استراتيجي. طاقات بشرية. جالية واسعة. وشباب يمكن أن يكون قوة هائلة إذا وجد الأفق. لكن القوة الحقيقية لأي دولة لا تقاس فقط بما تبنيه. بل أيضا بقدرتها على جعل مواطنيها يشعرون بأنهم شركاء في البناء.

وفي النهاية… الكرسي ليس المشكلة

الكرسي ليس المشكلة. أن يطمح السياسي إلى الكرسي ليس مشكلة. المشكلة عندما يصبح الكرسي غاية. المشكلة عندما يصبح الوصول أهم من البرنامج. والمشكلة عندما يصبح توزيع المناصب أهم من توزيع الأمل. والمشكلة عندما يتقاتل السياسيون على من يجلس، بينما يسأل المواطن عن من سيحل مشكلته. المشكلة عندما يكون السؤال داخل الأحزاب: من سيحصل على الوزارة؟ بينما السؤال خارجها: متى سأجد عملا؟ وعندما يصبح السياسي منشغلًا بموقعه، بينما يصبح المواطن منشغلا بمستقبله.

ولهذا، فإنني لا أخاف من الأسئلة الصعبة

بل أخاف من اليوم الذي نتوقف فيه عن طرحها. أخاف من أن يصبح انخفاض المشاركة رقما لا قيمة له. أخاف من أن تصبح الانتخابات موسما، ثم تعود السياسة إلى غرفها المغلقة. أخاف من أن يزداد شغف النخب بالكراسي، بينما يزداد ابتعاد الشباب عن الصندوق. وأخاف أكثر من أن يعتاد المواطن على فكرة أن صوته لا يغير شيئا. لأنّ الحزب يستطيع أن يخسر مقعدا. والحكومة تستطيع أن تخسر أغلبية. والسياسي يستطيع أن يغادر منصبه. لكن الدولة لا تستطيع بسهولة أن تستعيد جيلا فقد ثقته في السياسة. وهنا، في نظري، تكمن المسألة كلّها.

المغرب أوّلا… ثم الكراسي

أكتب هذا الكلام من موقع الانتماء إلى وطني المغرب. ولا أريد لحزب معين أن ينتصر بقدر ما أريد لوطني أن ينجح. ولا أريد امرأة أو رجلا لمجرّد أنّها امرأة أو لأنّه رجل. أريد من يقود الحكومة أن يكون قادرا على حمل ثقل المرحلة. أريد حكومة تنظر إلى المغرب بعد عشر سنوات، لا إلى الانتخابات المقبلة فقط. أريدها أن ترى المغربي في القرية كما تراه في المدينة. أن ترى الشاب كما ترى المستثمر. أن ترى المرأة كما ترى الرجل. أن ترى المغربي في الداخل كما ترى المغربي في الخارج. أن ترى إفريقيا كما ترى أوروبا. وأن تفهم أنّ قوة المغرب في المستقبل لن تكون فقط في مشاريعه، وإنّما في الثقة التي يضعها المواطن في مؤسساته. لقد قال الصندوق كلمته. الآن جاء دور النخب. والسؤال لم يعد: من سيجلس على الكرسي؟ بل: ماذا سيفعل به؟ لأنّ الكرسي العام لا يمنح صاحبه مجدا. إنّه يمنحه مسؤولية. ولا يخلد السياسي في ذاكرة الشعوب لأنّه جلس طويلا على الكرسي، وإنما لأنّه، حين جلس عليه، ترك وراءه بلدا أفضل مما وجده. وهنا فقط تستعيد الانتخابات معناها. وهنا فقط يصبح التنافس على السلطة تنافسا من أجل الوطن، لا تنافسا من أجل السلطة. وهنا أيضا يمكن للمواطن المغربي أن يعود إلى الصندوق، لا خوفا من المستقبل، ولا طمعا في الوعد، وإنّما إيمانا بأن صوته يستطيع أن يصنع فرقا.

One thought on “الكراسي ليست المشكلة… المشكلة حين يصبح الكرسي غاية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *