بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
في تاريخ المغرب الكبير، ليست الحدود خطوطا مرسومة على الخرائط بقدر ما هي رواسب متراكمة من الحروب والمعاهدات والإدارات الاستعمارية والتوازنات التي فرضتها قوى أجنبية ثم ورثتها الدول المستقلة. ومن هنا تبدو قضية الصحراء الشرقية، الممتدة حول تندوف وبشار وتوات وقورارة وساورة ومناطق أخرى، واحدة من أكثر عقد المغرب العربي حساسية، لأنها تقع عند نقطة التقاء ثلاثة أنواع من الشرعية: الشرعية التاريخية، والحدود التي رسمها الاستعمار، ومبدأ الحدود الموروثة عند الاستقلال. وليس من الدقة الأكاديمية اختزال هذه القضية في شعار من قبيل أن «الصحراء الشرقية كانت مغربية ثم سرقتها الجزائر»؛ كما ليس من الدقة المقابلة اختزالها في القول إن الحدود الحالية كانت دائما حدودا طبيعية ثابتة. الحقيقة التاريخية أكثر تعقيدا، وربما لهذا السبب بالذات تستحق أن تخرج من لغة الدعاية إلى لغة الوثيقة.
المؤكد أن الحدود الجزائرية ـ المغربية الحديثة لم تكن نتاجا لحدود تاريخية مستقرة بين دولتين قوميتين بالمفهوم المعاصر. فقد أعادت فرنسا، خلال توسعها الاستعماري في شمال وغرب الصحراء، تنظيم المجال السياسي والإداري للمنطقة وفق حاجاتها العسكرية والاقتصادية. وكان تندوف وبشار والمجال الصحراوي المحيط بهما جزءا من هذا التاريخ الاستعماري المتحرك. وقد بقيت مسألة الحدود غير محسومة بصورة نهائية عندما حصلت الجزائر على استقلالها سنة 1962، وهو ما ساهم مباشرة في اندلاع النزاع الجزائري ـ المغربي سنة 1963. وتؤكد الدراسات التاريخية أن جذور «حرب الرمال» تعود إلى إرث الحدود الاستعمارية المتنازع عليها، وإلى تعارض الرؤية الجزائرية القائمة على حدود الإدارة الفرنسية مع المطالب المغربية المستندة إلى روابط تاريخية وقبلية وسياسية سابقة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الاستعمار لم يرسم الحدود فقط، بل أنشأ أيضا البنية القانونية التي جعلت الصحراء موضوعا إداريا واقتصاديا واستراتيجيا خاصا. ففي يناير 1957 أنشأت فرنسا «المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية» (OCRS)، وهي مؤسسة استعمارية امتدت على فضاءات صحراوية واسعة وشملت، في صيغتها الأولى، مناطق من تندوف وتوات وقورارة وساورة وبشار، إلى جانب أجزاء من المجال الصحراوي الواقع في الجزائر الحالية ومناطق أخرى مرتبطة بالمجال الاستعماري الفرنسي. وقد نص القانون الفرنسي المنشئ لها على إدارة وتنمية هذه المناطق، بينما تكشف الوثائق عن ارتباط المشروع باستثمار الموارد الطبيعية، ولا سيما النفط والغاز والمعادن. ولا تعني هذه الحقيقة، في حد ذاتها، أن فرنسا كانت تعتبر الصحراء «أرضا بلا صاحب»، ولا أنها تثبت تلقائيا السيادة المغربية على كل المناطق التي دخلت في نطاق OCRS. لكنها تكشف شيئا أكثر أهمية: أن المجال الصحراوي لم يكن مجرد امتداد إداري بسيط لما يسمى اليوم «الجزائر»، بل كان موضوعا لمشروع استعماري خاص، ذي أبعاد اقتصادية وأمنية واستراتيجية مستقلة نسبيا.
وهذا التفصيل مهم لفهم السنوات الأخيرة من الاستعمار الفرنسي. فالصحراء لم تكن في الستينيات مجرد فراغ جغرافي. كانت قد أصبحت خزانا محتملا للنفط والغاز والمعادن، ومجالا للتجارب العسكرية والنووية الفرنسية. وكانت منطقة رقان، إلى جانب مواقع أخرى، جزءا من البنية الاستراتيجية التي حاولت فرنسا الحفاظ عليها خلال مفاوضات إنهاء حرب الجزائر. ولهذا اكتسبت مسألة الصحراء وزنا استثنائيا في مفاوضات إيفيان. في البداية حاولت فرنسا الاحتفاظ بهامش من السيطرة أو النفوذ على الصحراء، انطلاقا من أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية. لكن شارل ديغول أعلن في مؤتمره الصحفي في 5 سبتمبر 1961 تحولا جوهريا، إذ تخلت فرنسا عن مشروع فصل الصحراء عن الدولة الجزائرية المقبلة، وأصبحت مسألة إدراج الصحراء ضمن الجزائر المستقلة جزءا من التسوية السياسية. وتؤكد الدراسات التاريخية أن هذه المسألة كانت من أعقد نقاط التفاوض، بسبب المصالح النفطية الفرنسية، وكذلك بسبب المنشآت العسكرية والنووية التي كانت باريس حريصة على استمرار استخدامها.
لكن من الضروري هنا مقاومة إغراء العبارة السهلة: «فرنسا باعت الصحراء للمفاوض الجزائري مقابل القنبلة». التاريخ لا يثبت بهذه البساطة وجود صفقة واحدة مكتوبة بهذا الشكل. ما تثبته الوثائق هو أن المصالح الفرنسية في الصحراء ـ النفطية والعسكرية والنووية ـ كانت حاضرة بقوة في حسابات باريس، وأن التسوية النهائية أبقت لفرنسا ترتيبات ومصالح مهمة لفترة ما بعد الاستقلال. أما تحويل ذلك إلى معادلة تعاقدية مباشرة بين «الصحراء» و«القنبلة» فيحتاج إلى أدلة أرشيفية أكثر تحديدا مما تسمح به الوثائق المنشورة حتى الآن. وهنا يظهر الفرق بين التاريخ الجاد والتاريخ التعبوي: الأول لا يحتاج إلى مبالغة كي يكون قويا. فحتى من دون افتراض صفقة سرية، تكفي الوقائع المعروفة لإظهار حجم الرهان الاستراتيجي الذي مثلته الصحراء في نهاية الحقبة الاستعمارية. كانت فرنسا تنظر إليها باعتبارها فضاء للموارد والطاقة والتجارب النووية والمواقع العسكرية، بينما كان الجانب الجزائري يعتبر إدماجها في الدولة المستقلة مسألة تتصل بوحدة الإقليم ومبدأ تقرير المصير.
أما المغرب، فقد كان ينظر إلى مناطق مثل تندوف وبشار من زاوية مختلفة، مستندا إلى روابط تاريخية وقبلية ومجالية وإلى تصور أوسع للحدود التي يرى أنها كانت قائمة قبل إعادة تشكيلها بواسطة الإدارة الاستعمارية الفرنسية. وهذه الرؤية لم تكن وليدة سنة 1963. فقد تصاعدت المطالب المغربية بشأن مناطق الصحراء الشرقية منذ السنوات الأولى لاستقلال المغرب، وبرزت بوضوح في الخطاب السياسي لحزب الاستقلال وفي مواقف الدولة المغربية خلال الخمسينيات. كما ألقى محمد الخامس سنة 1958 خطابا في منطقة مَحاميد الغزلان ارتبط في الذاكرة السياسية المغربية بمسألة استكمال الوحدة الترابية. وتظهر الأدبيات التاريخية أن قضية تندوف كانت بالفعل من القضايا التي سبقت استقلال الجزائر ولم تنشأ مع حرب الرمال. والأهم من ذلك أن العلاقات المغربية ـ الجزائرية شهدت في 1961 محاولة لمعالجة الخلاف بصورة سياسية. ففي 6 يوليو 1961 جرى اتفاق بين المغرب والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بشأن معالجة مشكلة الحدود، وهو ما يعكس أن المسألة كانت قائمة قبل استقلال الجزائر، وأن الطرفين كانا يدركان وجود مشكلة حدودية تحتاج إلى تسوية. غير أن الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة المستقلة أعاد ترتيب موازين القوى، وانتهت الخلافات إلى المواجهة المسلحة في 1963.
ومن هنا فإن حرب الرمال ليست مجرد حادث عسكري عابر. إنها لحظة تأسيسية في تاريخ الحدود المغاربية الحديثة. فالمغرب رأى أن مبدأ «الحدود الموروثة عن الاستعمار» لا يمكن أن يمحو حقوقا تاريخية سابقة، بينما تبنت الجزائر منطق الحفاظ على الحدود التي ورثتها الدولة عند الاستقلال. وهذا التعارض بين «الحق التاريخي» و«الحدود الموروثة» أصبح واحدا من أكبر مصادر التوتر في إفريقيا ما بعد الاستعمار. والمفارقة أن كلا المنطقين يجد جذورا في القانون والسياسة الدولية بعد الاستعمار: فمن جهة، استندت حركات التحرر إلى فكرة استعادة السيادة الوطنية؛ ومن جهة أخرى، أصبحت منظمة الوحدة الإفريقية لاحقا شديدة الحساسية تجاه إعادة فتح الحدود، خشية أن يؤدي ذلك إلى سلسلة لا تنتهي من النزاعات الإقليمية.
لهذا فإن قضية الصحراء الشرقية لا يمكن فهمها خارج المعضلة الكبرى التي تركها الاستعمار الأوروبي في إفريقيا: ماذا تفعل الدول الجديدة عندما تتعارض الحدود التي ورثتها مع الخرائط التاريخية والروابط الاجتماعية والاقتصادية التي سبقتها؟ وفي الحالة الجزائرية ـ المغربية، كان لهذا السؤال بعد اقتصادي بالغ الحساسية. فالصحراء الشرقية ليست مجرد مساحة شاسعة من الرمل والحجر. إنها مجال يضم موارد طبيعية ذات أهمية استراتيجية، من الهيدروكربونات إلى خام الحديد، كما أنها تقع في منطقة تتقاطع فيها طرق الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي. ولذلك فإن الذاكرة التاريخية للصراع لا تنفصل عن الجغرافيا الاقتصادية التي جعلت الصحراء منذ الحقبة الاستعمارية موضوعا للبحث والاستثمار والتنافس. وقد أظهرت الوثائق الفرنسية الخاصة بـOCRS أن البحث عن الموارد الطبيعية كان جزءا من المشروع الصحراوي الاستعماري، بما في ذلك منح تراخيص البحث والاستغلال للنفط والغاز، فضلا عن أعمال التنقيب عن المعادن والمياه وإنشاء البنية التحتية.
إن قراءة هذه الوثائق اليوم تسمح بإعادة صياغة السؤال. فبدلا من السؤال: «من يملك الصحراء؟» فقط، ينبغي أن نسأل أيضا: «كيف صنعت القوى الاستعمارية المجال الذي أصبحت الدول المستقلة تتصارع على ملكيته؟» هذا السؤال أكثر عمقا، لأنه ينقل النقاش من المناكفة السياسية إلى تاريخ صناعة الحدود نفسها. وفي واشنطن، حيث غالبا ما تُقرأ الخريطة المغاربية من منظور الأمن والطاقة ومكافحة الإرهاب والمعادن الاستراتيجية، يصبح هذا البعد التاريخي ضروريا. فالنظر إلى الحدود الجزائرية ـ المغربية باعتبارها حدودا أزلية لا يتفق مع تاريخ تشكلها. وفي المقابل، فإن تقديم المطالب التاريخية المغربية باعتبارها حقيقة قانونية محسومة لا يعكس أيضا التعقيد الذي يحيط بالمسألة. الأدق هو القول إن الصحراء الشرقية تمثل إحدى الحالات التي اصطدمت فيها الحدود الاستعمارية الموروثة بالمطالب التاريخية للدول المجاورة، وأن استمرار آثار ذلك الصراع حتى اليوم يعود إلى أن التسوية السياسية لم تحسم بصورة نهائية جميع الأسئلة التي نشأت عند الانتقال من الإمبراطورية إلى الدولة الوطنية.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يستوعبه أي نقاش أمريكي جاد حول المغرب والجزائر. فالاستقرار في المغرب الكبير لا يحتاج إلى محو التاريخ، كما لا يحتاج إلى تحويل التاريخ إلى أداة تعبئة. يحتاج إلى فتح الأرشيف، ومقارنة الخرائط، وفحص الاتفاقيات، وتتبع الإدارة الفعلية للأقاليم والقبائل ومسارات التجارة والولاءات المحلية، ثم فصل ما هو تاريخي عما هو قانوني عما هو سياسي. لقد تركت فرنسا وراءها في الصحراء أكثر من منشآت نووية وآبار نفط وطرق عسكرية. تركت أيضا حدودا لم تكن دائما متطابقة مع خرائط الذاكرة السياسية والاجتماعية للمنطقة. ومن هنا فإن الصحراء الشرقية ليست مجرد قضية بين الرباط والجزائر. إنها فصل من التاريخ العالمي لنهاية الإمبراطوريات، حيث تحولت خطوط رسمها الاستعمار إلى حدود دولية، وحيث ورثت الدول المستقلة، إلى جانب السيادة، نزاعات لم تكن هي التي صنعتها. والتحدي الحقيقي اليوم ليس أن نعيد كتابة الماضي وفق حاجات الحاضر، بل أن نمنع الماضي من أن يتحول إلى ذريعة لإخفاء الحقائق. فالتاريخ الذي يمكن الدفاع عنه في الجامعات، وفي الأرشيفات، وفي الصحافة الدولية، هو التاريخ الذي يحتمل الوثيقة قبل الشعار. وفي قضية الصحراء الشرقية، ربما تكون أقوى حجة هي أيضا أبسطها: افتحوا الأرشيف، دعوا الخرائط تتكلم، وافصلوا بين ما رسمه الاستعمار وما ورثته الدول وما بقي موضع نزاع بينهما. هناك، في المسافة بين الخريطة الاستعمارية والحدود الوطنية، تبدأ القصة الحقيقية للصحراء الشرقية.
