سبتة: حين تصبح الحقيقة نفسها ساحة للمعركة

من يحرس الحدود حين تصبح المعلومة سلاحا؟

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

هناك قضايا لا يكفي فيها أن ندافع عن الوطن، بل يجب أن ندافع عن الحقيقة التي تخص الوطن. وقضية سبتة واحدة منها. فحين يتعلق الأمر بالمغرب، كثيرا ما يجد المرء نفسه أمام معادلة غريبة: إذا دافع عن بلده اتهم بالانحياز، وإذا طالب بالتدقيق في الرواية المقابلة قيل إنه يهرب من الحقيقة، وإذا شكك في تقرير استخباراتي مجهول المصادر اتهم بأنه يريد إسكات الصحافة. لكن الوطنية الحقيقية لا تعني أن نصدق كل ما يقال عن المغرب، ولا أن نرفض كل ما يقال عنه. الوطنية الحقيقية تعني شيئا أكثر صعوبة: أن نطالب بالدليل حين يكون الاتهام موجها إلى بلدنا، وأن نطالب بالدليل نفسه حين يكون الاتهام موجها إلى خصومنا. وهنا بالضبط تبدأ قصة سبتة.

ليست المشكلة في تقرير خيل غاري وحده

خوسيه ماريا خيل غاري ليس مجهولا في المجال الأمني والاستخباراتي الإسباني. وقد سبق أن استخدمته وسائل إعلام مغربية مصدرا لتحليلات تتعلق بالأمن والهجرة والحرب السيبرانية. لكن الرجل عاد هذه المرة بتقرير مختلف في النبرة والاتجاه. في تقرير سابق، جرى تقديم رواية تتحدث عن نشاط رقمي منسوب إلى جهات جزائرية، وعن استخدام منصات التواصل الاجتماعي لتعبئة شباب مغاربة ودفعهم نحو سبتة. ثم جاء تقرير آخر يركز على أداء الدرك الملكي والقوات المساعدة، ويتحدث عن قدرة جزء من المنظومة المغربية على التحكم في تدفق المهاجرين وتوجيهه. هنا لا ينبغي أن يكون رد الفعل المغربي مجرد غضب. الغضب مفهوم. لكن السؤال أهم من الغضب. ما الذي تغير بين التقريرين؟ هل ظهرت معلومات جديدة؟ هل ظهرت مصادر جديدة؟ هل أعيد تحليل المعطيات السابقة؟ هل اكتشف صاحب التقرير أن استنتاجه الاول كان ناقصا؟ أم أن التقريرين يتحدثان عن مستويين مختلفين من الحدث؟ هذا هو السؤال المهني الحقيقي.

لكن هناك سؤالا أخطر

عندما يقول باحث أو محلل إنه اعتمد على «مصادر مغربية» أو «مصادر استخباراتية مغربية»، لا يجوز تحويل هذه العبارة مباشرة إلى: المخابرات المغربية قالت. فالمصدر المغربي ليس بالضرورة جهازا مغربيا. والمصدر الامني ليس بالضرورة قيادة الجهاز. والمعلومة التي تأتي من شخص داخل مؤسسة لا تعني بالضرورة أن المؤسسة تتبنى تلك المعلومة. والأهم من ذلك كله: المصدر لا يصبح حقيقة لمجرد أن صاحبه وصفه بأنه استخباراتي. الاستخبارات نفسها تقوم على التحقق والتقاطع وتقييم المصدر ومقارنة المعطيات. ومن هنا يصبح السؤال المشروع لخيل غاري: من هي هذه المصادر؟ ما موقعها؟ ما درجة قربها من القرار؟ هل قدمت وثائق؟ هل توجد مصادر مستقلة تؤكد روايتها؟ وهل ما تنسبه اليها يتطابق مع سجلات الاتصالات والصور والأوامر العملياتية والتحركات الميدانية؟ هذه ليست محاولة لإسكات صاحب التقرير. بل هي المطالبة بالحد الادنى من قواعد العمل الاستخباراتي والصحفي.

المغرب لا يحتاج إلى الخوف من السؤال

المغرب دولة لها مؤسساتها وأجهزتها وتجربتها الطويلة في مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية وحماية حدوده. ومن الخطأ أن نضع الدولة المغربية في موقع الدفاع العصبي أمام كل تقرير يصدر في الخارج. الدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى التحقيق. بل تحتاج إليه. ولهذا فإن الرد المغربي الأقوى، إذا تقرر الرد، لا ينبغي أن يكون مجرد تكذيب سياسي. بل يجب أن يكون تفكيكا للادعاء. هذه المعلومة غير صحيحة. هذا التاريخ غير صحيح. هذه الوحدة لم تكن مكلفة بذلك. هذا المصدر لا وجود له. هذه الوثيقة لا تثبت ما يدعيه التقرير. وهذه الواقعة لا تتطابق مع التسلسل الزمني. هكذا تكون المواجهة. بالوثائق. لا بالصراخ. هناك شيء آخر يجب ألا ننساه: المغرب نفسه أعلن، عبر وزارة الداخلية، أنّه كان يتابع المؤشرات المرتبطة بالتعبئة نحو سبتة، وأنه اتخذ إجراءات استباقية ورفع مستوى اليقظة وتعزيز المراقبة. وهذه النقطة مهمة للغاية. لان الرواية الرسمية المغربية لا تقول: لم نكن نعرف شيئا. بل تقول العكس تقريبا: كانت لدينا مؤشرات، وكانت لدينا أجهزة تراقب، وكانت هناك تعبئة ميدانية. إذن السؤال المنطقي ليس فقط: هل كانت الدولة المغربية تعرف؟ بل: ماذا عرفت؟ ومتى عرفته؟ وماذا فعلت بناء على تلك المعرفة؟ وهنا يظهر الفرق بين الدولة التي تراقب والدولة التي تتحكم. الرصد لا يعني التحكم. والمعرفة لا تعني التخطيط. وجود قوات على الحدود لا يعني أنها تلقت أمرا بالسماح بالعبور. وفشل جهاز أمني في منع حدث واسع لا يعني تلقائيا أن الجهاز هو الذي صنع الحدث. هذه قواعد بسيطة، لكنها تصبح شديدة الاهمية عندما تدخل السياسة إلى الملف.

وماذا قالت إسبانيا؟

هنا أيضا يجب أن نكون دقيقين. ظهرت في إسبانيا روايات وتقارير متعددة، وليس من الصحيح الحديث عن «الموقف الإسباني» وكأنه موقف واحد متجانس. ففي مرحلة معينة نفت قيادة الشرطة الوطنية الإسبانية وجود تقرير صادر عنها يتهم قوات الامن المغربية بالتخطيط أو تنفيذ أحداث سبتة. ثم ظهرت تقارير أمنية أخرى تتحدث عن تحركات لعناصر مغربية على الأرض وعن درجة من السماح أو التوجيه. كما دخلت أجهزة متعددة في التحقيق القضائي الذي تقوده القاضية ماريا تاردون. إذن نحن أمام مشهد لا يقدم رواية واحدة. وهذه نقطة يجب أن يعرفها القارئ المغربي جيدا. إسبانيا نفسها لم تقدم حتى الآن صورة واحدة مغلقة ونهائية لكل ما حدث. وهذا طبيعي في قضية تدخل فيها الشرطة والحرس المدني والاستخبارات والجيش والهجرة والقضاء. لكن غير الطبيعي هو أن نحول تقريرا واحدا إلى «الحقيقة الاسبانية».

هنا يجب أن ندافع عن المغرب بطريقة مختلفة

المغرب لا يحتاج إلى القول إن كل تقرير أجنبي مؤامرة. هذا النوع من الخطاب يضعف الدولة بدل أن يحميها. لكن المغرب أيضا لا ينبغي أن يقبل بأن تتحول كلمة «استخبارات» إلى كلمة سحرية تجعل أي اتهام حقيقة. فإذا قال محلل: مصادري استخباراتية، فالسؤال هو: أين الأدلة؟ وإذا قالت جهة: لدينا تقرير أمني، فالسؤال هو: من أعده؟ وما درجة سريته؟ وما منهجيته؟ وهل اطلع عليه القضاء؟ وإذا قالت صحيفة: مصادرنا تؤكد، فالسؤال هو: هل يمكن التحقق من هذه المعلومة من مصدر مستقل؟ هذا ليس تشكيكا في إسبانيا. ولا دفاعا عن المغرب. هذا دفاع عن الحقيقة.

سبتة ليست مجرد قصة هجرة

من الخطأ قراءة أحداث سبتة باعتبارها مجرد موجة هجرة جماعية. ما حدث يكشف شيئا أعمق. الحدود الحديثة لم تعد أسلاكا وحواجز فقط. أصبحت الحدود تبدأ في الهاتف. في مقطع فيديو. في حساب مجهول. في مجموعة واتساب. في رسالة تنتشر خلال دقائق. وفي شائعة يمكن أن تحرك آلاف الأشخاص. ولهذا فإن أي دولة تريد حماية حدودها في القرن الحادي والعشرين يجب أن تراقب ليس فقط الطرق والممرات، بل بيئة المعلومات التي تسبق حركة البشر. وهنا يصبح البعد الجزائري، إن ثبتت بعض المعطيات المتعلقة بشبكات رقمية جزائرية، مسألة تحتاج إلى تحقيق مستقل. لكن وجود أرقام جزائرية أو حسابات مرتبطة بالجزائر لا يكفي وحده لاثبات أنّ الدولة الجزائرية كانت وراء العملية. وكذلك فإنّ وجود عناصر من الدرك المغربي على الحدود لا يكفي وحده لاثبات وجود قرار سياسي مغربي بتنظيم العبور. في الحالتين، نحتاج إلى سلسلة أدلة.

وهنا يصبح السؤال موجها إلى الجميع

إذا كانت هناك شبكات رقمية دفعت الشباب نحو سبتة، فمن يقف وراءها؟ وإذا كانت هناك معلومات استخباراتية مسبقة، لماذا لم تمنع الكارثة؟ وإذا كان المغرب يعرف أن التعبئة تتصاعد، فما هي التعليمات التي صدرت؟ وإذا كانت بعض الوحدات قد تصرفت بطريقة مختلفة عن التعليمات الرسمية، فمن يتحمل المسؤولية؟ وإذا كان هناك قرار سياسي بالسماح بالتدفق، أين هو؟ وأين سجلات الاتصالات؟ وأين الأوامر العملياتية؟ وأين التسجيلات؟ وأين شهادات المسؤولين؟ وأين التقاطع بين الاستخبارات والشرطة والجيش؟ هذه الأسئلة ليست ضد المغرب. بل هي الاسئلة التي يمكن أن تحمي المغرب من الروايات الجاهزة.

أخطر شيء يمكن أن يحدث للمغرب هو أن يدافع عن نفسه بطريقة ضعيفة

حين تواجه الدولة اتهاما خطيرا، هناك ثلاثة ردود ممكنة. الأول: الصمت. الثاني: الانفعال. الثالث: الدليل. والثالث هو الأقوى. لان الدولة التي تملك الحقيقة لا تحتاج إلى رفع صوتها. تحتاج فقط إلى فتح جزء من الملف الذي يمكن فتحه. ليس مطلوبا كشف أسرار الدولة. ولا كشف مصادر الاستخبارات. ولا كشف وسائل الرصد. لكن يمكن تقديم خط زمني موثق. متى بدأت المؤشرات؟ متى وصلت التقارير؟ متى عقدت الاجتماعات؟ متى رفعت درجة التأهب؟ ما الوحدات التي انتقلت إلى الحدود؟ ما التعليمات التي صدرت؟ ما الإجراءات التي اتخذت؟ وما الذي فشل؟ هذه الأسئلة وحدها يمكن أن تسقط عشرات الروايات.

المغرب ليس مطالبا بالدفاع عن نفسه أمام كل شخص

وهذه نقطة وطنية قبل أن تكون سياسية. المغرب ليس دولة هشة حتى يهتز بسبب مقال. وليس من الحكمة أن تتحول كل شخصية إعلامية أو محلل أمني إلى خصم استراتيجي للمملكة. لكن إذا تعلق الأمر بتقرير قد يصل إلى ملف قضائي، وقد يؤثر في صورة المغرب أمام الرأي العام الاسباني والاوروبي، فالموضوع يصبح مختلفا. هنا لا يكفي أن نقول: هذا الشخص قريب من المغرب. ولا: هذا الشخص ضد المغرب. لان الحقيقة لا تتغير بحسب صاحبها. إذا قال شيئا صحيحا، يبقى صحيحا. وإذا قال شيئا خاطئا، يجب كشف خطئه. وهذه هي الثقة التي ينبغي أن تكون عليها الدولة المغربية.

الوطنية ليست أن نغلق أعيننا

الوطنية المغربية ليست أن نقول: كل ما يقال عن المغرب كذب. وليست أيضا أن نقول: كل ما يأتي من الخارج حقيقة. الوطنية المغربية الناضجة تقول: هذا بلدي، ولذلك أريد الحقيقة كاملة عنه. لا نصف الحقيقة. ولا الحقيقة التي تخدم الحكومة. ولا الحقيقة التي تخدم المعارضة. ولا الحقيقة التي تخدم الجزائر. ولا الحقيقة التي تخدم إسبانيا. الحقيقة فقط. لأنّ المغرب أكبر من تقرير. وأكبر من محلل. وأكبر من أزمة حدود. وأكبر من معركة إعلامية. السؤال الذي ينبغي أن يطارد الجميع ربما يكون السؤال الذي سيبقى بعد انتهاء الضجيج كله هو: هل كانت أحداث سبتة نتيجة خطة واحدة، أم نتيجة تداخل عدة خطط وفشل عدة أجهزة وسوء تقدير عدة عواصم؟ هذا السؤال أكثر أهمية من البحث عن متهم جاهز. لأن التاريخ السياسي لا يصنعه دائما عقل واحد يجلس في غرفة مغلقة ويعطي الاوامر. أحيانا تصنعه أخطاء متراكمة. وأحيانا تصنعه معلومات ناقصة. وأحيانا تصنعه شبكات مجهولة. وأحيانا تصنعه دولة تحاول الضغط على دولة أخرى. وأحيانا تصنعه جماهير تتحرك أسرع من أجهزة الأمن. وقد تكون الحقيقة خليطا من كل ذلك.

سبتة والكرامة المغربية

لكن وسط كل هذا التعقيد يجب ألا ننسى شيئا. المغرب ليس مجرد موضوع في تقارير أجهزة الاستخبارات الأوروبية. المغرب دولة ذات سيادة. له مؤسساته. وله حدوده. وله مصالحه. وله أمنه الوطني. وله حق مشروع في حماية أراضيه ومواطنيه. ومن حق المغرب أيضا أن يرفض أن تتحول التقارير غير الموثقة إلى أحكام سياسية عليه. لكن أفضل طريقة لحماية السيادة ليست إغلاق الباب أمام الأسئلة. بل امتلاك القدرة على الإجابة عنها. لا نحتاج إلى رواية بطولية مغربية. ولا إلى رواية شيطانية إسبانية. ولا إلى رواية مؤامراتية جزائرية. نحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: ملف. تواريخ. وثائق. صور. اتصالات. أوامر. شهادات. تقارير متقاطعة. وسلسلة قيادة واضحة. عندها فقط يمكن أن نعرف: من بدأ؟ ومن حرض؟ ومن عرف؟ ومن سكت؟ ومن سمح؟ ومن فشل؟ ومن حاول المنع؟ ومن يحاول اليوم صناعة رواية جديدة فوق ركام الرواية القديمة؟ فسبتة ليست فقط قصة آلاف الشباب الذين وصلوا إلى السياج. إنها اختبار للدولة الحديثة في المغرب وإسبانيا معا. اختبار لقدرة المؤسسات على تحويل المعلومات إلى قرار. واختبار لقدرة الصحافة على مقاومة الإغراء السهل للرواية الجاهزة. واختبار لقدرة القضاء على التمييز بين الحقيقة والتحليل. واختبار أخير، وربما هو الأهم، لقدرة المغرب على أن يدافع عن نفسه من دون أن يخاف من الحقيقة. لأن المغرب الذي يخاف من الحقيقة يترك خصومه يكتبون تاريخه. أمّا المغرب الذي يملك الحقيقة، فيستطيع أن يضعها على الطاولة، ثم يقول بهدوء: هذه دولتنا. وهذه مؤسساتنا. وهذه الوقائع. أما الباقي، فليتحمل صاحبه مسؤولية إثباته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *