بقلم ماركو باراكو, مراسل الورقاء بالفاتيكان-إيطاليا (صياغة زكية لعروسي)
إن حضور الإسلام في أوروبا اليوم يطرح سؤالا يتجاوز بكثير حدود المواجهة بين الثقافات والأديان. إنه، في جوهره، سؤال روحي. فوجود جماعات مسلمة تمارس إيمانها بصورة علنية ومرئية أعاد إلى الفضاء العام الأوروبي واقعًا كانت العلمنة قد دفعته تدريجيًا إلى الهامش: الدين لا يزال، بالنسبة إلى ملايين البشر، بُعدًا حيًّا من أبعاد الوجود الإنساني. وهذه الحقيقة تدفع أوروبا إلى إعادة النظر في ذاتها قبل أن تنشغل بالسؤال عن الآخر. فالقضية لا تتعلق فقط بالمكان الذي ينبغي أن يحتله الإسلام في المجتمعات الأوروبية، وإنما أيضًا بالمكان الذي ما زالت أوروبا مستعدة لمنحه للإيمان، وللترانسندنس، وللبحث عن معنى نهائي للحياة.
لقد ساد، طوال عقود، اعتقاد بأن التحديث سيقود بصورة طبيعية إلى تراجع الدين وانحسار حضوره في الحياة العامة. غير أن حيوية المجتمعات المسلمة في أوروبا تكشف أن الحاجة الدينية لم تختفِ ببساطة. فما تزال الصلاة، والحياة الجماعية، ونقل الإيمان إلى الأبناء، والبحث عن علاقة بالله، عناصر حاضرة في حياة أعداد كبيرة من الناس.ومن هنا تحديدا تنشأ فكرة الإسلام بوصفه نعمة غير متوقعة لأوروبا. فوجوده أعاد إلى الواجهة سؤالا كانت القارة الأوروبية مهددة بأن تنساه: هل يستطيع الإنسان حقا أن يعيش من دون أن يسأل عن الله، وعن معنى وجوده، وعن البُعد الروحي الذي يتجاوز حدود المادة والحياة اليومية؟ وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى المسيحية الأوروبية. فلقاء المسلمين الذين يعيشون إيمانهم بصورة واضحة وعلنية يمكن أن يتحول، بالنسبة إلى المسيحيين، إلى دعوة لإعادة اكتشاف إيمانهم هم أنفسهم. فعندما يلتقي المسيحي الأوروبي بشخص يعيش عقيدته بوعي وقناعة، قد يجد نفسه أمام سؤال لا يستطيع تجاهله: إلى أي حد ما زال إيماني تجربة حيّة، وإلى أي حد أصبح مجرد إرث ثقافي، أو تقليد عائلي، أو ذاكرة تاريخية؟
وهنا يمكن لحضور الإسلام أن يسهم، بصورة غير مباشرة، في إيقاظ المسيحية الأوروبية؛ ليس لأنه يقدم الحل لأزمتها، وإنما لأنه يدفع المسيحي إلى إعادة اكتشاف معنى الإيمان نفسه. ولهذا السبب، لا ينبغي بالضرورة أن تُفهم العلاقة بين المسيحية والإسلام بمنطق المواجهة أو الصراع. فعندما يتحول الدين إلى أداة للهوية أو إلى وسيلة سياسية، يصبح معرضًا للاختزال في وظيفة واحدة: تحديد من ينتمي إلى الجماعة ومن يقع خارجها. وعندها قد تتحول المسيحية من تجربة روحية إلى مجرد رمز ثقافي للهوية الأوروبية، يُستدعى في مواجهة ما ينظر إليه بوصفه غريبا أو وافدا. أما التحدي الحقيقي، فيكمن في استعادة إيمان واع بهويته، ومتجذر في قناعته، وقادر في الوقت نفسه على لقاء الآخر من دون أن يعتبره عدوا بحكم الاختلاف.
فالحوار بين الأديان لا يعني محو الفوارق بينها، ولا يتطلب إنكار الاختلافات العقائدية العميقة، وإنما يعني تعلم كيفية العيش مع هذه الاختلافات من دون تحويلها بصورة حتمية إلى صراع. ومن هذا المنظور، يمكن للحضور الإسلامي أن يصبح استفزازا فكريا وروحيا مثمرا لأوروبا التي تخاطر بأن تحتفظ بالمسيحية بوصفها تراثا ثقافيا أكثر من كونها تجربة إيمانية معاشة. فالمجتمعات المسلمة تذكّر، بمجرد وجودها وممارساتها اليومية، بأن الدين لا يزال قادرا على توجيه حياة الإنسان بصورة ملموسة، وعلى منح أيامه وعائلته وعلاقاته ورؤيته للعالم معنى يتجاوز الحسابات المادية المباشرة. وقد تكون مواجهة هذا الواقع فرصة للمسيحية الأوروبية كي تستعيد وعيها بذاتها. فالمسيحية لا تستطيع أن تستمر اعتمادا على الكاتدرائيات والآثار والطقوس والمناسبات وحدها؛ إنها تحتاج إلى أن تستعيد مكانتها بوصفها إيمانا حيّا يسكن الإنسان ويعيد تشكيل نظرته إلى العالم وإلى ذاته وإلى الله.
ومن هنا يمكن النظر إلى الإسلام بوصفه نعمة غير متوقعة لإيقاظ الروح الأوروبية. لا لأنه يمثل جوابًا جاهزًا عن الأزمة الدينية التي تعيشها أوروبا، ولا لأنه يقدم بديلًا عن المسيحية، وإنما لأنه أسهم في إعادة طرح السؤال نفسه. وربما كان هذا هو السؤال الذي تحتاج أوروبا إلى استعادته قبل البحث عن أي جواب: ماذا يعني اليوم أن يؤمن الإنسان؟ ماذا يعني أن يبحث عن الله؟ وماذا يعني أن يعيش حياته في ضوء بُعد يتجاوز الأفق المادي المحض؟ إن اللقاء مع الإسلام يمكن، بهذا المعنى، أن يتحول من حرب بين الهويات إلى فرصة لإعادة اكتشاف الذات. فهو يذكّر أوروبا بأن الإيمان ليس بالضرورة شأنا من شؤون الماضي، وأنّ البعد الروحي في الإنسان لا يمكن ببساطة محوه باسم الحداثة. وربما تكون القيمة الأعمق لهذا اللقاء أنه يدفع المسيحية الأوروبية إلى العودة إلى جذورها، وإلى اكتشاف الإيمان لا باعتباره مجرد جزء من تاريخ القارة وذاكرتها الثقافية، بل باعتباره أيضًا إمكانًا حيًّا لمستقبلها الروحي. فالأديان، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بحجم حضورها في المجال العام، ولا بعدد أتباعها، ولا بقدرتها على إنتاج الهويات الجماعية، وإنما بقدرتها على أن تطرح على الإنسان السؤال الأعمق: من نحن؟ ولماذا نحن هنا؟ وإلى أين نمضي؟ وربما كان أعظم ما يمكن أن تقدمه أوروبا لنفسها في لحظتها الراهنة هو ألا تخاف من هذه الأسئلة، بل أن تستعيد شجاعتها في طرحها.
