مُحَمَّدُ الشَّيْخِ بيْدِ الله…حين تلتقي تجربة رجل بتاريخ وطن

شهادة تقدير وشهادة مواطن عشية مرحلة مؤسساتية جديدة

بقلم الدكتور عيسى بابانا العلوي
أستاذ العلوم السياسية والمؤرخ

ثمة لحظات في حياة الأمم، يبلغ فيها صخبُ التوقعات حدًّا يكاد يحجب معه الصوتَ الأكثر هدوءًا للتجربة. تتداول الأسماء. وتتوالى السيناريوهات. وتتضارب التعليقات. وقد يعتقد البعض، أحيانًا، أنه أمسك بمفتاح القرار المرتقب قبل أن تتخذه المؤسسات نفسها. ومع ذلك، فإن هذه الحركة الصاخبة المشروعة التي ترافق الاستحقاقات الكبرى في الحياة العامة، تفرض علينا، في بعض اللحظات، أن نتوقف قليلا. أن نعود إلى الرجال. إلى مساراتهم. إلى أعمالهم. وإلى ما أنجزوه بالفعل. ومن هذا المنطلق، ومن هذا المنطلق وحده، أود اليوم أن أحيّي شخصية أصبحت تنتمي إلى تاريخ الحياة السياسية المعاصرة للمملكة: محمد الشيخ بيد الله. وأود، منذ البداية، أن أوضح طبيعة هذه المبادرة. فهذا النص لا يصدر عن أي توجيه حزبي، ولا تحركه أية مصلحة شخصية، ولا تقف وراءه أية طموحات سياسية، ولا يرمي إلى استباق قرار يعود إلى المؤسسات الدستورية للمملكة. فأنا لست منخرطًا في أي حزب سياسي. وإنما تنبع هذه الكلمة من قناعة أبسط، ولكنها أكثر مسؤولية: قناعة مواطن ومثقف يحرص على الاحتفاظ باستقلالية نظره وحكمه، وتُملي عليه وطنيته، وحرصه على أن تنجح الحكومة المقبلة في أداء المهمة التي ستُناط بها، بما يحقق رضا صاحب الجلالة الملك، ويخدم الشعب المغربي.

ومن هذا المنطلق بالذات، ومن حيث إني أتمسك بحرية النظر والحكم، أرى أن من واجبي أن أنصف التجربة حين تكون جديرة بالتقدير، كما سيكون من واجبي أن أشير إلى مواطن القصور متى وجب التنبيه إليها. لست إذن بصدد القول مَن ينبغي اختياره. وإنما أذكّر بأن مسار محمد الشيخ بيد الله يستحق أن يُنظر إليه بجدية ضمن التجارب السياسية التي يملكها المغرب اليوم. ذلك أن محمد الشيخ بيد الله لا تختصره تسمية، ولا منصب، ولا سن. إنه، قبل كل شيء، تجربة طويلة في الدولة.

من السُّمَارة إلى الدَّولة: مَسار رجل من الصَّحراء

في مسيرة محمد الشيخ بيد الله بُعدٌ رمزي لا يمكن إغفاله. فهو من مواليد السمارة، تلك المدينة الروحية في الصحراء المغربية التي ينتمي اسمها إلى الذاكرة التاريخية والدينية والوطنية للمملكة. لكنه لم يتحول إلى مجرد «مسؤول صحراوي». بل أصبح مسؤولا وطنيا، غدت أصوله الصحراوية مكوّنا من مكونات هويته، لا حدًّا لمدى فعله ومسؤوليته. وهنا تكمن فرادة مساره. فمن السمارة إلى المؤسسات المركزية للدولة، ومن التمثيل البرلماني إلى الإدارة الترابية، ومن الحكومة إلى قيادة حزب سياسي، ومن رئاسة مجلس المستشارين إلى الدبلوماسية البرلمانية الدولية، كان مساره مسار رجل اجتاز، بالتدرج، يكاد يكون جميع المراحل الكبرى للمسؤولية العامة. ولهذا، فإن اسمه يستحق اليوم أن يُقرأ قراءة تتجاوز اختزاله في صورة مسؤول سياسي سابق. محمد الشيخ بيد الله رجلٌ مارس الدولة من الداخل. وهذه العبارة بالذات ذات دلالة. فمعرفة الدولة ليست مجرد معرفة نصوصها. إنها معرفة آلياتها. وفهم إداراتها. وتقدير ثقل القرار فيها. ومعرفة أن السياسة العمومية لا تُصنع بالكلام وحده، وإنما تتحول إلى مؤسسات وميزانيات وإدارات ومجالات ترابية ورجال ونتائج. لقد عرف بيد الله كل ذلك.

حياة عامّة لا تختزل في منصب واحد

كان نائبا في البرلمان. ثم ترأس لجانا برلمانية. وعرف الإدارة الترابية بصفته عاملا على عمالة سلا. ثم أصبح واليا على جهة دكالة عبدة وعاملا على إقليم آسفي. وانضم إلى الحكومة وزيرا للصحة. ثم أصبح أمينا عاما لحزب الأصالة والمعاصرة. ثم ترأس مجلس المستشارين. ولم تتوقف مسيرته المؤسساتية عند الحدود الوطنية، بل تولى مسؤوليات مهمة في مجال الدبلوماسية البرلمانية الإفريقية والعربية والمتوسطية. فماذا تعني هذه السلسلة المتعاقبة من المسؤوليات؟ إنها تعني ببساطة أمرا واحدا: من الصعب أن نجد كثيرًا من المجالات الأساسية للحياة العامة المغربية التي لم تتح لمحمد الشيخ بيد الله فرصةُ ملاحظتها أو ممارستها أو قيادتها. البرلمان. الإدارة. المجال الترابي. الحكومة. الحزب. الدبلوماسية البرلمانية. تلك مدرسة. ومثل هذه المدرسة لا تُكتسب في يوم واحد.

رجل عرف الدَّولة من داخلها

ثمة فرق جوهري بين رجل سياسي يتحدث عن الدولة، ورجل سياسي اضطلع بمسؤولياتها. فالأول قد يكون لامعا. أما الثاني، فعليه أن يكون فعّالا. الأول قد ينجح في الإقناع. أما الثاني، فعليه أن يتخذ القرار. الأول قد يعلّق على الصعوبات. أما الثاني، فعليه أن يواجهها. ومحمد الشيخ بيد الله ينتمي إلى هذه الفئة الثانية. فهو عرف الدولة، لا من مقاعد البرلمان وحدها، وإنما كذلك من داخل الإدارة الترابية والإدارة الحكومية. كان عاملا. وكان واليا. وكان وزيرًا. وترأس مؤسسة برلمانية. وهذا التعاقب في المسؤوليات ليس أمرا عابرا. إنه يعني أن علاقته بممارسة السلطة العامة لم تكن يوما علاقة نظرية فحسب. لقد كانت علاقة إدارية. وسياسية. ومؤسساتية. وترابية. وحكومية. ودولية. ولهذا فإن الحديث عن تجربته ليس مجرد عبارة مجاملة. إنه حقيقة من حقائق سيرته العامة.

التّجربة ليست حنينا إلى الماضي

هنا تحديدًا أود أن أطرح فكرة أراها ضرورية في النقاش الراهن. فمنذ أيام، توحي بعض التعليقات وكأنها تريد أن تضع التجربة في مواجهة الحداثة، وكأن إحداهما لا يمكن أن توجد إلا بإلغاء الأخرى. إنها رؤية غريبة لمعنى التجديد السياسي. فتجديد النخب لا يعني بالضرورة إقصاء من اكتسبوا معرفة عميقة بالمؤسسات. قد تحتاج الأمة إلى الشباب. وقد تحتاج، في الوقت ذاته، إلى التجربة. وقد تحتاج إلى التجديد من دون أن تتخلى عن ذاكرتها. وقد تريد أن تستشرف المستقبل من دون أن تفقد معرفة الماضي. وهنا تصبح مسيرة بيد الله ذات دلالة خاصة. فالرجل الذي عبر عدة عقود من الحياة العامة يمتلك شيئا لا تستطيع أيّ عملية تكوين سريعة أن تعوضه بالكامل: الذاكرة المؤسساتية. إنه يعرف ما كانت عليه الدولة بالأمس. ويعرف التحولات التي مرت بها. وقد رأى الحكومات تتعاقب. ورأى الإدارات تتطور. وشاهد المؤسسات البرلمانية وهي تعمل. وعرف الأزمات، وموازين المفاضلة، والقيود التي تحكم القرار العمومي. وقد تكون هذه الذاكرة موردًا مهمًا. وهي، بطبيعة الحال، لا تعفي من فحص الكفاءات الراهنة لأي شخصية. لكن لا ينبغي إقصاؤها لمجرد أنها قديمة.

محاكمة السّنّ لا أساس لها في الدّستور

ولعل هذه هي النقطة التي ينبغي أن نرد بشأنها، بكل هدوء واتزان، على من يجعل من سن محمد الشيخ بيد الله – وقد ناهز السابعة والسبعين – حجة حاسمة. ينبغي هنا التمييز بين أمرين: بين العمر البيولوجي للإنسان، وبين الأهلية المؤسساتية لتولي مسؤولية عامة. فالدستور المغربي لا يحدد سنًا أقصى خاصًا لتولي رئاسة الحكومة. وتنص المادة 47 على آلية التعيين، إذ يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، على أساس نتائج الانتخابات. وعليه، فإن بلوغ السابعة والسبعين ليس، في حد ذاته، مانعا دستوريا. ومن الطبيعي أن يكون العمر عنصرًا يمكن مناقشته عند تقييم مسؤول عمومي. ويمكن النظر في طاقته، وتجربته، وقدرته على العمل، واستعداده، وأهليته لتحمل الأعباء الكبيرة التي تفرضها المسؤولية. لكن لا يجوز أن نحول عدد السنوات التي عاشها الإنسان، تلقائيًا، إلى دليل على العجز. فذلك خلط بين بيانات الحالة المدنية، وبين تقييم الشخصية والكفاءة.

تاريخ العالم لم يضع حدّا للسنّ عند السّبعين

ويكفي تاريخ السياسة المعاصرة للحد من إطلاق حجة السن. فالولايات المتحدة الأمريكية، وحدها، تقدم مثالًا واضحًا للغاية: فقد تولى جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة وهو في الثامنة والسبعين، فيما يتولى دونالد ترامب، المولود سنة 1946، حاليًا رئاسة الولايات المتحدة وقد بلغ الثمانين. وليس المقصود، بطبيعة الحال، أن نستخلص من ذلك أي حكم بشأن جودة أداء هذا أو ذاك. فذلك سيكون خروجا عن موضوع الاستدلال. والخلاصة أبسط من ذلك بكثير: إن الديمقراطيات الكبرى المعاصرة لم تضع حدًا عالميا موحدا عند سن السبعين، يصبح الإنسان بعده، من حيث المبدأ، مستبعدا من قيادة الحياة السياسية. قد يكون العمر عنصرًا من عناصر التقدير. لكنه ليس حكمًا بالإدانة. والأهم من ذلك أنه لا يمكن أن يحل محل الفحص الموضوعي للمسار، والتجربة، والقدرات الفعلية للشخص.

تجربة الصَّحراء: رَصِيد ذو دلالة خاصّة

لكن ثمة، في حالة محمد الشيخ بيد الله، عنصرا إضافيا يتجاوز بكثير مجرد مسألة السن. إنه علاقته الشخصية والتاريخية والإنسانية والسياسية بالصحراء المغربية. فهو من مواليد السمارة. وكان نائبا عن السمارة. وكان عضوا في المجلس الاستشاري الملكي للشؤون الصحراوية. وبذلك، فإنه يعرف قضية الصحراء لا من خلال الملفات الإدارية والتقارير الدبلوماسية والمناقشات الدولية فحسب، وإنما كذلك من خلال تجربته الشخصية والترابية.

شهادة ملكية تمنح هذه التجربة بعدا آخر

لكن ثمة عنصرا في سيرته أراه جديرًا بعناية خاصة، لأنه يتجاوز مجرد الأصل الجغرافي أو التجربة السياسية. إنه الرسالة التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى محمد الشيخ بيد الله في يناير 2022، بمناسبة صدور مؤلفه «الصحراء… الرواية الأخرى»، بعد أن توصل جلالته بنسخة منه. وتكتسي هذه الرسالة الملكية دلالة خاصة. فقد أشاد جلالة الملك بما لمسه في صاحب الكتاب من «روح وطنية صادقة»، وأعرب عن تقديره لجهوده العلمية والتوثيقية، باعتباره شاهد عيان، في إعداد هذا المؤلف حول قضية الصحراء المغربية. كما نوه جلالته بما يقدمه الكتاب من إسهام في إلقاء مزيد من الضوء على هذه القضية، والدفاع عن سيادة المملكة ووحدتها الترابية. إن هذه الشهادة الملكية تمنح انخراط محمد الشيخ بيد الله في قضية الصحراء بُعدا يستحق أن يُفصل عن أي اعتبار حزبي أو ظرفي. فالمسألة لم تعد تقتصر على التذكير بأنه ولد في السمارة، وأنه كان نائبا عنها، أو أنه تحمل مسؤوليات في المؤسسات المعنية بالشؤون الصحراوية. بل يتعلق الأمر أيضًا بالوقوف عند حقيقة أن عملا علميا وتوثيقيا وشهاداتيا حول الصحراء المغربية قد حظي شخصيًا بالتنويه والتقدير من طرف جلالة الملك.

وهذه التفرقة أساسية. لأنها تتيح لنا أن نتحدث عن علاقته بالصحراء لا بوصفها حجة ظرفية يراد بها تعزيز صورة رجل سياسي، وإنما باعتبارها تجربة فكرية وتاريخية حظيت باعتراف على أعلى مستوى من الدولة. فمحمد الشيخ بيد الله ليس مجرد رجل ينحدر من الصحراء. إنه أيضا رجل خصص جانبا من تفكيره وعمله التوثيقي لفهم القضية الوطنية والدفاع عنها. وحين تجتمع في رجل سياسي خبرةُ المجال التي عاشها، وممارسة المسؤولية العمومية، ومعرفةُ المؤسسات، والعمل التوثيقي المكرس لقضية الوحدة الترابية، فإن هذا التلاقي يستحق، بالضرورة، أن يؤخذ في الاعتبار عند التفكير في متطلبات المرحلة الجديدة التي تنفتح أمام البلاد. وهنا تحديدا تتجاوز دلالة انتمائه الصحراوي مجرد جغرافية الميلاد. وهذه المعطيات جديرة بأن تؤخذ بكل جدية. فقضية الوحدة الترابية ليست ملفًا من بين ملفات أخرى. إنها تظل واحدة من القضايا الاستراتيجية الكبرى للمملكة. وقد تشكل سنة 2027 مرحلة ذات أهمية خاصة في ترجمة الدينامية الدولية الجديدة التي أطلقتها القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025.

فقد جدد القرار ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية إلى غاية 31 أكتوبر 2026، وأعطى دفعة جديدة للمسار السياسي، مع الإحاطة، على وجه الخصوص، بالدعم الذي عبرت عنه دول عديدة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي المقدمة سنة 2007، وبالإشارة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل حلًا قابلًا للحياة بدرجة خاصة. وفي الوقت نفسه، دعا القرار إلى مواصلة المسار السياسي من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول من الأطراف، وفقًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وبعبارة أخرى، يدخل المغرب مرحلة تتطلب في آن واحد الذاكرة التاريخية، والمعرفة الترابية، والإلمام بالمؤسسات، والكفاءة الدبلوماسية، والقدرة على التفاوض. وفي كل واحد من هذه المجالات، يمتلك محمد الشيخ بيد الله تجربة تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار. ولهذا فإن أصله الصحراوي لا ينبغي أن يُستحضر باعتباره مجرد خصوصية في سيرته. بل يمكن النظر إليه بوصفه معرفة متجسدةً بالقضية. فهناك فرق بين أن تعرف قضية ما، وأن تنشأ في قلب التاريخ الذي انبثقت منه تلك القضية. وهناك فرق بين أن تدرس مجالا ترابيًا، وأن تكون من أبنائه. وهناك فرق بين أن تتحدث عن السكان الصحراويين، وأن تكون قد شاركت بنفسك، على مدى عقود، في الحياة العامة لذلك المجال. وهنا بالذات يكتسب الجمع بين رجل السمارة ورجل الدولة دلالة خاصة.

31 أُكتوبر: من ذاكرة وطنيَّة إلى مرحلة استراتيجيَّة جديدة

لقد شكل 31 أكتوبر 2025 تاريخًا بارزًا في التسلسل الزمني الحديث لقضية الصحراء. ففي ذلك اليوم اعتمد مجلس الأمن القرار2797. وفي المغرب، اكتسب هذا التاريخ كذلك دلالة وطنية قوية ارتبطت بمفهوم «عيد الوحدة». وهكذا فإن 31 أكتوبر 2026 سيشكل الذكرى الأولى لهذه المرحلة الجديدة. وفي اليوم الموالي، سيدخل المغرب سنة 2027، التي قد تضطلع بدور مهم في الترجمة السياسية والدبلوماسية لهذه الدينامية. ومن ثم سيكون من الصعب التفكير في ملفات المسؤولين الذين سيشاركون في تدبير الشأن الوطني، من دون أن نولي عناية خاصة لمن يملكون معرفة قديمة ومباشرة بملف الوحدة الترابية. وهذا لا يعني أن الصحراوي سيكون تلقائيًا أقدر من أي مغربي آخر على ممارسة الحكم. فتلك نتيجة مبسطة ومجحفة في آن واحد. وإنما يعني أمرًا أكثر دقة: في لحظة تدخل فيها قضية الصحراء مرحلة جديدة، يمكن للخبرة الشخصية والترابية والسياسية والدبلوماسية لرجل ينحدر من السمارة أن تشكل عنصرًا ذا صلة ضمن جملة العناصر التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار. ومحمد الشيخ بيد الله يمتلك هذه الخبرة تحديدا.

صحراويّ تجاوز إطار الصَّحراء

ومع ذلك، سيكون من الاختزال أيضًا أن نقدم محمد الشيخ بيد الله بوصفه شخصية صحراوية فحسب. فهو، بلا شك، شديد الارتباط بالسمارة. لكن مساره يبرهن تحديدًا على أنه تجاوز هذه الأبعاد وحدها. لقد مثل أقاليم مختلفة. وأدار مدنًا ومناطق مختلفة. واضطلع بمسؤوليات وطنية. وترأس مؤسسة برلمانية. ومثل المغرب في محافل دولية. وبعبارة أخرى، فإن أصله الصحراوي لم يتحول إلى تخصص مغلق. لقد كان نقطة انطلاقه. أما أفقه، فكان وطنيًا. ثم أصبح مجال عمله دوليًا. وهذا تمييز أساسي. فالقيمة الحقيقية للأصل لا تكمن في الانغلاق الذي قد ينتج عنه، وإنما في قدرة الإنسان المنحدر منه على تحويله إلى إسهام في خدمة مجموع الوطن.

رجل الأصالة وَالمعاصرة، وَرجل البرلَمان, ورجل الدّولة

كان محمد الشيخ بيد الله من المؤسسين والقيادات التاريخية لحزب الأصالة والمعاصرة. وتولى أمانته العامة من سنة 2009 إلى سنة 2012. لكن مساره المؤسساتي يتجاوز بكثير الإطار الحزبي. وهذا بالذات ما يمنح تجربته خصوصيتها. فهو ليس رجل حزب فحسب. بل هو أيضًا برلماني سابق ذو مسار طويل، ومسؤول ترابي سابق، ووزير سابق، ورئيس سابق لإحدى غرفتي البرلمان. وهذا التعدد في التجارب أساسي عند التفكير في متطلبات تدبير الشأن العام. فالحكم ليس مجرد إدارة. وليس مجرد تشريع. وليس مجرد تواصل. إنه القدرة على تنسيق مختلف أبعاد الدولة وربطها بعضها ببعض.

شهادتي: كلمة مواطن ومثقّف

وهنا أود أن أعود إلى طبيعة هذه المبادرة نفسها. إنني لا أقوم بحملة لفائدة رجل. ولا ألتمس له منصبًا. ولا أدعي معرفة القرار الذي سيتخذ. ولا أحل محل المؤسسات، ولا محل الملك، ولا محل مسؤولي الحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات. إنني أتحدث كمواطن. وأتحدث كمثقف. وأتحدث كمراقب للحياة العامة المغربية. وأتحدث بهذه القناعة الوطنية التي أرى أنه ينبغي أن تكون قاعدة في كل قضية تتعلق بمسألة بالغة الأهمية، مثل تشكيل حكومة بلدنا. ومعياري الوحيد هو المصلحة الوطنية. أتمنى أن تنجح الحكومة المقبلة. وأتمنى أن تكون في مستوى تطلعات الشعب. وأتمنى أن تكون جديرة بالثقة الموضوعة في المؤسسات. وأتمنى أن تترجم توجيهات صاحب الجلالة الملك بكفاءة وفعالية. وأتمنى، قبل كل شيء، أن تضم، في المواقع التي تكون فيها الخبرة حاسمة، نساءً ورجالًا قادرين على تحويل القرارات إلى نتائج. وعلى هذا الأساس وحده أنظر إلى مسار محمد الشيخ بيد الله. ولهذا فإن شهادتي ليست مرافعة حزبية، وليست توقعا سياسيا. إنها شهادة ضمير.

ماذا أستخلص من الرّجل؟

أما أنا، فلا أريد أن أختم هذا التكريم بقائمة أخرى من المناصب. بل أريد أن أتحدث عن الرجل. عن الرجل الذي صاغته عقود من الحياة العامة، وصقلت شخصيته عبرها. عن الرجل الذي يشهد مساره على تصور معين للمسؤولية. عن الرجل الذي عرف السلطة، دون أن تتحول السلطة إلى اختزال لشخصه. عن الرجل الذي عرف البرلمان، دون أن يجعل من البرلمان أفقه الوحيد. عن الرجل الذي عرف الإدارة، دون أن يخلط بين الإدارة والسياسة. عن الرجل الذي عرف الحكومة، ويعرف، لأنه مارسها، أن الحكم ليس مجرد وعود. بل لا بد من القرار. ولا بد من المفاضلة. ولا بد من تحمل المسؤولية. ولا بد من تقديم الحساب. وفوق ذلك كله، لا بد من الاستمرار في الفعل إلى الحد الذي يسمح للقرارات بأن تنتج آثارها. هذه هي أبعاد رجل الدولة التي أود أن أحيّيها.

التّكريم قبل التّنبّؤ

وعشية قرار مؤسساتي كبير، سأحرص إذن على ألا أحول هذا التكريم إلى تنبؤ. فالقرار يعود إلى المؤسسات الدستورية. والنتيجة الانتخابية تعود إلى الناخبين. والمسؤولية السياسية تعود إلى الأحزاب. أما التقييم التاريخي، فموعده مع الزمن. لكن الشهادة حقّ لمن يعرف الرجال، ويتابع مساراتهم، ويراقب أعمالهم. ومن هذا المنطلق أحيّي محمد الشيخ بيد الله. لأن مسارًا امتد قرابة نصف قرن في الحياة العامة يستحق ما هو أكثر من اختزاله في تاريخ الميلاد. ولأن رجلًا كان برلمانيًا، وعاملًا، وواليًا، ووزيرًا، وقياديًا حزبيًا، ورئيسًا لمجلس المستشارين، وفاعلًا في الدبلوماسية البرلمانية، يستحق أن يُنظر إليه في مجموع تجربته. ولأن ابن السمارة الذي بلغ أعلى المسؤوليات الوطنية يمثل، من خلال مساره كذلك، شاهدًا على اندماج مختلف المكونات الترابية والتاريخية للمغرب في بناء الدولة الوطنية. ولأن من المفيد، في السياسة، أن نذكّر بحقيقة كثيرًا ما يحجبها صخب التعليقات: لا تُدار الدول بشهادة الميلاد، وإنما تُدار بالتجربة، والرؤية، والقدرة على اتخاذ القرار، وحسّ الدولة.

سنة 2027 وتحدّي الوحدة التّرابيّة

إذا كان لا بد لي من استخلاص عنصر أخير من عناصر هذه الشهادة، فهو الآتي: إن المرحلة المقبلة من قضية الصحراء لن تكون دبلوماسية فحسب؛ بل ستكون أيضًا مرحلة حكومية. فهي ستتطلب تنسيقا وثيقا بين السياسة الداخلية، والدبلوماسية، والقانون الدولي، والتنمية الترابية، والعمل البرلمان، والتواصل الدولي، وتعبئة قنوات التأثير. لقد أطلق القرار 2797 دينامية جديدة في المسار الأممي، من دون أن يعني ذلك إغلاق النزاع أو إسقاط مطلب التوصل إلى حل سياسي مقبول من الأطراف. ولذلك سيواصل المغرب تحركه بمنهجية. وبصبر. وبكفاءة. وبإلمام كامل بآليات العمل الدولي. وقبل كل شيء، بمعرفة عميقة بتاريخ الصحراء وواقعها الإنساني. ومن هذا المنظور تحديدًا، تكتسب مسيرة رجل ينحدر من السمارة دلالة خاصة. لا لأن أصله يكفي وحده لتحديد كفاءته. بل لأنه يضاف إلى عقود من المسؤوليات الوطنية والدولية. السمارة تمنحه ذاكرةَ المجال. والبرلمان منحه ممارسةَ المؤسسة. والإدارة منحته معرفةَ الدولة. والحكومة منحته تجربة القرار. وحزب الأصالة والمعاصرة منحه تجربة القيادة السياسية. والدبلوماسية البرلمانية منحته تجربةَ التمثيل الدولي. إنها تركيبة نادرة. وهي هذه التركيبة، أكثر من عمره، التي تستحق أن تدرس وتناقش.

كلمة الختام: لنترك للمؤسَّسات قرارها، وللتّاريخ حكمه

الغد للمؤسسات. وبعد الغد للتاريخ. وبين هذا وذاك سيكون هناك الرجال، ومسؤولياتهم، وقراراتهم، وأفعالهم. ولهذا، وفي وقت تتقاطع فيه التوقعات والتكهنات من كل جانب، أفضل أن أحيّي مسارًا إنسانيًا وسياسيًا، بدل أن أحبس رجلا داخل تكهن. محمد الشيخ بيد الله ليس مجرد وزير سابق. وليس مجرد رئيس سابق لمجلس المستشارين. وليس مجرد أمين عام سابق لحزب الأصالة والمعاصرة. وليس مجرد عامل أو والٍ سابق. إنه ثمرة مدرسة طويلة في المسؤولية العامة. إنه رجل من السمارة أصبح رجل دولة. ومساره يشكل اليوم جزءا من الذاكرة السياسية المعاصرة للمملكة. وقد نختلف في تقييم ما قام به، وقد نتفق، لكن ثمة أمرا يصعب إنكاره: إن تجربته أصبحت جزءا من رصيد الحياة العامة المغربية.

وفي المرحلة الجديدة التي تنفتح حول قضية الوحدة الترابية، عشية الدخول في سنة 2027، تستحق هذه التجربة الصحراوية والإدارية والبرلمانية والحكومية والدولية أن يُنظر إليها بكل ما تقتضيه من اهتمام. وأكرر: لا أدعي معرفة القرار المؤسساتي. ولا أستبق صدوره. ولا أطالب به. ولا أتحدث باسم المؤسسات. إنني أتحدث بصفتي مواطنا. وأتحدث بصفتي مثقفا. وأتحدث بصفتي وطنيا. ومن هذا الموقع تحديدًا، أرفض أن يُختزل رجل كرّس قرابة نصف قرن من حياته للشأن العام في مجرد عمر. فالعمر معطى. والتجربة مكتسب. والصحراء قضية وطنية. والقرار 2797 معطى دولي جديد. وسنة 2027 قد تكون سنة ذات مسؤولية خاصة. والمغرب سيحتاج، في هذه المرحلة الجديدة، إلى نساء ورجال قادرين على وضع تجاربهم في خدمة العمل العام. أما معرفة من ستُسند إليهم هذه المسؤوليات، فذلك متروك للمؤسسات وللقرار السيادي. أما للرجل، فأترك كرامة مساره. وللسمارة، فخرَ أنها كانت مهد ميلاده. وللمغرب، ثمرة تجربته. وأما للتاريخ، فأترك مهمة أن ينطق يوما بحكمه.

One thought on “مُحَمَّدُ الشَّيْخِ بيْدِ الله…حين تلتقي تجربة رجل بتاريخ وطن”

  1. تعين رييس حكومة مسألة دستورية،يبت فيها صاحب قرار التعيين كيفما كان حجم الشخص المنتظر في الظرفية الحالية بظروفها السياسية المعقدة، ممكن تجاوز الاحتمالات التقليدية،والبحت بتمعن عن الشخصية القادرة على تحمل الاتعاب السياسية للدفع إلى الأمام، بمخطط رابح-رابح،لمصلحة المجتع المغربي داخل وخارج التراب الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *