بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
هناك شيء غريب في قصة سبتة لا يتعلق فقط بعشرات الآلاف الذين اندفعوا نحو الحدود، ولا بالصور التي بدت كأنها خرجت من قاع البحر دفعة واحدة، ولا بذلك المشهد الذي جعل مدينة صغيرة تبدو، للحظات، كأنها موضوعة على حافة انفجار جغرافي لا تعرف خرائطه. الغريب حقا هو أننا، بعد كل ذلك، لا نعرف. لا نعرف من أشعل الشرارة الأولى. ولا نعرف من ضخ في الشبكات ذلك الوعد المسموم بأن الأبواب ستفتح. ولا نعرف من حوّل شائعة إلى موجة، والموجة إلى حشد، والحشد إلى أزمة دولة. ولا نعرف، وهذا هو الأكثر إثارة للقلق، هل كان هناك عقل واحد وراء المشهد، أم أن أحدا لم يكن بحاجة إلى عقل واحد أصلا. ثم يأتي رجل يعرف دهاليز الدولة الإسبانية وممرات الاستخبارات، المدير السابق للمركز الوطني للاستخبارات، والسفير السابق في الرباط، خورخي ديسكيار، ليقول شيئا يبدو للوهلة الأولى حاسما: لا يرى دورا للولايات المتحدة أو إسرائيل في الاقتحام.
حسنا. لكن ماذا فعلنا بهذه الجملة؟ لقد أخرجنا اسمين من الغرفة. ثم تركنا الغرفة مظلمة. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. لأن المشكلة ليست في أن يقول رجل مخابرات سابق: لا أعتقد أن الولايات المتحدة فعلت ذلك، ولا أعتقد أن إسرائيل فعلته. هذه جملة يمكن أن تكون صحيحة تماما. المشكلة تبدأ عندما تتحول «لا أعرف» إلى لعبة أسماء. روسيا؟ ربما. دولة أخرى؟ ربما. المغرب؟ لا نعرف. شبكات رقمية؟ نعرف أنها كانت موجودة. حسابات مضللة؟ نعم. تحريض إلكتروني؟ هناك ما يدعم وجوده. لكن من صنع الحدث نفسه؟ هنا ينهار اليقين، وتبدأ منطقة الضباب.وهذه المنطقة بالذات هي التي تستحق أن نتوقف فيها طويلا. لأن العالم الحديث ابتكر نوعا جديدا من القوة لا يحتاج إلى أن يضع توقيعه على الجريمة. يكفي أن يصنع المناخ. يكفي أن يزرع إشاعة في المكان الصحيح، في الساعة الصحيحة، ثم ينسحب. يكفي أن تقول آلاف الحسابات في وقت واحد شيئا غير صحيح حتى يصبح الكذب، في عقل الجمهور، أقرب إلى حقيقة مكتملة. لقد تغيرت طبيعة المؤامرة.
في القرن العشرين كان الباحث عن المؤامرة يبحث عن غرفة مغلقة، وستة رجال حول طاولة، وخريطة عليها دبابيس حمراء، ورجل يضع إصبعه على مضيق جبل طارق. أما اليوم، فقد تكون المؤامرة بلا غرفة. بلا طاولة. بلا اجتماع. وربما بلا مؤامرة بالمعنى التقليدي أصلا. قد يكون هناك شخص يطلق الكذبة. وشخص آخر يلتقطها. وثالث يضخمها. ورابع يترجمها. وخوارزمية تدفعها. وجمهور خائف أو غاضب يقرر أن يصدقها. وفجأة، تصبح الكذبة حدثا ماديا. وهنا تكمن عبقرية الفوضى الحديثة: أنها لا تحتاج دائما إلى قائد. لكنها تحتاج إلى بيئة. وهذه البيئة كانت موجودة في سبتة.
تقارير التحقق الإسبانية أشارت إلى انتشار معلومات مضللة مرتبطة بقرار قضائي حول إعادة المهاجرين، وإلى تضخم هذه الرسائل قبيل 30 و31 يوليو، كما تحدثت عن حملات لاحقة ارتبطت بحسابات وشبكات ذات صلات روسية أو مؤيدة لإسرائيل. لكن هذه المعطيات لا تثبت، في حد ذاتها، أن موسكو أو تل أبيب أمرتا بتنظيم الاقتحام أو خططتا له. وهنا ينبغي أن نتوقف عن الخلط بين ثلاث كلمات تبدو متشابهة لكنّها ليست كذلك: التنظيم. والتحريض. والاستغلال. قد يستغل أحدهم حادثا لم يصنعه. وقد يضخم آخر أزمة لم يبدأها. وقد يركب ثالث موجة لم يخلقها. وقد تكون هناك شبكات تستعد دائما لالتقاط أي أزمة وتحويلها إلى ذخيرة سياسية. وهذا ليست ببربرة لغوية. إنه الفرق بين الدليل والتخمين. بين المعلومة والاستخبار. وبين الاستخبار والرواية.
ولذلك فإن تصريح ديسكيار يصبح أكثر إثارة حين نقرأه لا بوصفه جوابا، بل بوصفه مرآة للمأزق. فالرجل يقول، في جوهر حديثه، إنه يستبعد الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا يستبعد أن تكون هناك دول تريد إشعال الخلافات داخل أوروبا وفي منطقة حساسة مثل مضيق جبل طارق، مع إشارة واضحة إلى روسيا دون اتهامها بالوقوف خلف العملية. وفي الوقت نفسه، قال إن من غير الطبيعي أن تمر أسابيع طويلة من دون معرفة تفاصيل أكثر عن كيفية وقوع هذه الموجة الهائلة. لكن هنا السؤال الذي ينبغي أن يكون أثقل من التصريح نفسه: إذا كنا لا نعرف من فعلها، فكيف نعرف من لم يفعلها؟
قد يكون الجواب الاستخباراتي قائما على معلومات لا يمكن كشفها. وهذا مفهوم. لكن القارئ العادي لا يملك تلك الملفات السرية. إنه يملك الكلام المنشور فقط. والكلام المنشور، حين يكون صادرا عن رجل من عالم الاستخبارات، يكتسب سلطة إضافية. وهنا تكمن خطورته. لأن كلمة «أستبعد» في فم صحفي ليست هي كلمة «أستبعد» في فم رجل أمضى حياته قريبا من أجهزة الدولة. الأولى رأي. والثانية توحي، حتى حين لا تقصد، بوجود ملف خلفها. لكن الملف غير موجود أمامنا. فنحن نرى الباب، ولا نرى ما وراء الباب. وهذه واحدة من أكثر المشكلات إثارة في عصر الأمن والاستخبارات: السلطة المعرفية لمن يعرف أكثر مما يستطيع قوله. إنه نوع من المعرفة السلبية. أن تقول للناس: لا أستطيع أن أخبركم بما أعرف. لكنني أستطيع أن أخبركم بما لا أظنه. فتنشأ منطقة عجيبة من اليقين الناقص. لا دليل كامل. ولا نفي كامل. ولا اتهام كامل. ومع ذلك، تتشكل الرواية. وهنا يصبح رجل المخابرات، من حيث لا يريد ربما، شاعرا من شعراء الظل. يقول لنا: ليست واشنطن. ليست إسرائيل. وربما روسيا. وربما غيرها.
أما الحقيقة فتجلس في مكان آخر، تراقبنا ونحن نتقاتل على أسماء لم نثبتها. ولعل أكثر ما يستحق التفكير في كلام ديسكيار ليس روسيا أصلا، بل جملته عن مضيق جبل طارق. ذلك المضيق ليس مجرد ماء بين ضفتين. إنه أحد أعصاب العالم. من يقرأ جغرافية المكان يعرف أن سبتة ليست مجرد مدينة محاصرة بسياج. إنها عقدة في شبكة أوسع: المغرب، إسبانيا، أوروبا، المتوسط، الأطلسي، الهجرة، الأمن، الملاحة، مكافحة الإرهاب، العلاقات المغربية الإسبانية، والذاكرة الاستعمارية. ولهذا فإن أي اضطراب في سبتة لا يبقى في سبتة. إنه يتردد. لكن التردد شيء، والتخطيط شيء آخر.
وهنا يجب أن نكون قساة مع اللغة. ليس كل من استفاد من الحريق هو من أشعله. وليس كل من نشر دخانا هو من أطلق النار. وليس كل دولة لديها مصلحة في إضعاف خصمها قد قررت فعل ذلك بالفعل. السياسة الدولية ليست محكمة للنيات. والاستخبارات، في أحسن أحوالها، ليست علما سحريا لقراءة ما في رؤوس الدول. هي احتمالات، مصادر، إشارات، اعتراضات، تحليلات، قرائن، تقديرات، ومعلومات متفاوتة الجودة. ثم يأتي القرار. ثم يأتي التاريخ ليحاكم ما ظنناه يقينا. وما حدث في سبتة يكشف شيئا أكثر عمقا من سؤال «من وراء العملية؟». يكشف هشاشة العالم أمام الشائعة. يكشف أن الحدود لم تعد تُترق فقط بالأجساد. يمكن اختراقها بالمعلومة. بالصورة. بالفيديو القديم. بخريطة مزورة. برسالة على تطبيق. بجملة تقول: «افتحوا الطريق، إسبانيا ستسمح لكم بالدخول».
وقد أشارت التحقيقات المنشورة إلى أن معلومات مضللة مرتبطة بقرار قضائي جرى تداولها على نطاق واسع، وأنها انتقلت من هامش الشبكات إلى الانتشار الواسع قبيل الأزمة. هنا يصبح الهاتف المحمول أخطر من مكبر الصوت. لأن مكبر الصوت يحتاج إلى حشد. أما الهاتف، فيصنع الحشد. هذه هي النقلة التي لم تستوعبها كثير من الدول بعد. لقد كانت الحدود قديما خطا من الحديد. ثم أصبحت خطا من الكاميرات. واليوم أصبحت خطا من الخوارزميات. وقد يكون الحارس واقفا عند المعبر، بينما المعركة الحقيقية تجري على شاشة في غرفة نوم بعيدة. وهذا ما يجعل قصة سبتة أكثر غرابة من مجرد أزمة هجرة. إنها مختبر. مختبر لمعرفة كيف تتحول المعلومة إلى حركة بشرية. وكيف يتحول الوهم إلى جغرافيا. وكيف يمكن لشائعة صغيرة أن تفتح، ولو مؤقتا، بابا أكبر من قدرتها. لكن هناك وجها آخر أكثر إزعاجا. حين يقول رئيس الحكومة الإسبانية إن شبكات مرتبطة بروسيا وإسرائيل ساهمت في نشر وتضخيم التضليل، ثم تؤكد التحقيقات وجود نشاط لشبكات أو حسابات مرتبطة بهذه البيئات، ينبغي التمييز بين ذلك وبين اتهام الدولتين نفسيهما بتدبير الاقتحام. وقد شدد سانشيز لاحقا أمام البرلمان على أنه لم يثبت أن دول روسيا أو المغرب أو إسرائيل كانت وراء تلك الشبكات، فيما نفت موسكو وتل أبيب أي تورط.
وهذا التمييز هو جوهر القضية. فالدولة ليست كل مواطن يحمل جنسيتها. وليست كل شبكة تتبنى خطابا مؤيدا لها جزءا من جهازها. وليست كل حملة تضليل مرتبطة ببيئة سياسية دليلا على أنها صادرة بأمر من حكومة. وإلا تحول العالم إلى مسرح من الاتهامات المتبادلة لا يحتاج إلى محاكم، لأن الجميع سيصبح متهما بمجرد أن نجد شخصا في فضائه الرقمي قال شيئا يناسب روايتنا. ثم تأتي الجملة الأكثر غرابة في كل هذه القصة: «بعد شهرين، ما زلنا لا نعرف». قد تبدو الجملة فشلا. وقد تكون في الحقيقة علامة على تعقيد المسألة. لكنها، في الحالتين، تفرض سؤالا واحدا: ماذا كان يعرف الجهاز قبل أن يحدث كل شيء؟ وماذا عرف بعده؟ وهل كانت هناك إشارات مبكرة؟ وهل كانت الدولة قادرة على قراءة الإشارات لكنها أخطأت في تقدير حجمها؟ أم أن ما حدث كان أكبر من قدرة أي جهاز على التنبؤ؟
هذه الأسئلة ليست اتهامات. إنها أسئلة دولة. بل إن ديسكيار نفسه تحدث عن معلومات سابقة حول تحركات في الشبكات، وعن إشارات إلى توقع موجة كبيرة، لكنّه شدد على صعوبة معرفة من يقف وراءها. كما انتقد بشدة كشف تقارير استخباراتية سرية، محذرًا من أن ذلك قد يكشف للخصوم ما الذي تراقبه الأجهزة وما الذي لا تراقبه، وقد يعرض مصادرها للخطر. وهنا يظهر وجه آخر للمفارقة. الدولة تريد الشفافية. والاستخبارات تحتاج إلى السرية. والصحافة تريد الإجابة. والأجهزة تريد حماية مصادرها. والسياسي يريد رواية. والحقيقة لا تهتم بأي واحد منهم. الحقيقة لا تتكلم إلا عندما تجد دليلا. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله في قصة سبتة هو أن نملأ الفراغ. الفراغ المعرفي يغري الإنسان بالرواية. والرواية أكثر إشباعا من الجهل. نحن نكره أن نقول: لا نعرف. ولهذا اخترع الإنسان الأساطير. ولهذا اخترع المؤامرات. ولهذا، كلما اتسعت مساحة المجهول، ازدحمت فيها الأسماء. روسيا. إسرائيل. المغرب. الجزائر. أوروبا. المهربون. شبكات التواصل. اليمين المتطرف. الاستخبارات. المهنيون في صناعة الفوضى. وربما جميعهم بدرجات مختلفة. لكن ربما لا أحد منهم بالطريقة التي نتخيلها.
وهنا تكمن المفاجأة الفلسفية. قد يكون السؤال الخطأ هو: «من فعل ذلك؟» والسؤال الأصح هو: «كيف أصبح ذلك ممكنا؟» لأن معرفة اسم الفاعل، إن ظهر يوما، لن تجيب وحدها عن السؤال الأعمق.ة كيف استطاع خبر كاذب أن يتحول إلى حركة جماعية؟ كيف استطاع هاتف صغير أن يؤثر في قرار آلاف البشر؟ كيف أصبحت الحدود الأوروبية، بكل أجهزة المراقبة والكاميرات والاستخبارات، قابلة لأن تهتز أمام موجة بدأت في فضاء لا حدود له؟ وكيف يمكن لدولة أن تكون قوية جدًا في مراقبة الأفراد، لكنها عاجزة عن تفسير سلوك الجماعات؟ة ربما هنا تكمن الحكاية كلّها. سبتة لم تكن فقط قصة مهاجرين. كانت قصة دولة اكتشفت أن الحدود الحديثة لا تبدأ من السور. بل تبدأ من الخيال. والذين يستطيعون السيطرة على خيال الجماهير لا يحتاجون دائمًا إلى السيطرة على الحدود.
أما تصريح ديسكيار، فينبغي ألا نقرأه كأنه خاتمة الرواية. إنه فصل منها. وربما فصل شديد الأهمية لأنه صادر عن رجل يعرف كيف تعمل الدولة، ويعرف أيضًا أن أخطر شيء في عالم الاستخبارات ليس أن تملك معلومات ناقصة. بل أن تتصرف كما لو كانت المعلومات الناقصة كاملة. هناك فرق هائل بين «لا أستبعد روسيا» و«روسيا فعلت ذلك». وبين «كانت هناك شبكات مرتبطة بإسرائيل» و«إسرائيل فعلت ذلك». وبين «المغرب يملك نفوذا على الحدود» و«المغرب قرر فتحها». وبين «هناك من استفاد من الفوضى» و«هناك من صنع الفوضى». إذا ضاعت هذه الفروق، فلن نعود نحلل الحدث. سنكتب رواية عنه. والرواية قد تكون أجمل من الحقيقة. لكنها أخطر منها. لذلك، ربما علينا أن نترك سبتة للحظة بلا متهم.
أن نضع الأسماء جانبا. أن نطفئ ضجيج الأجهزة قليلا. وأن ننظر إلى المشهد كما ينظر الفيلسوف إلى مرآة مكسورة: لا يسأل أولا من كسرها.بل يسأل لماذا أصبح وجهنا فيها بهذا العدد من الوجوه. ربما كان هناك عقل خلف العملية. وربما كانت هناك عقول. وربما كانت هناك شبكات. وربما كان الأمر مزيجا من التضليل والجريمة والانتهازية والفوضى وسوء التقدير. وربما كان أخطر ما في القصة أن أحدا لم يحتج إلى أن يكون في الغرفة. ففي العصر الرقمي، قد تكون الغرفة هي العالم كله. وقد تكون اليد التي فتحت الباب مجرد إصبع مجهول ضغط على شاشة. أما الذين اندفعوا خلف الباب، فلم يكونوا بالضرورة يعرفون من فتحه. وهنا يصبح السؤال عن سبتة سؤالًا عن القرن الحادي والعشرين نفسه: هل ما زالت الدول تعرف من يهاجمها؟ أم أنها أصبحت، مثلنا جميعا، ترى فقط آثار الأقدام بعد أن يغادر صاحبها؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى معلقا. لا روسيا. ولا إسرائيل. ولا أمريكا. ولا المغرب. ليس لأنّ هذه الأسماء غير مهمة. بل لأنّ الحقيقة، قبل أن تكون اسما، يجب أن تكون دليلا. وإذا كان رجل من قلب عالم الاستخبارات يقول لنا بعد كل هذا الوقت إنه لا يعرف تماما من يقف وراء المشهد، فربما تكون أكثر إجابة ذكاء في هذه اللحظة هي ألا نخترع جوابا يرضينا. أن نترك المجهول مجهولا إلى أن يظهر الدليل. ففي السياسة، كما في الفلسفة، ليست الشجاعة أن تملك جوابًا لكل سؤال. أحيانا تكون الشجاعة أن تقول: لا نعرف بعد. وأن ترفض، وسط هذا الضجيج كلّه، أن تجعل من الظل رجلا، ومن الاحتمال حقيقة، ومن الشائعة دولة.
