بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
هناك أشياء لا تموت، حتى حين ندفنها جيّدا. الأقوال القديمة واحدة منها. تنام سنوات طويلة في قاع هاتف منسي، أو في حساب مهجور، أو في محادثة ظن صاحبها أن الليل ابتلعها إلى الأبد، ثم تستيقظ فجأة، لا كذكرى، بل كحيوان بري يركض في وضح النهار، ويقفز فوق الحاضر ليعض صاحبه من عنقه. هذا بالضبط ما يحدث لجوردان بارديلا. ليس لأن الماضي عاد فحسب، بل لأن الرجل الذي كان في الماضي فتى في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، صار اليوم رئيسا لحزب، ووجها مركزيا في المشهد السياسي الفرنسي، ورجلا ينظر إليه بوصفه أحد أبرز وجوه المرحلة المقبلة. هنا يتغير معنى الكلام القديم. فالعبارة التي قد تبدو في حياة شاب طائش مجرد قذارة عابرة، لا تبقى كذلك بالضرورة حين يصبح صاحبها مسؤولا سياسيا؛ لأن السلطة لا تورث الإنسان ماضيه فقط، بل تجعل الماضي جزءا من سيرته العامة.
ومع ذلك، ثمة كلمة يجب ألا تضيع وسط الفوضى: بارديلا ينفي. ينفي أن تكون هذه الرسائل له، وينفي أنه قالها أو كتبها، بل يذهب أبعد من ذلك حين يقول إنه لم يفكر فيها أصلا، ويصف الوثائق بأنها مزورة و«عملية باربوزية»، وأعلن أن محاميه تقدم بشكوى بتهمة التشهير. وفي مواجهة ذلك، تقول ميديابارت إنها عثرت على عشرات المحادثات الخاصة التي تعود إلى 2013-2015، وإنها قامت، بحسب روايتها، بعمليات تحقق مستقلة من مادتها. إذن نحن أمام حقيقتين متعارضتين، لا أمام حقيقة واحدة جاهزة للالتهام أو التبرئة: رواية صحفية تقول إن هناك مادة موثقة، ورواية سياسية تقول إن هناك تلفيقا. والحقيقة القضائية، إن وصلت القضية إلى مداها الطبيعي، هي التي يفترض أن تفصل في مسألة الإسناد والتزوير والتشهير. لكن السياسة ليست محكمة فقط. السياسة مرآة أيضا. وفي هذه المرآة تظهر المشكلة الأعمق: ماذا نفعل بماضي الإنسان حين يصبح حاضره عاما؟ «اللي فات مات»، تقول الحكمة الشعبية. لكن أمي خيرة تقول شيئا آخر وهي تنفخ على كانون الشتاء: «ولدي، اللي فات مات غير إلا خلاه الحي يرجع يحضر.» ثم تضحك وتضيف: «الكلمة بحال الحجرة، إلى رميتيها فالبير ما كتطلعش وحدها.» كانت أمي خيرة تعرف، دون أن تقرأ نيتشه ولا هانا أرندت، أن الإنسان ليس كائنا يسكن الزمن، بل كائن يسكن ما يتذكره الزمن عنه.
فبارديلا يقول اليوم، بحسب تصريحاته، إنه يتعرض لمحاولة «اغتيال سياسي»، ويتحدث عن «حرب شاملة» ومحاولة لزعزعة حملته والحزب الذي يقوده. وهذه، سياسيا، إجابة مفهومة من رجل وجد نفسه فجأة أمام حريق: أن يقول إن الحريق أشعل عمدا، وإن من يحملون الدلاء هم أنفسهم الذين جاؤوا لإحراق البيت. لكن السؤال الفلسفي لا يرضى بهذه السرعة. ماذا لو كان الحريق في الخارج؟ وماذا لو كان بعض دخانه قد خرج من غرفة قديمة في الداخل؟ هنا لا ينبغي للقارئ أن يحكم قبل أن يعرف، ولا أن يبرئ قبل أن يعرف. فالاتهام بالعنصرية أو معاداة السامية ليس نكتة سياسية، كما أن اتهام صحفيين بالتزوير ليس نكتة بدورها. كلاهما اتهام ثقيل، وكلاهما يحتاج إلى أدلة، لا إلى صراخ. غير أن المسألة لا تنتهي عند سؤال: «هل قال بارديلا هذه الكلمات أم لا؟» هناك سؤال أكثر إزعاجا: هل يستطيع الإنسان أن يغير نفسه فعلا؟ نعم، يستطيع. وهل يمكن أن يبقى شيء من الماضي في تكوينه رغم التغير؟ نعم، يمكن. وهل كل إنسان محكوم بما قاله وهو في السابعة عشرة؟ لا. وهل يصبح الماضي بلا قيمة بمجرد أن يقول صاحبه: «لقد تغيرت»؟ أيضا لا.
بين هذه الـ«نعم» والـ«لا» يعيش الإنسان. فالإنسان ليس تمثالا من حجر. هو مشروع دائم من التناقضات، يتقدم خطوة ويتراجع خطوتين، يكتشف خطأه، أو ينكره، أو يتجاوزه، أو يخبئه، أو يعيد تفسيره بعد عشرين سنة. وربما تكون إحدى أعظم مآسي البشر أن الذاكرة لا تنضج بالسرعة نفسها التي ينضج بها أصحابها. لكن العنصرية تحديدا ليست مجرد كلمة قذرة تخرج من فم ثم تتبخر. إنها، في تاريخ المجتمعات، طريقة قديمة في ترتيب البشر: هذا أعلى، وهذا أدنى؛ هذا يملك الحقيقة، وذاك يحمل العيب في جلده أو اسمه أو دينه؛ هذا فرد، وذاك كتلة؛ هذا «نحن»، والآخر «هم». ولهذا فإن العنصرية لا تحتاج دائما إلى رجل يكره الآخرين بوعي كامل. أحيانا تعيش في النكتة، وفي المثل، وفي الصورة النمطية، وفي العبارة التي نقول بعدها: «غير كنت كنضحك»، ثم نواصل الضحك. «سير سير، هاكا كنت ندير»، يقول المرء حين يمسك متلبسا بماض لا يريد الاعتراف به. لكن الماضي لا يملك أقداما لكي يسير. إنه يمشي بأقدامنا نحن. وهذا ما يجعل قصة بارديلا أوسع من بارديلا نفسه.
لقد شهدنا، كما تذكر مادة، حالات عديدة عادت فيها عبارات أو منشورات أو صور قديمة لتصطدم بأصحابها بعدما تغير موقعهم في المجتمع: مهدي مكلاط، أولايا أمعمرا، العداء هوغو هاي، فريديريك ميتران، لوديفين دوداي، تيبو إنشيب، وإيزابيل بالكوني. المشترك بينهم ليس أنهم جميعا سواء، ولا أن العبارات المنسوبة إليهم لها الوزن نفسه، بل شيء أكثر بساطة وأكثر رعبا: الأنترنت لا ينسى. في الزمن القديم كان الإنسان يستطيع أن يقول كلاما سيئا في مقهى، ثم يغادر المقهى فيموت الكلام مع دخان السيجارة. أما الآن، فالجملة لها قبر إلكتروني، لكنها لا تتحلل فيه. يمكن أن تعود بعد خمسة عشر عاما وهي ترتدي بدلة سوداء وتحمل ملفا.
بارديلا يعرف هذا أكثر من غيره. فالرجل الذي ارتقى داخل حزب يخوض منذ سنوات معركة لإعادة تقديم نفسه أمام الرأي العام، لا يستطيع أن يتعامل مع الماضي باعتباره صندوقا شخصيا مغلقا. لقد كانت استراتيجية «التطبيع» أو «نزع الشيطنة» التي اتبعها التجمع الوطني منذ عهد مارين لوبان محاولة للابتعاد عن إرث جان ماري لوبان وخطابه السابق، فيما ظل تاريخ الحزب وعلاقة بعض أفراده بالخطابات المعادية لليهود موضوعا للجدل. وهنا تصبح المسألة شبيهة ببيت جرى طلاؤه عشر مرات. هل يكفي الطلاء لإثبات أن الجدران لم تكن يوما متشققة؟ لا. وهل يعني وجود تشققات قديمة أن البيت لا يمكن إصلاحه؟ أيضا لا. إنها المسافة الدقيقة بين التغير والمحو. التغير ممكن. أما المحو الكامل للماضي فربما يكون وهما.
ولعل أذكى ما يمكن فعله في قضية كهذه هو ألا نسأل فقط: «هل بارديلا عنصري؟» فهذا سؤال يريد إجابة سريعة من نوع نعم أو لا، بينما الواقع أكثر تعقيدا من ذلك. السؤال الأجدى هو: ما الأدلة؟ ما مصدرها؟ هل ثبتت نسبتها؟ ماذا يقول صاحبها؟ ماذا تقول التحقيقات المستقلة؟ وما الذي تكشفه الوقائع الموثقة عن تطور مواقفه السياسية عبر السنوات؟ لأن الحكم على البشر من جملة واحدة قديمة ظلم، والحكم عليهم من صورتهم الجديدة وحدها قد يكون ظلما آخر. ثم هناك سؤال ثالث، أكثر قسوة: إذا ثبتت صحة تلك الرسائل يوما، فهل يكفي أن نقول: «كان صغيرا»؟ ربما يكون العمر عاملا مهما في فهم المسؤولية، لكنه ليس ممحاة. وإذا ثبت أنها مزورة، فهل يكفي أن نقول: «كان متهما»؟ بالطبع لا. في الحالتين، العدالة تحتاج إلى شيء تفتقر إليه السياسة غالبا: الصبر.
أما الجمهور، فقد تعلم أن يريد الحكم قبل انتهاء المحاكمة، والبراءة قبل التحقيق، والإدانة قبل الوثيقة. نحن نعيش في عصر أصبحت فيه الحقيقة تصل متأخرة دائما، بينما يصل الغضب في سيارة إسعاف. وهذا هو الفخ. أن يتحول بارديلا من شخص محل سؤال إلى رمز، ثم تتحول القضية من بحث عن الحقيقة إلى مباراة بين معسكرين: من يكرهه يريد تصديق كل شيء، ومن يؤيده يريد تكذيب كل شيء. وفي الحالتين تضيع الحقيقة في المنتصف، مثل طفل ضل الطريق بين سوقين. أمي خيرة كانت ستقول: «ما تصدقش كل ما تسمع، وما تكذبش كل ما ما يعجبكش.» ثم تسكت قليلا، وتضيف وهي تقلب الخبز على النار: «الحق ما يخافش من الوقت.»
وهذا ربما هو الدرس الوحيد الذي يستحق أن يبقى بعد انطفاء هذه العاصفة. فإذا كانت الرسائل حقيقية، فستحتاج إلى أن تثبت حقيقتها، لا إلى مزيد من الصراخ. وإذا كانت مزورة، فسوف تحتاج عملية التزوير إلى أن تكشف، لا إلى مجرد نفيها. وإذا كان الرجل قد تغير، فالتغير لا يثبت بالخطب وحدها، بل بسجل طويل من المواقف والأفعال. وإذا لم يتغير، فإن الماضي لن يكون هو المشكلة الوحيدة؛ الحاضر نفسه سيصبح وثيقة. لا أحد يستطيع أن يختار ماضيه بعد وقوعه. لكن كل إنسان يستطيع أن يختار ماذا يفعل به. وهنا، بالضبط، تنتهي الحكاية التي بدأت برسائل قديمة وتبدأ الحكاية الأخطر: حكاية الإنسان حين يكتشف أن الكلمات التي ظنها ماتت، كانت فقط تنتظر أن يكبر هو بما يكفي لكي تفهمه. وربما لهذا السبب لا يعود الماضي أحيانا لكي ينتقم. يعود فقط ليسأل: من أنت الآن؟
