تكلم القصر… فولدت امرأة على رأس الحكومة

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

في المغرب، بعض الأخبار لا تصل على هيئة خبر. تدخل مثل طائر أبيض من بوابة القصر. تجلس لحظة في صمت، ثم تفتح جناحيها فوق البلاد. بلاغ واحد، جمل قليلة، كلمات محسوبة كأنها نقشت على حجر، وإذا بالبلاد كلها تتوقف لحظة لتقرأ. «استقبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس… السيدة فاطمة الزهراء المنصوري… وعينها جلالته رئيسة للحكومة… وكلفها جلالته بتشكيل الحكومة الجديدة». هكذا. لا موسيقى، لا طبول، لا فائض من الكلام. فالقصور الملكية لا تحتاج إلى الصراخ لكي تقول شيئا. لها بلاغتها الخاصة: بلاغة الجملة القصيرة التي تحمل في داخلها جبالا من المعاني.

وفي المغرب، حيث للكلمة الرسمية وزنها، يصبح البلاغ الملكي أكثر من نص إداري. إنه قطعة من هندسة الدولة، يخرج من القصر محملا بالرمز والدستور والسياسة والتاريخ. وفي هذا الثلاثاء، 29 شتنبر 2026، لم يكن القصر يعلن فقط اسما جديدا في رئاسة الحكومة. كان يفتح بابا آخر في تاريخ المغرب السياسي. امرأة على رأس الحكومة. فاطمة الزهراء المنصوري. وهنا لا أريد أن أقول «رئيسة الوزراء». الكلمة ليست تفصيلا لغويا . نحن نتحدث عن «رئيسة الحكومة»، كما تقول هندسة الدستور نفسه، وكما اختار البلاغ الملكي أن يسمي المنصب. ثم إن المغرب لا يحتاج إلى استعارة أسماء من قاموس سياسي آخر لكي يثبت أنه يتقدم. له لغته. وله دستوره. وله مساره. والمرأة المغربية التي كانت، في أزمنة قريبة، تخوض معاركها في صمت البيت والشارع والمدرسة ومكاتب الإدارة، تجد نفسها اليوم أمام صورة لم تكن لتبدو عادية في ألبوم المغرب القديم: امرأة تدخل القصر لتخرج منه رئيسة للحكومة. لا ينبغي أن ننظر إلى الأمر باعتباره انتصارا للمرأة على الرجل. هذه لغة المعارك الصغيرة. الأهم أن ننظر إليه باعتباره انتصارا لفكرة أكبر: أن الكفاءة السياسية لا ينبغي أن يكون لها جنس. الرجل ليس مؤهلا لأنه رجل. والمرأة ليست مؤهلة لأنها امرأة. المعيار الحقيقي يبدأ بعد أن تغلق أبواب القصر. هناك، حيث لا تكفي الصورة. هناك، حيث تنتظر الملفات. وهناك يبدأ الامتحان.

فالمنصب الكبير يشبه قميصا من نار: يليق بصاحبه في الصورة، لكنه يحرقه إذا لم يكن قادرا على حمله. ولهذا فإن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري لا ينبغي أن يكون نهاية السؤال. بل بدايته. بل ربما يكون السؤال الحقيقي الآن أكبر من اسم الرئيسة نفسها: من سيدخل معها إلى الحكومة؟ ومن سيجلس حول الطاولة؟ ومن سيحمل التعليم؟ ومن سيحمل الصحة؟ ومن سيحمل الثقافة؟ ومن سيحمل الصناعة؟ ومن سيحمل الدبلوماسية؟ ومن سيحمل الاقتصاد؟ ومن سيحمل الإدارة؟ ومن سيحمل تلك الوزارات التي لا تظهر كثيرا في الصور، لكنها تحمل فوق ظهورها نصف ثقل البلاد؟ هنا بالضبط ينبغي أن يتغير النقاش. لا نريد حكومة من الوجوه التي تعرف كيف تبتسم أمام الكاميرات. نريد حكومة تعرف كيف تنظر إلى الملفات في عيونها. لا نريد كراكيز سياسية تتحرك حين تسحب الخيوط. نريد أشخاصا لهم عقولهم، وتجاربهم، وشخصياتهم، وقدرتهم على اتخاذ القرار، وشجاعة تحمل تبعاته.

فالوزير ليس ديكورا في صورة جماعية. الوزير مسؤول عن مدرسة، عن مستشفى، عن مصنع، عن جامعة، عن سفارة، عن آلاف الموظفين، وعن ملايين المواطنين الذين لا يعرفون اسمه أصلا، لكنهم يعرفون أثر قراراته في حياتهم. وهنا تصبح الحكومة الجديدة امتحانا آخر للدولة نفسها. هل نستطيع أن ننتقل من منطق توزيع المقاعد إلى منطق صناعة الكفاءات؟ هل نستطيع أن نختار الوزير لأنه يعرف المجال الذي سيقوده، لا لأنه يعرف الطريق إلى الحزب؟ هل يمكن أن تصبح الاستحقاقات المهنية والسياسية والدبلوماسية معيارا حقيقيا في الاختيار؟ هل يمكن أن تنتهي تلك العادة القديمة التي تجعل بعض الأسماء تبدو وكأنها تدور في فلك كما تدور الكواكب حول شمس لا تغيب؟

المغرب لا تنقصه الأسماء. المغرب يحتاج إلى العقول. وهذا فرق هائل. في التعليم العالي مثلا، لا نحتاج وزيرا يحفظ أسماء الجامعات فقط. نحتاج شخصا يفهم الجامعة باعتبارها المصنع الحقيقي لعقل المغرب. يفهم أن الأستاذ الجامعي ليس موظفا يؤدي ساعات العمل وينصرف، وأن الطالب ليس رقما في ملف، وأن الجامعة ليست بناية إسمنتية تلمع واجهتها بينما تتآكل روحها في الداخل. نحتاج من يعيد إلى الجامعة هيبتها العلمية، ويصل المعرفة بسوق الشغل، ويضع البحث العلمي في قلب التنمية، ويمنح الأستاذ والباحث ما يستحقانه من احترام ومكانة، ويجعل من الجامعة المغربية نافذة لا جدارا. وفي الصحة، لا نحتاج وزيرا يجيد تعداد المستشفيات. نحتاج من يفهم أن المستشفى ليس بناية. المستشفى هو ذلك المكان الذي يدخل إليه الإنسان وهو يحمل أكثر ما يخيفه: جسده.

هناك، لا تنفع البلاغة. هناك، لا تنفع الشعارات. هناك، إما أن يجد طبيبا وممرضا وإدارة وتجهيزا ودواء وكرامة، أو لا يجد. وفي الثقافة، المسألة أكثر خطورة. لأن الأمم قد تستطيع أن تعيش بلا بعض الأشياء زمنا، لكنها إذا فقدت ذاكرتها بدأت تمشي نحو نفسها وهي لا تعرف الطريق. الثقافة ليست حفلات موسيقية موسمية، ولا صورا جماعية، ولا مهرجانات تملأ الساحات ثم تنطفئ أضواؤها في الصباح. الثقافة هي السؤال عن من نحن. هي اللغة. هي الكتاب. هي المسرح. هي السينما. هي التراث. هي المدرسة. هي الطفل الذي يفتح كتابا في قرية بعيدة ويكتشف أن العالم أكبر من الحائط الذي أمامه. أما الصناعة، فهي المسألة الأخرى التي لا تحتمل المجاملة. المغرب لا يحتاج فقط إلى أن يكون بلدا يستقبل المصانع. يحتاج إلى أن يكون بلدا يصنع المعرفة والتكنولوجيا والقيمة المضافة. يحتاج إلى صناعة لا تكتفي بالتركيب، بل تتعلم التصميم. لا تكتفي بالتصدير، بل تبني العلامة. لا تكتفي بجلب الاستثمار، بل تصنع المستثمر المغربي. وهنا تصبح الوزارة ورشة لا مكتب استقبال.

أما الدبلوماسية، فربما تكون بحاجة إلى رجال ونساء يعرفون أن العالم لم يعد غرفة واحدة فيها كرسي واحد. العالم اليوم متاهة من المصالح والتحالفات والأسواق والحروب الباردة الجديدة والاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والمياه والهجرة. نحتاج دبلوماسيين يعرفون أن السياسة الخارجية لا تصنعها العبارات المنمقة وحدها. تصنعها المعرفة. والصبر. والقدرة على قراءة ما بين السطور. والقدرة على أن تقول «لا» عندما تكون «لا» أكثر فائدة من ألف «نعم». لهذا، فإن السؤال الذي يخرج من بلاغ القصر ليس فقط: من هي فاطمة الزهراء المنصوري؟ بل: من هم الذين سيقفون إلى جانبها؟ فالقبطان لا يصنع سفينة. والحكومة ليست شخصا واحدا. الحكومة عقل جماعي. إذا كان بعض أعضائها ضعيفا، دفع الأقوياء ثمن ضعفهم. وإذا كان بعضها مجرد امتداد للولاءات الحزبية، أصبحت الدولة رهينة لمنطق الحزب. أما إذا دخل إليها أهل الاختصاص والخبرة، أصحاب التجربة السياسية والدبلوماسية والعلمية والإدارية، فإن الحكومة تصبح شيئا آخر: تصبح أداة دولة. وهنا ينبغي أن نتحدث عن الزبونية دون خوف. فالزبونية ليست مجرد كلمة صحفية. إنها مرض قديم. مرض يجعل الشخص المسؤول يرى الكرسي قبل أن يرى الملف. ويجعل المسؤول يرى صديقه قبل أن يرى الكفاءة. ويجعل الحزب يرى الولاء قبل أن يرى الاستحقاق.

لكن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تبني مستشفى بالكفاءة المؤجلة. ولا جامعة بالولاءات. ولا صناعة بالمجاملة. ولا ثقافة بالمحسوبية. ولا دبلوماسية بمنطق «نعرف فلانا». البلاد التي تريد أن تصعد السلم العالمي لا يمكنها أن تحمل معها سلما من العلاقات الشخصية. ستسقط. ولذلك فإن الحكومة الجديدة، إذا أرادت أن تكون على مستوى اللحظة، تحتاج إلى شيء بسيط وصعب في الوقت نفسه: أن تختار الرجل المناسب للمكان المناسب، والمرأة المناسبة للمكان المناسب، بصرف النظر عن شبكة العلاقات التي يحملها كل واحد منهم. وهنا تعود بنا البلاغة الملكية إلى أصلها. فالبلاغ لم يقل إن المهمة سهلة. لم يقل إن الطريق مفروش بالورد. قال: كلفها بتشكيل الحكومة. والتكليف كلمة جميلة في اللغة، لكنها ثقيلة في السياسة. لأن التكليف ليس تشريفا فقط. إنه حمل. والحمل ليس بعدد الكاميرات التي تصوره، بل بعدد الأكتاف التي تستطيع أن تحمله.

ومن الجميل في المشهد أن امرأة مغربية تدخل الآن إلى قلب هذه المسؤولية. لكن الأجمل أن لا تتحول المرأة إلى صورة رمزية فقط. أن تكون رئيسة الحكومة مطالبة بما يطالب به أي رئيس حكومة: بالنجاح. وهذا هو الاحترام الحقيقي للمرأة. أن لا نعاملها باعتبارها امرأة تحتاج إلى تخفيف الامتحان عنها. بل باعتبارها مسؤولة سياسية كاملة الأهلية، يحق للمغاربة أن يسألوها، وأن يحاسبوها، وأن ينتظروا منها الكثير. هكذا فقط يصبح حضور المرأة في السلطة طبيعيا. لا معجزة. ولا استثناء. ولا ديكورا. بل شيئا عاديا في دولة تتحرك إلى الأمام. وربما كانت أمي خيرة ستضحك لو رأت كل هذا الكلام. كانت ستقول، وهي تضع كأس الشاي أمامنا: «آ ولدي، الحكومة ماشي فالقفطان ديالها، الحكومة فاليدين ديالها.» ثم تسكت. وتضيف: «اللي بغا يحمل القفة، خاصو يعرف شنو فيها.» وهذه ربما هي خلاصة الحكاية كلها. القصر فتح الباب. البلاغ أعلن الإسم. الدستور رسم الطريق.

والآن تبدأ الحياة الحقيقية. لأن المغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة جديدة. يحتاج إلى حكومة جديدة في طريقة التفكير. حكومة لا تخاف من الكفاءة لأنّها مستقلة. ولا تخاف من الوزير الذي يعرف أكثر من غيره. ولا تخاف من الأستاذ الذي يقول «لا». ولا من الطبيب الذي يقول إن المستشفى يحتاج إلى إصلاح. ولا من المثقف الذي يسأل الأسئلة المزعجة. ولا من الدبلوماسي الذي يقرأ العالم بعين مفتوحة. ولا من الصناعي الذي يقول إننا نستطيع أكثر. الدولة القوية ليست الدولة التي يجلس فيها الوزراء في صمت. الدولة القوية هي التي يستطيع فيها كل وزير أن يتكلم حين يجب أن يتكلم، وأن يتحمل المسؤولية حين يجب أن يتحملها، وأن يغادر حين يعجز عن أداء مهمته.

فالمغرب الذي يدخل امرأة إلى رئاسة الحكومة لا ينبغي أن يحتفل طويلا بالمرأة. ينبغي أن يحتفل بما هو أعمق: بفكرة الاستحقاق. بفكرة الدولة. بفكرة أن الكرسي ليس جائزة. وأن الوزارة ليست غنيمة. وأن المنصب ليس مقعدا في الصف الأول. إنه امتحان. امتحان أمام الملك. وأمام المؤسسات. وأمام التاريخ. وقبل ذلك كله أمام ذلك المواطن الذي لا يملك ميكروفونا. يملك فقط فاتورة الكهرباء. وورقة الطبيب. وشهادة ابنه. وطابورا في الإدارة. وحلما صغيرا بأن تعمل الدولة حين يحتاج إليها. ذلك المواطن هو الامتحان الحقيقي الذي يجب ألا ننساه. فإذا نجحت الحكومة، لن يقول التاريخ فقط إن امرأة ترأست الحكومة المغربية. سيقول شيئا أكثر أهمية: إن المغرب عرف كيف يحول لحظة رمزية إلى لحظة استحقاق. أما إذا ظلت الكراسي تلبس أصحابها بدل أن يحمل أصحابها الكراسي، فحتى أجمل البلاغات ستتحول مع الوقت إلى أوراق بيضاء في أرشيف كبير. والأرشيف، كما تعرف أمي خيرة، لا يجامل أحدا. يحتفظ بكل شيء. حتى بما كنا نظنه قد نسي.

2 thoughts on “تكلم القصر… فولدت امرأة على رأس الحكومة”

  1. من يتكلم لغة حفيف الرمز، لا يحب الضجيج. سيكون للحدث ما بعده من المحيط الى الخليج ، إلى باقي جغرافية العالم.
    نتمنى لها كل التوفيق، هي الآن لسان حال دولة، كما نتمنى للغة الناعمة أثر على تحويل الوعود إلى إجراءات على مستوى السياسات العمومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *