بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
كان يريد أن يصبح مشهورا. وهذه، في زمننا، جريمة لا يعاقب عليها القانون. المشكلة أنه أراد الشهرة بسرعة أكبر من اللازم، وعلى عجلتين. في مكان ما من سوم الفرنسية، كان رجل يقود دراجته النارية كما لو أن الطريق قد كُتب خصيصًا له، وكأن إشارات المرور مجرد اقتراحات حزينة اخترعتها الدولة لتفسد على الناس متعة الوصول. كان يصوّر مغامراته، ينشرها على الشبكات الاجتماعية، ويترك خلفه ما يشبه السيرة الذاتية لرجل لا يؤمن كثيرا بفكرة الفرامل. سرعة. تجاوزات خطرة. قيادة على عجلة واحدة. لقطات تصلح، في عين صاحبها، لأن تكون بطولة صغيرة على شاشة الهاتف. ثم حدث الشيء الذي لم يدخل في السيناريو. رآه أحدهم. ليس متابعا. ليس معجبا.
ليس شخصا يضع قلبا أحمر تحت الفيديو. بل رجال الدرك. وهنا اكتشفت الشهرة، فجأة، أنها ذات وجهين. وجه يصفق. ,ووجه يكتب المحضر. لقد فعل الرجل شيئا بالغ الحداثة: وضع الأدلة بنفسه على الإنترنت، ثم ترك الشرطة تقوم بواجبها في المشاهدة. وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الدرك في سوم تمكن من تحديده وتوقيفه بعد تحليل المقاطع التي نشرها، فيما وُضعت دراجته في المحجز، على أن يجيب أمام المحكمة عن الأفعال المنسوبة إليه. يا لها من نهاية ساخرة. في الماضي كان المجرم يخفي آثاره. اليوم، بعضهم يضيف إليها موسيقى ومؤثرات بصرية و«هاشتاغ». لقد تغير الزمن. لكن الشرطة، لحسن الحظ، لم تغير عينيها. كان الرجل يظن أنه يصنع محتوى. وكان يصنع ملفا. كان يظن أنه يصنع صورة عن الشجاعة.وكان يصنع أرشيفا عن المخالفات. كان يظن أن الهاتف شاهد على بطولته. وكان الهاتف، في صمته الزجاجي البارد، يسجل كل شيء. هذه هي الكوميديا السوداء في عصر المنصات: قد تشتري كاميرا كي تثبت أنك كنت هناك، ثم تكتشف لاحقا أنك اشتريت شاهدا لا ينسى. الكاميرا لا تنسى. الخوارزمية لا تنسى بسهولة. والأنترنت، ذلك الحيوان الغريب الذي نطعمه يوميًا بصورنا، يستطيع أن يعيد إلينا وجوهنا في اللحظة التي نتمنى فيها لو لم نكن قد ظهرنا أصلا.
الرجل لم يكن يركب الدراجة فقط. كان يركب أيضا وهما قديما جدا: وهم أن الجمهور يحوّل الفعل إلى بطولة. وهذه فكرة تستحق التوقف عندها. لماذا نصور أنفسنا ونحن نفعل الأشياء الخطرة؟ لأن الخطر، عندما يكون أمام جمهور، يتغير. الخطر وحده خوف. لكن الخطر أمام الكاميرا قد يتحول إلى هوية. هنا تبدأ المشكلة. الإنسان لا يريد فقط أن يعيش. يريد أن يُرى وهو يعيش. لا يريد أن يكون شجاعا فقط. يريد أن يراه الآخرون شجاعا. لا يريد أن يقود بسرعة فقط. يريد أن يقول للعالم: «انظروا إليّ وأنا لا أخاف». وهكذا يصبح الهاتف مرآة، ثم منصة، ثم محكمة.والأغرب أن المحكمة هي آخر شيء يفكر فيه صاحب الفيديو. في زمن سابق، كان الشاب يعود من مغامرته فيقول لأصدقائه: «فعلت كذا وكذا».
أما اليوم، فقد أصبح يقولها للعالم كله. وهذه نقلة ضخمة. لأن الفرق بين الحكاية الشخصية والاعتراف العلني هو أن الثانية تترك أثرا. وما ينشره الإنسان باعتباره انتصارًا قد يتحول غدًا إلى دليل على خطئه. كأن الإنترنت دفتر يوميات كتبه الجميع بأيديهم، ثم اكتشفوا بعد سنوات أن الدفتر لا يحرق نفسه. ولذلك فإن عبارة الدرك التي ذكّرت بأن «الشبكات الاجتماعية لا تحمي من المخالفات» تبدو أكثر عمقًا مما توحي به بساطتها. فالأنترنت ليس دولة مستقلة. لا توجد جمهورية اسمها «إأستغرامستان». ولا إمارة اسمها «تيك توك». ولا منطقة حرة بين العالم الحقيقي والعالم الرقمي. ما يحدث أمام الكاميرا لا يصبح أقل حقيقة لأن الشاشة صغيرة. والشارع لا يتوقف عن كونه شارعا لأنك وضعت فوق الفيديو موسيقى حماسية. والسرعة لا تتحول إلى قانونية لأن مئات الأشخاص ضغطوا على زر الإعجاب. والتجاوز الخطر لا يصبح مهارة فنية لأنك صورته من زاوية سينمائية جميلة.
لكن هناك مفارقة أكبر. لقد كان الرجل، ربما، يحاول أن يهرب من عادية الحياة. وهذا هو المرض الخفي في عصر الاستعراض. العادي أصبح إهانة. أن تقود بهدوء؟ عادي. أن تصل إلى بيتك سالما؟ عادي. أن تحترم إشارة المرور؟ عادي. أن تعيش يوما كاملا دون أن يراك أحد؟ كارثة تقريبا. نحن نعيش في زمن يشعر فيه بعض الناس أن الحياة التي لا تصوَّر لم تحدث. ولهذا أصبحت بعض المخاطر تُؤدى أمام الكاميرا كما كان يؤدي الممثل دوره أمام الجمهور. لكن هناك فرقا قاتلا: الممثل يستطيع أن يقول «قطع». أما الطريق فلا يعرف هذه الكلمة. السيارة القادمة لا تعرف أنك تصوّر. المشاة لا يعرفون أنك تريد ملايين المشاهدات. والجسد البشري لا يملك زر «إعادة المحاولة». لهذا فإن أكثر ما يثير القلق في القصة ليس أن رجلا خالف قواعد المرور. فالقانون سيتولى الجزء القانوني من المسألة، والقضاء سيحدد المسؤوليات والعقوبات. الأكثر إثارة للتفكير هو السؤال الذي يقف خلف الفيديو: متى أصبح إثبات المخاطرة أهم من النجاة منها؟
متى أصبح الإنسان مستعدا لأن يحوّل حياته إلى عرض كي يحصل على عشر ثوان من اهتمام الغرباء؟ ربما تكون هذه إحدى أكثر المفارقات قسوة في عصرنا. نملك اليوم وسائل هائلة لحفظ الحياة، ثم نستخدمها أحيانًا لتصوير أنفسنا ونحن نقترب من فقدانها. الهاتف، الذي يمكن أن يتصل بالإسعاف، يصبح كاميرا. والخوذة، التي يمكن أن تحمي الرأس، تصبح جزءا من المشهد. والطريق، الذي يفترض أن يكون وسيلة للوصول، يتحول إلى مسرح. ثم تأتي النهاية عادة بلا موسيقى. سيارة شرطة. استجواب. محضر. محجز. محكمة. وهنا ينزل البطل من الشاشة إلى الأرض. فالشبكات الاجتماعية تمنحك جمهورًا بلا مسؤولية فورية. لكن القانون يعيد إليك المسؤولية. الجمهور يستطيع أن يضحك. أن يصفق. أن يضغط «أعجبني». ثم ينتقل إلى فيديو آخر. أما الشخص، فعليه أن يبقى مع نتائج ما فعل. وهذه ربما هي أكثر جملة تستحق أن تُكتب على شاشة كل هاتف: الجمهور يستطيع أن يغادر الفيديو. الشخص المعني لا يستطيع أن يغادر عواقب حياتك.
لقد أراد الرجل أن يصبح أسطورة صغيرة على الإنترنت. لكن الأساطير الرقمية تموت بسرعة مذهلة. فيديو اليوم يصبح قديما غدًا. الترند يتحول إلى غبار. القلوب تختفي تحت منشورات جديدة. وعدد المشاهدات لا يدفع ثمن الخطأ. ولا يمحو المخالفة. ولا يعيد ثانية واحدة من الطريق. وربما لهذا كله تبدو القصة، في ظاهرها، طريفة. رجل يصور مخالفاته، ثم تمسك به الشرطة بفضل ما صوّره بنفسه. إنها نكتة جاهزة: ذهب ليصوّر الشرطة وهي تبحث عنه، فانتهى به الأمر يساعدها من دون أن يدري. لكن الضحك يتوقف عند سؤال واحد: ماذا لو لم تكن الشرطة قد شاهدت الفيديو؟ ماذا لو صادف في المرة التالية شخصًا لا يملك زر الإعجاب، بل سيارة؟ ماذا لو كان هناك طفل يعبر الطريق؟ ماذا لو أخطأت الدراجة منعطفا؟ ماذا لو انتهت «اللقطة الرائعة» بجنازة بدل محكمة؟ عندها لا يعود الفيديو طريفا. يصبح قبرا رقميا.
وهذا هو الحد الفاصل الذي ينبغي ألا تنساه ثقافة الاستعراض: هناك فرق بين أن تخاطر بنفسك وأن تجعل الآخرين يدفعون ثمن مخاطرتك. فالحماقة قد تكون شأنا شخصيا إلى أن تدخل أجساد الآخرين في المعادلة. عندها تصبح مسؤولية. لذلك ربما لم يكن أكثر ما قاله الدرك ذكاء هو أن الشبكات الاجتماعية لا تحمي من المخالفات. بل المعنى الأوسع الذي تختبئ خلفه العبارة: لا توجد شاشة بين الإنسان ونتائج أفعاله. يمكنك أن نضع فلترا على وجهنا. يمكننا أن نبطئ الفيديو. يمكننا أن نضيف موسيقى. يمكننا أن نكتب «لا تجربوا هذا في المنزل». لكن لا يمكننا أن تضع فلترا على قانون الفيزياء. ولا موسيقى على صوت الاصطدام. ولا زر «إلغاء» على الموت. ربما كانت الدراجة هي أكثر الشخصيات براءة في القصة. كانت تسير حيث يقودها صاحبها. أما الهاتف، فكان أكثر ذكاء مما ظن صاحبه. لقد احتفظ بكل شيء. بالسرعة. بالحركات. بالتجاوزات. وباللحظة التي كان فيها الرجل يظن أنه يصرخ للعالم: انظروا كم أنا حر! بينما كان العالم، بصمت شديد، يستعد لأن يجيبه: لقد رأينا.
