حين لبس الوزير التنورة التي لم تستطع كلماته أن يخلعها

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

ثمة جمل تموت لحظة خروجها من الفم. وثمة جمل أخرى ترتكب خطأ أكثر فداحة: تولد من جديد على هيئة صور. هذا ما حدث في إيطاليا. قال وزير الخارجية أنطونيو تاجاني، في حديث أثار عاصفة من الجدل، إنه لو كان ينصح ابنه باختيار زوجة، فالأفضل – في منطقه الذي أثار الانتقادات – أن يختار امرأة أقل استعراضًا، ذات تنورة أطول، وأكثر «جدية» ووفاء. ثم اعتذر لاحقًا، مؤكدًا أنه لم يقصد الإساءة إلى النساء. كان يمكن للقصة أن تنتهي هنا. جملة سيئة. جدل. اعتذار. ثم يأتي يوم جديد بخبر جديد، كما يحدث دائما في عالم يستهلك الفضائح أسرع مما يستهلك القهوة. لكن الأنترنت قرر أن يمنح الجملة حياة أخرى. فإذا بتاجاني، الرجل الذي يتولى دبلوماسية بلد من أعرق بلدان الموضة، يظهر في صور مولدة بالذكاء الاصطناعي مرتديا تنورات وفساتين مختلفة. الصور ليست حقيقية، لكنها حقيقية بما يكفي لكي تؤدي وظيفتها الساخرة: أن تعيد الفكرة إلى صاحبها في مرآة مشوهة.

وهكذا حدث شيء بالغ الغرابة. قال رجل إن طول التنورة يمكن أن يقول شيئا عن شخصية المرأة. فرد عليه الأنترنت بأن يجعل التنورة تقول شيئًا عن الرجل. يا لها من عدالة شعرية صنعتها آلة لا تعرف حتى ما معنى العدالة. الذكاء الاصطناعي لم يدخل هذه المعركة ليحكم. دخل ليضحك. وهذه ربما إحدى أغرب وظائفه الجديدة: أن يكون مرآة ساخرة للخطاب البشري. نحن الذين صنعنا الآلة، ثم أعطيناها ملايين الصور، ثم طلبنا منها أن تتخيل المستحيل؛ فإذا بها تعود إلينا بصورة وزير في ميني جوب وتقول لنا، من دون كلمة واحدة: انظروا إلى فكرتكم عندما تُلبس على جسدكم. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. ل القضية، في جوهرها، ليست التنورة. التنورة بريئة. قطعة قماش لا تملك فلسفة أخلاقية، ولا تصوت في الانتخابات، ولا تخون أحدا، ولا تنجب، ولا تكذب، ولا تفي بالوعود. إنها قطعة قماش.

لكن الإنسان لديه ميل عجيب إلى تحميل الأشياء الصامتة أخلاقه الخاصة. نضع الفضيلة في طول التنورة. نضع الشرف في طول الشعر. نضع العفة في لون الثوب. نضع شخصية الإنسان في مظهره. ثم نتفاجأ عندما ينهار هذا القصر الورقي أمام أول سؤال بسيط: هل يمكن لقماش أن يكون أمينا؟ هل يمكن لسنتيمترات إضافية من القماش أن تمنح الإنسان ضميرا؟ وهل تصبح المرأة أكثر وفاء كلما ابتعدت حافّة التنورة عن الركبة؟ لو كان الأمر كذلك، لكان الخياطون أعظم فلاسفة الأخلاق في التاريخ. ولكان حل الخيانة الزوجية بسيطًا للغاية: زد طول التنورة عشرة سنتيمترات. ولو استمرت الخيانة، نزيد عشرة أخرى. ربما نصل إلى اليوم الذي لا تعود فيه المرأة قادرة على المشي، لكن الزوج مطمئن تماما إلى وفائها. إنها نكتة، نعم. لكنها نكتة تكشف شيئا جديا جدا عن العقل البشري. فنحن نحب القياس السهل. نحب أن نعطي الأخلاق شكلًا يمكن رؤيته بالعين. لأن الأخلاق الحقيقية مرهقة. لا تستطيع أن ترى الوفاء في القماش. ولا الصدق في الحذاء. ولا الذكاء في تسريحة الشعر. ولا الأمومة في طول الفستان. هذه الأشياء تعيش في الداخل، في مناطق أكثر تعقيدا من الصورة.

ولهذا يريحنا أن نختصر الإنسان في مظهره. إنه اختصار مريح. وخطير. فالمرأة التي ترتدي تنورة قصيرة لا تقدم لنا شهادة عن شخصيتها. والمرأة التي ترتدي تنورة طويلة لا تقدم لنا ضمانا أخلاقيا. كما أن الرجل الذي يرتدي بدلة وربطة عنق ليس بالضرورة أكثر نزاهة من الرجل الذي يرتدي قميصا مجعدا. كم من الجرائم ارتكبت تحت بدلات أنيقة؟ وكم من الفضائل مشت بأحذية متواضعة؟ الملابس لا تقول من نحن. أحيانا تقول فقط ما قررنا أن نرتديه ذلك الصباح. لكن السياسة تحب الرموز. لأن الرمز أسرع من الحقيقة.

والسياسي الذي يتحدث عن طول التنورة لا يحتاج إلى دراسة شخصية ملايين النساء. يكفيه أن يحول التعقيد إلى صورة. طويلة أكثر جدية. قصيرة وأكثر استعراضا. ثم يضع بينهما سلّما أخلاقيا صغيرا. وهنا تصبح المشكلة أكبر من جملة. لأن السؤال ليس: هل كانت العبارة موفقة أم غير موفقة؟ السؤال الأعمق هو: لماذا ما زال عقل القرن الحادي والعشرين يبحث عن أخلاق الإنسان في جسده؟ لقد صعد الإنسان إلى الفضاء، صنع الجينوم الاصطناعي، درّب الآلات على تقليد وجهه وصوته، وأصبح قادرا على إنشاء صورة لرجل لم يرتدِ تنورة قط، وهو يرتدي عشرات التنورات في دقيقة واحدة. ثم، وسط كل هذا التقدم، ما زلنا نتجادل حول طول تنورة امرأة كي نقرر إن كانت جديرة بالثقة. يا لها من مفارقة حضارية. الآلة أصبحت قادرة على اختراع الجسد. والإنسان ما زال يريد أن يحاكم الجسد الحقيقي.

لكن ربما كانت أجمل صورة في هذه القصة هي صورة النساء اللواتي دخلن البرلمان الإيطالي مرتديات تنورات قصيرة احتجاجًا على تصريحات تاجاني. إحدى هذه الردود جاءت من النائبة السابقة وعمدة تورينو السابقة كيارا أبندينو، التي نشرت صورة لها بملابس قصيرة وسألت، في جوهر احتجاجها، إن كان مظهرها يمنعها من أن تكون امرأة موثوقة وأمّا جيدة. كما ظهرت 11 سيناتورة في مجلس الشيوخ بالـ«ميني جوب» احتجاجا على تصريحات الوزير. وهنا انقلب المسرح. الوزير تحدث عن النساء. فأصبحت التنورة هي التي تتحدث. لم تعد قطعة قماش. أصبحت لافتة. أصبحت احتجاجا. أصبحت جملة مكتوبة على جسد السياسة نفسها. ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف الفصل الأكثر عبثية: إذا كان المظهر قادرا على إصدار حكم أخلاقي، فلماذا لا نعيد توزيع المظهر؟ وهكذا أصبح الوزير، في العالم الاصطناعي، امرأة ترتدي التنورة. ليس لأن الآلة تريد أن تقول إنه امرأة. بل لأن السخرية أرادت أن تضع الفكرة في الاتجاه المعاكس. إنها تقنية قديمة جدا، لكن بثوب جديد: ضع الفكرة على صاحبها. حين يقول شخص إن لباس المرأة يكشف أخلاقها، اجعلوه يرتدي اللباس نفسه. ثم دع الصورة تسأل بدلا منه. وهذا ربما هو الوجه الأكثر ذكاء للسخرية السياسية: لا تجادل الفكرة دائما. أحيانا أعطها مرآة. فالمرآة لا تشتم. لا تخطب. لا تحتاج إلى عشرة آلاف كلمة. تكتفي بأن تقول: هذا أنت.

وهنا ينبغي ألا نخلط بين السخرية والواقع. الصور التي انتشرت لتاجاني بملابس نسائية مولدة بالذكاء الاصطناعي ليست صورا حقيقية، وهذا تحديدا ما يجعلها علامة على زمن جديد: لم تعد الصورة دليلا بالضرورة، بل أصبحت أيضا أداة جدل وسخرية وإعادة تركيب للواقع. لقد دخلنا عصرا غريبا يمكن فيه لجملة واحدة أن تولّد مئات الصور، ولمشهد سياسي أن يتحول إلى مهرجان تنورات رقمية، ولخطأ لغوي أن يصبح بعد دقائق شخصية افتراضية تعيش حياة أطول من التصريح الأصلي. في الماضي كان السياسي يخشى الصحيفة. ثم صار يخشى التلفزيون. ثم صار يخشى الكاميرا. أما الآن، فعليه أن يخشى خيال الجمهور أيضا. لأن الجمهور لم يعد يكتفي بأن يسمع ما تقول. إنه يعيد تركيب ما قلت. ويضعك داخل الصورة التي لم تكن تريد أن تظهر فيها. وهنا تكمن قوة الإنترنت وضعفه في آن واحد. إنه يستطيع فضح التناقض. لكنه يستطيع أيضًا اختزال القضايا الكبرى في ميم. قد يجعل خطابا عن السلطة يبدو مضحكا في عشر ثوان, لكنّه لا يضمن أن يفهم الناس لماذا كان الخطاب إشكاليا أصلا.

السخرية تفتح الباب. لكن التفكير هو الذي ينبغي أن يدخل. وهذا هو الجزء الذي لا تستطيع الآلة فعله نيابة عنا. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجعل تاجاني يرتدي ألف تنورة. لكن لا يستطيع أن يجيب عن السؤال الحقيقي: لماذا نحتاج أصلًا إلى تنورة كي نحكم على إنسان؟ ذلك السؤال لا يملكه الذكاء الاصطناعي. نملكه نحن. وربما هذه هي المفارقة الأجمل في القصة كلها: وزير تحدث عن طول تنورة المرأة. النساء ارتدين التنورة للاحتجاج. الأنترنت صنع للوزير تنورة لم يرتدها. والآلة التي لا جنس لها أصبحت، بطريقة ساخرة، أداةً في نقاش عن الجندر. أما التنورة نفسها، المسكينة، فبقيت في مكانها. لا تزال قطعة قماش.لا تعرف شيئا عن الوفاء. ولا عن الخيانة. ولا عن الأمومة. ولا عن السياسة. ولا عن البرلمان. ولا عن الذكاء الاصطناعي. الإنسان وحده هو الذي حمّلها كل هذه الأسرار. وربما حان الوقت لأن نترك للملابس وظيفتها الوحيدة: أن تكسو الجسد. أما أخلاق الإنسان، فلن تظهر على حافة تنورته. ستظهر في الطريقة التي يعامل بها من لا يستطيع أن يرد عليه. في احترامه لمن يختلف عنه. في قدرته على الاعتذار.في أفعاله حين لا تكون هناك كاميرا. وفي تلك المسافة السرية بين ما يقوله عن النساء وما يعتقد أن من حقه أن يفعله بهن. أما طول التنورة؟ فليتركوه للخياط. فقد اكتشف الإنترنت أخيرا أن أقصر طريق إلى السخرية السياسية قد يكون… تنورة طويلة جدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *