حين دخلت السياسة النسويّة إلى الصف الأول للصلاة

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

هناك سؤال صغير، يبدو للوهلة الأولى كحبة رمل، لكنه ما إن يوضع على طاولة النقاش حتى يبدأ في إصدار صوت يشبه صرير باب قديم في بيت التاريخ: أين ستقف فاطمة الزهراء المنصوري حين تقام الصلاة في حضرة جلالة الملك محمد السادس- نصره الله-؟ سؤال هبط فجأة من شجرة السياسة، ثم تنكّر في هيئة سؤال فقهي. وهنا تبدأ الحكاية الغريبة. امرأة أصبحت، للمرة الأولى في تاريخ المغرب الحديث، رئيسة للحكومة، بعد أن عيّنها الملك محمد السادس في 29 سبتمبر 2026 وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة. فبدل أن يسأل البعض: ماذا ستفعل بالحكومة؟ ما الذي ستقترحه؟ كيف ستدير الاقتصاد؟ ماذا ستفعل في التشغيل والتعليم والصحة؟ ماذا ستفعل وهي تحمل على كتفيها مؤسسة كاملة اسمها «الدولة»؟ ذهب السؤال، في مكان آخر من المنصات، إلى مكان أكثر غرابة: كيف ستصلي؟

كأن المغرب لم يعثر على امرأة لرئاسة الحكومة، بل عثر على مشكلة في ترتيب الصفوف. وهذه ليست طرفة عابرة. إنها تكشف شيئا عميقا في العقل حين يعجز عن استيعاب التحول: يبحث عن أصغر تفصيل في المشهد كي يحاكم به المشهد كلّه. امرأة على رأس الحكومة؟ حسنا. لكن أين ستضع قدميها في الصلاة؟ هنا، فجأة، يتحول السجاد إلى دستور، والصف إلى برلمان، والركوع إلى أزمة دستورية، والسجود إلى سؤال في هندسة السلطة. والأطرف أن كتب الفقه لا تعرف هذه الأزمة بالطريقة التي يتخيلها أصحاب المنصات. بل إن أول مفاجأة قد تكون أن المرأة كانت موجودة أصلا في المسجد النبوي، وتصلي مع الرجال، وكان الرجال يصلون خلف النبي، وكانت النساء يصلين خلف الرجال. هذه ليست قراءة حداثية، ولا تأويلا معاصرا، ولا محاولة لإنقاذ الحاضر من الماضي. هذا هو النص.

في صحيح البخاري، تحت باب صريح عنوانه «صلاة النساء خلف الرجال»، تروي أم سلمة أن النساء كن ينصرفن بعد تسليم النبي، بينما كان يمكث قليلا قبل أن يقوم، حتى لا يدركهن الرجال. وفي صحيح مسلم، يقول أبو هريرة إن النبي قال إن خير صفوف الرجال أولها، وإن خير صفوف النساء آخرا. وفي حديث آخر في صحيح مسلم، يروي سهل بن سعد أن النساء كن يصلين خلف الرجال، حتى كان يقال للنساء ألا يرفعن رؤوسهن من السجود قبل أن يرفع الرجال رؤوسهم، في سياق كان فيه ضيق الثياب حاضرا في مشهد الصلاة. أي أن السؤال لم يكن: هل يجوز للمرأة أن تدخل فضاء الصلاة حيث يوجد الرجال؟ كان الأمر محسوما بالوقائع النبوية نفسها. كانت المرأة هناك. وكان الرجل هناك. وكان النبي هناك. وكان الصف هناك. وكان السجود هناك. ولم يكن المسجد مختبرا لنظرية فصل الجنسين عن المجال الديني. كان مجتمعا كاملا يتحرك في فضاء واحد، وإن كان ترتيب الصفوف مختلفا.

وهنا تبدأ المفارقة. فمن يثير اليوم سؤال «كيف ستصلي فاطمة المنصوري؟» يحتاج أولا إلى أن يفتح كتاب الحديث، لا تطبيق X. لأن الجواب القديم موجود منذ قرون. ستصلي، إذا صلت جماعة خلف إمام رجل، خلف الرجال. ببساطة. لا أزمة. لا زلزال. لا يحتاج المغرب إلى تعديل الدستور. ولا تحتاج وزارة الداخلية إلى لجنة لتدبير الصفوف. ولا يحتاج الملك محمد السادس إلى إصدار مرسوم يحدد المسافة بين رئيسة الحكومة والمصلّين. لقد حسم الفقهاء هذه الصورة منذ زمن طويل. بل إن ابن عبد البر نقل أن السنة المستقرة أن تقوم المرأة خلف الرجال، ونقل ابن رجب أن صفوف النساء كانت خلف الرجال في عهد النبي والخلفاء الراشدين، مع الإشارة إلى خلافات جزئية ونادرة في بعض التفاصيل. والأجمل من ذلك أن الفقه، الذي يتهمه البعض أحيانًا بأنه عالم من الحديد، كان أكثر دقة من كثير من النقاشات الرقمية. فقد فرّق بين مسائل مختلفة: أن تصلي المرأة مع الرجال. أن تقف المرأة خلف الرجال. أن تصلي بجانب رجل. أن تؤم النساء. أن تؤم الرجال. أن تكون إماما رسميا للجماعة. وأن تكون مجرد مصلية في جماعة. وهذه الفروق ليست لغويّة. إنها جوهر الفقه.

فالذي يقول: «هل يجوز للمرأة أن تصلي مع الرجال؟» ثم يستدل بعدم جواز إمامتها للرجال، يشبه من يسأل: هل يستطيع أحد أن يدخل ملعب كرة القدم، ثم يجيب: لا، لأنه ليس من حقه أن يكون حكمًا للمباراة. الدخول شيء. والإمامة شيء آخر. والفقه، في هذه النقطة، أكثر ذكاء من السؤال. أما إمامة المرأة للرجال فهي مسألة أخرى، وهنا يظهر الخلاف الفقهي الذي ينبغي ألا يُمحى بفرشاة واحدة. الجمهور من الفقهاء لم يجيزوا للمرأة أن تؤم الرجال في الصلاة، بينما نُقلت أقوال أخرى في بعض صور إمامتها للنساء، وهناك رواية أم ورقة التي ورد فيها أن النبي أمرها أن تؤم أهل دارها، وقد رواها أبو داود وحسّنها الألباني. وقد ناقش العلماء دلالة هذه الرواية: من المقصود بـ«أهل دارها»؟ وهل كان فيهم رجال؟ وهل الرواية تصلح دليلا عاما على إمامة المرأة للرجال أم لا؟ وهذه الأسئلة نفسها هي التي تجعل الفقه فقها. فليس كل حديث يؤدي إلى حكم واحد بطريقة آلية، وليس كل رواية يمكن اقتلاعها من سياقها وتحويلها إلى لافتة في مظاهرة إلكترونية. ابن رشد، في عرضه للخلاف الفقهي، يذكر أن الجمهور منعوا إمامة المرأة للرجال، مع وجود أقوال أخرى في إمامتها للنساء، ونقل اختلاف العلماء في تفاصيل المسألة. والنووي، في «المجموع»، يعرض موقف الشافعية بوضوح في منع الرجل من الصلاة خلف المرأة، مع مناقشة فروع أخرى تتعلق بإمامة النساء وموقف المرأة من الرجل في الصف.

إذن، إذا أراد أحد أن يناقش «كيف ستصلي فاطمة المنصوري؟»، فليبدأ من هنا. لا من الميمز. لا من التعليقات. لا من رجل غاضب أمام كاميرا هاتف يقول لك إن الإسلام «لا يعرف» كذا. ولا من امرأة أخرى ترد عليه بأن الإسلام «يجب أن يعرف» كذا. فالدين ليس صندوقا في منصة اجتماعية. والفقه ليس تعليقا مثبتا. والحديث ليس ذخيرة تُطلق على الخصم. هناك شيء آخر أكثر إثارة. إن الحديث عن صلاة رئيسة الحكومة خلف الملك يكشف أننا نخلط بين وظيفتين لا علاقة بينهما داخل الصلاة. في الدولة، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة. وفي الصلاة، إذا كانت مأمومة خلف إمام رجل، فهي مصلية. المنصب السياسي لا ينتقل إلى السجادة. وهذه نقطة تكاد تكون شديدة البساطة إلى درجة أن الناس لا يرونها.

رئيس الحكومة، وهو في الصلاة، لا يصبح «رئيس حكومة في هيئة الركوع». السلطة الدنيوية لا تتوزع داخل الصلاة بالطريقة نفسها التي تتوزع بها خارجها. الصلاة، في معناها الديني، تعيد الإنسان إلى حجمه الأول. الملك يركع. رئيس الحكومة يركع. الوزير يركع. العامل يركع. الغني يركع. الفقير يركع. ولذلك ربما كان السؤال الأكثر عمقا ليس: أين ستقف فاطمة المنصوري؟ بل: لماذا نريد أن نحمل ترتيب السلطة السياسية إلى داخل ترتيب الصلاة؟ كأننا لا نستطيع أن نتخيل فضاء لا تتطابق فيه هندسة السلطة مع هندسة الأجساد.وهنا تبدأ الفلسفة. في السياسة، المكان الأمامي امتياز. في الصلاة، الصف الأمامي للرجال أفضل في الحديث، والصفوف المتأخرة أفضل للنساء في الحديث نفسه. إنها مفارقة مذهلة. الرجل الذي يريد في الدنيا أن يكون في الصف الأول قد يجد في الصلاة أن الصف الأول ليس معيارا مطلقا للكرامة الإنسانية. والمرأة التي تتأخر في الصف قد تكون في الحياة رئيسة حكومة. فهل الصف يحدد المنصب؟

طبعا لا. هل المنصب يحدد الصف؟ ليس في الصلاة. وهنا بالضبط تنكسر اللعبة التي يريد بعضهم لعبها. فالصف الديني ليس سلما إداريا للدولة. والسجادة ليست مخططا تنظيميا لمجلس الوزراء. والركوع ليس تصويتا على من يملك السلطة. ثم إن تاريخ الإسلام نفسه أكثر اتساعا مما توحي به هذه المعارك الصغيرة. فالنساء لم يكنّ ممنوعات من الخروج إلى المصلى. ففي صحيح البخاري حديث أم عطية الذي يذكر الأمر بخروج النساء إلى صلاة العيد، بما في ذلك الشواب وذوات الخدور، مع اعتزال الحيض للمصلى. أي أن المرأة لم تكن شبحا يمر على أطراف المجال الديني. كانت جزءا من المشهد. وفي الوقت نفسه، كان للفقه نظام واضح في ترتيب الجماعة. وهذا هو الدرس الذي يضيع وسط ضجيج المنصات: الإسلام لم يحتج إلى طرد المرأة من المسجد كي ينظم صفوف الصلاة. وهو فرق هائل. لأن التنظيم ليس إلغاء للوجود. والاختلاف في المواقع ليس بالضرورة حكما على قيمة الإنسان.

والفقه لا يصبح أكثر تدينا حين نحوله إلى حرب أهلية بين الرجال والنساء. ثم هناك تفصيل يكاد يكون ساخرا من شدة وضوحه. لو صلّت فاطمة المنصوري خلف جلالة الملك محمد السادس، فلن تكون هناك سابقة فقهية عظيمة تحتاج إلى اجتهاد جديد. هذا هو الوضع الذي تصفه الأحاديث أصلا. المرأة خلف الإمام الرجل. انتهى الأمر. أما إذا أراد أحد أن يسأل سؤالا آخر: «هل يجوز أن تؤم الرجال؟»، فهذه مسألة أخرى، والجمهور فيها على المنع، مع وجود خلاف في بعض الصور والأدلة التي ناقشها العلماء. لكن تحويل السؤال الأول إلى الثاني عمدا، ثم بناء معركة كاملة عليه، هو نوع من الخلط لا يصنعه الفقه وإنما تصنعه المنصات. فالمنصة الرقمية تحب الأسئلة التي لا تحتاج إلى جواب. تحب أن تقول: «كيف ستصلي؟» ولا تريد أن تسمع: «اقرأ البخاري.» لأن قراءة البخاري تفسد الإثارة. وفتح كتب الفقه يفسد الغضب. والغضب، كما نعرف، أكثر قابلية للانتشار من المعرفة.

وهكذا يتحول السجود إلى مادة انتخابية، والصف إلى إيديولوجيا، والحديث إلى حجر يُقذف به في وجه الخصم. وما إن يصل الحجر إلى الشاشة حتى يصبح ألف حجر. ثم لا يعود أحد يتذكر السؤال الأول. وهذا هو الخطر الحقيقي. ليس أن تصلي فاطمة المنصوري خلف جلالة الملك. بل أن يصبح مكان المرأة في الصف أكثر أهمية عندنا من مكان المرأة في الحياة. أن ننشغل بالسنتمترات التي تفصل قدما عن قدم فوق السجاد، وننسى المسافات التي تفصل امرأة عن التعليم، وعن العمل، وعن العدالة، وعن القرار، وعن الكرامة. أن نعدّ عدد الأمتار بين صفين، ولا نعدّ المسافة بين النص وتفسيره. هنا يصبح السؤال الديني مرآة لسؤال اجتماعي أعمق: هل نريد امرأة في السياسة، أم نريد امرأة في السياسة بشرط أن تبقى الصورة القديمة للمرأة في رؤوسنا سليمة؟ هل نحتمل أن تصبح المرأة صاحبة قرار، ثم نعيدها إلى سؤال الصف كي نستعيد توازنا نفسيا فقدناه؟

إنها مفارقة تستحق التأمل. امرأة تدخل قصر الحكومة، فيسألها بعضنا عن السجادة. كأن السجادة هي آخر حصون العالم القديم. لكن ربما يكون العكس هو الصحيح. ربّما الصلاة، حين نفهمها في عمقها، هي أكثر الأماكن التي ينبغي أن نكف فيها عن عبادة الصور الاجتماعية. لأن الإنسان عندما يضع جبهته على الأرض، فإن الأرض لا تسأل عن سيرته الذاتية. لا تسأل رئيسة الحكومة عن حقيبتها. ولا الوزير عن كرسيه. ولا المواطن عن عدد متابعيه. السجود لحظة تصبح فيها السلطة، بكل ضجيجها، صامتة. ولعل هذا هو أكثر ما يزعجنا في الصلاة: أنها تضع الجميع أمام سؤال لا تستطيع السياسة الإجابة عنه. من أنت عندما لا يكون معك منصب؟ ومن أنت عندما لا يكون معك لقب؟ ومن أنت عندما لا يبقى منك سوى جسد يركع؟

لذلك، حين تثار المسألة مستقبلا على المنصات: «كيف ستصلي رئيسة الحكومة خلف جلالة الملك؟»، يمكن أن يكون الجواب أقل إثارة وأكثر دقة: كما صلت النساء خلف الرجال في مسجد النبي. أما إن كان السؤال: «هل ستؤم الرجال؟»، فهنا نفتح كتب الفقه، ونقرأ الخلاف، ونميز بين الجمهور والروايات الأخرى، ونترك للعلم أن يتحدث بلغة العلم، لا بلغة المعركة. ثم نعود إلى السؤال الأهم. لماذا كل هذا القلق من صف الصلاة؟ ربما لأن بعض العقول لا تزال تظن أن العالم كلّه صف واحد، وأن من يقف أمامك يجب أن يكون أعلى منك، ومن يقف خلفك يجب أن يكون أدنى منك. لكن الصلاة، في أعمق أسرارها، تفعل شيئا آخر. إنها تجعل الإنسان يقف في مكانه… ثم تأمره أن ينحني. وربما كانت هذه هي الحكمة التي لم تفهمها المنصات بعد. فاطمة المنصوري قد تكون خلف جلالة الملك في الصف. والملك قد يكون أمامها في الصلاة، لكن الصف الديني لا يحدد موقعها الدستوري. هناك عالمان يلتقيان للحظات فوق سجادة واحدة، ثم يعود كل منهما إلى نظامه: عالم الدولة… وعالم العبادة. أما من يريد أن يخلط العالمين كي يصنع معركة، فربما لا يبحث عن حكم فقهي أصلا. إنه يبحث عن خصومة. والخصومة، منذ اخترع الإنسان أول حجر، كانت أسهل من التفكير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *