عن حدث سبتة.. الرواية التي لم تُروَ

بقلم عبد الفتاح نعوم

أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاضي عياض بمراكش-المغرب

انتهى حدث سبتة إلى مأزق لسانشيز حيال يمين إسبانيا ويمين أوروبا؛ حيث يزايد الأول على «السيادة» على النحو الذي اضطره إلى الرد بالسقف نفسه، بينما يتمسك الثاني بمعضلات الأمن، وبالتالي بدعوات تعليق وضع شنغن مع إسبانيا، رغم أنها هي نفسها تقيد وضعية المدينتين بصدده منذ تسعينيات القرن الماضي، عند انضمامها إلى اتفاقية شنغن. ومن ناحية ثانية، انبرى كل من ترامب وإسرائيل إلى استغلال الظرف لتصفية الحسابات مع سانشيز، وذلك عبر «الترافع» عن مغربية المدينتين المحتلتين، فيما بقيت الداخلية الإسبانية هي القناة الوحيدة التي تعبر عن جوهر القضية في سياق العلاقات المغربية الإسبانية، ارتباطًا بالهجرة ومشكلاتها، وتخليصا لها من أي تأويل يخرج عن روح خارطة الطريق ويفسد ما تم إصلاحه في تلك العلاقات قبل سنوات قليلة. أما الشباب الطامح، الحالم، الهارب من معضلات الفقر والهشاشة والبطالة، فإنه يُستغل مرتين: مرة حين تتاجر في هشاشته شبكات الإجرام نفسها، ومرة ثانية حين تهرع الأصوات نفسها إلى الركوب على مأساتهم لرسم صورة عن المغرب؛ المغرب نفسه الذي تتفق مؤسساته الدستورية على أن واقعه الاجتماعي قاتم وسلبي وهش، وفيه الكثير من المعضلات، ولا يسير بالسرعة نفسها التي تسير بها مؤشرات الاستثمار الاقتصادي الوطني والأجنبي، والبنيات التحتية العملاقة، والنجاحات الدبلوماسية والأمنية.

1- المحركات الخفية للحدث

بيد أن كل هذا اللغط الذي انصرف إليه النقاش، والذي يركز أصحابه كثيرا على المستفيدين من الحادث، يكاد يخفي تحت قشوره تلك المحركات الدقيقة للموضوع برمته، والمشعلات الأساسية لاستعصاءاته الكثيرة. فالبذرة الأساسية للمشكلة خرجت من مكاتب سانشيز وحكومته، وليس من مكان آخر، وبالضبط من المرسوم الممهور بالتوقيع الملكي، والذي يحمل رقم 316/2026، والمؤرخ في 14 أبريل، والذي صدر لتعديل المرسوم الملكي 1155/2024، المؤرخ في 19 نوفمبر 2025، الذي يوافق على لائحة القانون الأساسي 4/2000، المؤرخ في 11 يناير، بشأن حقوق وحريات الأجانب في إسبانيا واندماجهم الاجتماعي (1). ففي هذا المرسوم جرى إقرار مقتضى قانوني يمنح الأشخاص الذين كانوا موجودين في إسبانيا قبل 1 يناير 2026، سواء أطلبوا الحماية الدولية أم كانوا في وضع غير نظامي، «تصريح إقامة مؤقتًا» في أفق معالجة ملفاتهم، وأعطاهم مهلة تصل إلى غاية 30 يونيو الماضي لتقديم طلباتهم. وهرعت حكومة سانشيز بعد ذلك إلى تقدير عدد الأشخاص الذين يشملهم هذا المرسوم بنحو 500 ألف شخص (2)، ثم اعترفت لاحقًا بأنها فوجئت بتلقي 1.174.978 طلبا، عالجت منها 609.737 ملفًا (3)، وجاء ذلك بالتزامن مع صدور الحكم القضائي الذي يرفع قيود الإعادة الفورية عن المهاجرين غير النظاميين الذين يدخلون إلى إسبانيا بحرا.

بعد ذلك، بدأت حملة إعلامية إسبانية عن قصص نجاح المهاجرين، ومعها بدأت حركة كثيفة في وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري، شملت مغاربة وجزائريين، لتنظيم «الهجرة السرية» والدعوة إليها، وكأن الأمر كان يتعلق بسياسة استقطاب إسبانية واضحة المعالم للراغبين في تشكيل مشهد اقتحام المدينتين بحرا أو برا. لتختزل الحكومة الإسبانية لاحقا كل شيء في الربط بين حكم المحكمة العليا والاستغلال المضلل له من طرف شبكات الاتجار بالبشر. وهو قفز يعفي السياسيين من حرج الرد، باعتبار أن القضاء الإسباني صامت ولا يرد على السياسيين مهما علقوا فشلهم على أحكامه وقراراته. وهو قفز لا يختلف عن قفزات من ربطوا كل شيء بـ«مؤامرة أمريكية إسرائيلية»، وبعض الإسبان «المتجزئرين» الذين صنعوا روايات تتصل تارة باختراق استخبارات مغربية للمدينة المحتلة عبر عملاء مندسين وسط حشود المقتحمين، وما إلى ذلك من سرديات تريد تهريب النقاش عن جوهره، المتمثل في قرارات إسبانية متلاحقة، ووجود حطب بشري قابل للاشتعال في شمال إفريقيا برمته متى ما توفرت له الظروف.

2- سيكولوجيا الحشود وسلطة الفضاء الرقمي

ولعل هذا البعد الأخير يفتح الباب على مصراعيه أمام إمكانيات التأويل السوسيولوجي الصرف للطريقة التي تعمل بها الإشاعة وسط الحشود، وكيف يستسلم الناس بسهولة للإصابة بـ«عدوى القطيع»، سواء أكان ثمة دافع اجتماعي حقيقي للهجرة الخطرة أم لم يكن. وكيف يتقاطر الناس بسرعة حينما تتفتح أمامهم أي فرصة للقفز على حواجز السلطة والمنع والرقابة والضبط، لتصبح الغريزة هي المتحدث الرئيسي الذي يتسيد مسارح السياسة، وتمحو كل قيود الحدود والقانون الدولي وما إلى ذلك. وهذا ميكانيزم بشري نفسي اجتماعي تدركه كل الدول، وتتحلى بالمرونة أمامه كلما توفرت له بيئة التنشيط الكامل، حتى يصل إلى حدوده القصوى، لتبدأ حينئذ من حيث انتهى، ولتشرع آليات إعادة الضبط والتموضع و«عكس الوقائع». إن ما حدث كان اختبارًا مهمًا ومفصليا للأمن المغربي والإسباني، في سياق التعاطي الأمني الأقل كلفة من الناحية الحقوقية مع هياج غير مسبوق، بل وحتى تقليل خسائره إلى أقصى حد ممكن، مع التسليم بأن خسارة إنسان واحد لحياته، أو لحاق ضرر بجسده أو نفسيته، ليس شيئا هينا.

لكن لنا أن نتصور لو اتخذ المغرب قرارا أمنيا بصد الحشود في منطقة لا تبعد سوى أمتار ربما عن مربع أمني مهم كانت تجري داخله احتفالات وطنية تشارك فيها الدولة المغربية برمتها. ولنا أن نتخيل لو فعلت إسبانيا شيئا مماثلا داخل الأسوار. فمجرد التخمين في هذا السيناريو سيجعل كل النتائج المؤلمة والمؤسفة التي تم رصدها إلى حدود اللحظة مجرد أعراض جانبية للاندفاعة التي حركتها العوامل الصلبة الحاسمة آنفة الذكر. ومن المهم الإشارة في هذا الصدد إلى أن الفضاء الرقمي العالمي اليوم ليس فضاءً سلطويا بقدر ما يوجد خارج سلطة الدولة، وسلطويته إنما تنبع من رؤوس الأموال التي تستثمر فيه، انطلاقًا من مفهوم «اقتصاد جذب الانتباه» الذي صاغه عالم الاقتصاد الأمريكي هربرت سايمون منذ العام 1971.وبالتالي، فكلما اقتربت الدول من مؤشرات الدمقرطة، خفّت سلطة الدولة على ما يعتمل داخل هذه الفضاءات. ولذلك طُرح بإلحاح خلال السنوات الماضية سؤال القدرة على الضبط الاجتماعي المعتمد على البيانات والمعلومات، بما فيها المتصلة بالرأي، في الدول التي تجمع بين مركزة السلطة الرقمية والسلطة السياسية، على غرار تجربة الصين خلال فترة كورونا، إلى حد جعل البعض يعتبر أنها أسست فعلا «آلهة رقمية».

ومن ثم، فإن تجاهل تأثير مفارقة كهذه سيجعل العقل يستقيل سريعا، ويهرع نحو تفاسير «المؤامرة الأجنبية»، ولا يتعب لكشف الخيوط الثلاثة القابعة خلف الحدث؛ أي مسؤولية حكومة سانشيز، والدوافع الاجتماعية والنفسية للمقتحمين، ثم تأثير الفضاء الرقمي. وهكذا تجمعت كل الأحداث لتصب في مصب واحد ضخمته قنوات مثل FARO TV ببثها شريطا يوم 28 يوليوز لفتاتين، منهن فرح، نجحتا في دخول سبتة سباحة، وتجاوزت مشاهداته المليوني مشاهدة في فترة وجيزة بعد بثه، ولتنشر محتويات شبيهة في نشرات الأخبار الوطنية. إضافة إلى قيام قنوات مثل ANTENA 3 وMEDIASET ببث محتويات شبيهة خلال أيام 28 و29 و30، وهي جميعها قنوات لطالما وُجهت إليها تهمة هيمنة النزعة اليمينية عليها، أو أنها قريبة من اليمين على الأقل. وبالتالي، تكون قد ضخمت كرة الثلج التي بدأها اليسار نفسه منذ أبريل الماضي، وتلاقت مع خيوط أخرى تمثلت في تناسل صفحات ومجموعات التواصل الاجتماعي التي تنسق للاقتحام الكبير، منها صفحات ومجموعات أُنشئت بواسطة أرقام هواتف جزائرية.

وفي وجه كل هذا، يريد منا البعض أن نقفز على كل هذه الكرونولوجيا الدقيقة لتوالي الأحداث، ثم نسلّم بأن كل ما يجري هو «محض مؤامرة كونية يقودها اليمين الموالي لإسرائيل وترامب على سانشيز المسكين بسبب مواقفه في فلسطين». وكأن المؤامرة، حتى وإن قام بها الجن أو الأطباق الطائرة أو سكان عطارد، لا تحتاج إلى أسباب ووقائع وفاعلين وتسلسل منطقي؛ وهي السببية التي يقوم عليها واقعنا برمته، ولا تقفز عليها حتى مشيئة الله التي لا يمكن أن تماثلها مشيئة أخرى. لنكون فعليا، مع هؤلاء، أمام تفكير خرافي جاهز التفاسير، لا يريح العقل فقط، بل يقيله من مهامه. وبالمقابل، حاولت حكومة سانشيز التنصل من المسؤولية وقذفها نحو القضاء الإسباني وشبكات الهجرة السرية والفضاء الرقمي. ولما فعل المغرب الشيء نفسه، تعالت أصوات من داخل الحكومة نفسها لقذفها نحو المغرب، تفاديا لتقاذفها بين يمين ويسار إسبانيا، لا سيما وأن بوابة سبتة فُتحت أكثر من مرة يوم الاقتحام، والحواجز الأمنية كانت شبه غائبة. لتتضح معالم المسؤولية، بحسب هذه القراءة، ملقاة على عاتق إسبانيا يمينا ويسارا، حكومة ومعارضة، والبحث عن مشجب لتعليقها ينبغي أن يكون في مكان آخر، وليس في المغرب؛ الذي اكتفى بتصريحين عن «مصدر حكومي»، يريد القول من خلال إخفائه أن المغرب ليس طرفًا في هذه الأزمة برمتها، وليس حارسا لحدود أحد، ولن تنطلي عليه هذه الألاعيب برمتها.

3-المآلات الاستراتيجية للعلاقات المغربية الإسبانية

في مقام ثالث، يخفي هذا الحدث المآلات الاستراتيجية التي سيفضي إليها في العلاقات الثنائية المغربية الإسبانية، ولا سيما فيما يتعلق بالوضع المستقبلي للمدينتين، اللتين حاجج سانشيز نفسه خصومه من يمين أوروبا بأنهما أساسًا «لا يشملهما نظام شنغن»، وهو ما قلناه سابقًا مرارًا منذ أزمة العام 2021. فأي سيادة هذه التي لا تتيح لمن يدعيها أن يضم المدينتين إلى اتفاق أوروبي وقّع هو عليه؟ اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلق بوضع يد وحيازة مستمرة في الزمان، لا يمكنها أن ترتب حقوقا ما دامت «حيازة غير آمنة»، ويدور عليها نزاع لم يُفصل فيه بأي تفاهم أو اتفاق. ولذلك، فقد تحدثت الداخلية المغربية عن المدينتين بوصفهما «مدينتي سبتة ومليلية»، دون وصفهما لا بالمحتلتين ولا بالمغربيتين ولا بالإسبانيتين، بل وصفت دعوات شبكات الاتجار بالبشر التي روجت لفكرة الاقتحام السهل بأنها لا تعدو كونها «إيهاما بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة». ذلك أن المدينتين لا صلة لهما بذلك الفضاء، و«السيادة الإسبانية» المزعومة هي محل نزاع، وإسبانيا نفسها لا تقر بها فعليا تجاه الفضاء الأوروبي، ولا يقر لها بها لا ذلك الفضاء ولا الناتو ولا أي فضاء آخر تتواجد فيه إسبانيا. إذن، فالمعضلة الحالية وسوابقها ولواحقها لا تعني سوى أن الوضع الذي وجدت إسبانيا نفسها مندفعة إليه منذ القرون الوسطى، بسبب الخوف من المغرب وانصياعًا لحقائق جيوسياسة العالم خلال القرون الماضية، لم يعد اليوم يشكل سوى وضع «عبء» على العاتق الإسباني.

وكلما جرى السعي إلى توظيفه في وجه المغرب، انقلب السحر على الساحر، وبات أي لجوء إلى توظيف التواجد الإسباني في مدينتي المغرب وجزره لاعتبارات سياسية أو انتخابية لا يأتي سوى بنتائج عكسية، كان آخرها أن بدأ خصوم إسبانيا في دول أخرى يوظفون ذلك التواجد المختل في صراعاتهم مع إسبانيا. وضع كهذا، حيال مشكلة حدودية حقيقية تتحمل فيها إسبانيا المسؤولية من بدئها إلى منتهاها، لا يمكن أن يُرى له أفق سوى تدبير ناضج في مرحلة ما من بلوغ التناقضات ذروتها، كما حدث بين بريطانيا والصين في الفترة ما بين العامين 1972 و1997، في مسلسل حل معضلة هونغ كونغ بنقل السيادة إلى الصين مع الاتفاق على مبدأ «الدولة الواحدة والنظامين المختلفين»، مع ما يترتب على ذلك من حقوق مدنية مستقرة ومرعية. ولنا أن نتصور بلدا حل معضلة مستعصية في صحرائه باقتراح حكم ذاتي دعمتها هذه إسبانيا نفسها، وهو يقترح في المستقبل حلًا «عقلانيا وعمليا وبراغماتيا وقابلا للتطبيق» مع هذه إسبانيا أيضًا، بخصوص بواقي الاستعمار في مدينتيه وجزره.

إن التماس الجغرافي «المصطنع» بالاحتلال بين المغرب وإسبانيا، لا يمكن في يوم من الأيام إلا أن يحل بالتفاهمات السياسية والقانونية، والمشاريع الاقتصادية، والتدابير الجماعية الأوروبية المغربية للمشكلات الاجتماعية الكبرى التي يرزح تحتها الجنوب بأكمله. وقد كان للاستعمار الأوروبي وبقاياه الدور الحاسم في ديمومتها واستمرار استعمالها، ليصبح الملايين في هذا الجنوب مجرد مزارع بشرية للعمالة في أوروبا، ومجرد جيش احتياطي للمصانع والمزارع الأوروبية، وفي بلدان كثيرة مجرد معسكر اعتقال كبير، يُمنع على أي فرد فيه أن يحلم باستيفاء الحق في هجرة آمنة ومنظمة، ممنوعة عليه بسبب ظروفه التي منعته من تحصيل معايير الجذب والجودة العالية المطلوبة. ومتى ما حاول كسر تلك الموانع والردع، يصبح مدانًا في تلك أوروبا، وتصبح الدول المجاورة لأوروبا، جوارًا طبيعيًا أو مصطنعا، مدانة لأنها تجاور أوروبا، ومسؤولة أمامها عن حراستها من الإنسان الذي يراه العقل الغربي المريض بالتفوق مجرد «زومبي». وكأن هذه الدول والشعوب ينبغي عليها أن تزحزح القارات عنوة، وتبتعد عن الفردوس الأوروبي، أو تجعل كيلومترات شاسعة من جغرافيتها القريبة منه مجرد مناطق عازلة خالية من البشر!

الهوامش

(1) المرسوم الملكي الإسباني 316/2026، المؤرخ في 14 أبريل، الذي يعدل المرسوم الملكي 1155/2024، المؤرخ في 19 نوفمبر، الذي يوافق على لائحة القانون الأساسي 4/2000، المؤرخ في 11 يناير، بشأن حقوق وحريات الأجانب في إسبانيا واندماجهم الاجتماعي. الجريدة الرسمية الإسبانية، عدد 8284/92، بتاريخ الأربعاء 15 أبريل 2026.

(2) تقدير الحكومة الإسبانية القاضي بـ500 ألف مستفيد محتمل، يُراجع رابط الوثيقة من موقع وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة.

(3) يُراجع المعطى المتعلق بعدد الطلبات والملفات المعالجة في المصدر المشار إليه في النص الأصلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *