بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
ثلاث وتسعون سنة. رقم يكاد يبدو كأنه عمر مدينة، لا عمر امرأة. ثلاثة وتسعون شتاء عبرت فوق جسدها، ثلاثة وتسعون عاما من الصباحات والمرضى والراحلين والأعياد والوجوه التي جاءت ثم اختفت، ثلاثة وتسعون عاما من تراكم الزمن حتى صار الجسد نفسه ذاكرة تمشي ببطء. ثم يأتي رجل في الرابعة والثلاثين. لا نعرف ماذا كان يدور في رأسه، ولا يجوز لنا أن نخترع له دوافع لم تثبتها التحقيقات. نعرف فقط، وفق ما أعلنته النيابة بعد تشريح الجثمان، أن المرأة البالغة من العمر 93 عاما، التي عثر عليها ميتة في منزلها في تولوز، تعرضت لاعتداء جنسي وخنق. والرجل، البالغ 34 عاما وكان في حالة سُكر، أوقف في مكان الجريمة ووضع قيد الحراسة النظرية قبل أن يعرض على قاض تمهيدا لإجراءات قضائية بحقه. هذه هي الوقائع. لكن بعض الوقائع لا تنتهي عند حدودها.
هناك جرائم تقرأ في محاضر الشرطة، ثم تغلق الملفات، وتفتح الأبواب من جديد، ويستمر العالم في الدوران كأن شيئا لم يحدث. وهناك جرائم تجعل المرء ينظر إلى العالم نفسه بريبة. هذه واحدة منها. ليس لأن الضحية امرأة مسنّة فحسب، ولا لأن الفارق بين العمرين يثير الصدمة، بل لأن الجريمة تضرب في مكان أعمق: في الفكرة البدائية التي توهمنا أن الزمن، بعد كل ما يفعله بنا، يمنح الإنسان شيئا من الحصانة الأخلاقية. ثلاث وتسعون سنة ينبغي أن تكون قد نقلت الإنسان إلى الضفة الأخرى من العمر؛ إلى منطقة يفترض أن يكون فيها الجسد قد تحرر من صخب القوة، وأن يصبح الضعف نفسه نوعا من الحرمة. لكن العنف لا يقرأ أعمار ضحاياه. الوحشية لا تنظر إلى الرقم المكتوب على بطاقة الهوية. حين يقرر إنسان أن يحوّل جسد إنسان آخر إلى شيء قابل للانتهاك، يسقط شيء أكبر من الضحية. يسقط الوهم الذي بنينا عليه حضارتنا: أن الإنسان، بمجرد أن يصبح إنسانا، يكون جديرا بأن يُصان. وهنا تكمن الفكرة الأكثر رعبا. الجريمة لا تقول فقط إن امرأة في الثالثة والتسعين قتلت. إنها تقول إن العمر نفسه، بكل ما يمثله من هشاشة وتاريخ وذاكرة، لم يكن كافيا لحمايتها.
ثلاثة وتسعون عاما لم تكن درعا. البيت لم يكن حصنا. والجسد الذي حمل صاحبه عبر تسعة عقود لم يجد في النهاية سوى العنف. أي قسوة أكثر من هذه؟ أن يقضي الإنسان عمرا كاملا في بناء حياته، ثم يأتي فعل عنيف واحد ليحاول اختزال كل ذلك التاريخ إلى جسد صامت على أرضية منزل. كأن تسعة عقود من الوجود يمكن أن تمحوها لحظة واحدة من الجنون البشري. لكن لا. الجريمة قد تقتل الجسد، لكنها لا تستطيع اختصار حياة صاحبه. وربما هذه أول مقاومة أخلاقية يجب أن نتمسك بها: ألا نسمح للضحية بأن تصبح مجرد «امرأة في الثالثة والتسعين عثر عليها ميتة». كانت إنسانة. كان لها اسم. ذاكرة. صوت. عادات صغيرة لا يعرفها أحد. أشياء تحبها وأخرى تكرهها. ربما كانت تعرف كيف يأتي الصباح إلى نافذتها. ربما كانت تحفظ ترتيب الأشياء في منزلها دون أن تحتاج إلى التفكير. ربما كانت تعرف قصصا لم يعد أحد يعرفها. ثلاثة وتسعون عاما تعني أن في رأسها عالما كاملا. ثم يأتي العنف، في لحظة، ويحاول أن يطفئ العالم كله. لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال الوحيد: «لماذا فعل ذلك؟»
فهذا السؤال، على أهميته للتحقيق والعدالة، قد يجرنا إلى منطقة أخرى: البحث عن تفسير يريحنا. نحب أن نجد سببا للشر. السكر. الغضب. المرض. الفقر. الحقد. الماضي. أي شيء. لأننا نريد أن نقنع أنفسنا بأن الجريمة كانت نتيجة استثنائية، وأن الشر له عنوان، وله ملامح، وله تفسير، وأنه يمكن وضعه خلف سياج بعيد عن حياتنا. لكن العنف ضد الإنسان أكثر تعقيدًا من ذلك. والكحول، حتى حين يثبت وجوده، لا يصبح تفسيرًا أخلاقيًا للجريمة ولا إعفاءً من المسؤولية. يمكن أن يفسر حالة وعي أو فقدان ضبط، لكنه لا يحول الجريمة إلى قدر طبيعي. الإنسان هو الذي يؤذي الإنسان. وهذه الحقيقة، في بساطتها، هي الأكثر إزعاجا. لأنها تعيدنا إلى السؤال الذي حاولت الحضارة كلها الهروب منه: ما الذي يجعل إنسانا يرى إنسانا آخر، ثم يعجز عن رؤية إنسانيته؟ في تلك اللحظة، لا يعود الآخر أمّا أو جدّة أو جارا أو شيخا أو امرأة بلغت الثالثة والتسعين. يصبح شيئا. وهذه هي بداية الهاوية. كل عنف يبدأ، في مكان ما داخل العقل، بإلغاء إنسانية الآخر. نحوّله إلى جسم. إلى هدف. إلى عقبة. إلى رقم. إلى «هو» أو «هي». ثم يصبح من الأسهل أن نفعل به ما لا نستطيع فعله بمن نراه إنسانا كاملا. لهذا تبدو هذه الجريمة أكبر من جدران المنزل الذي وقعت فيه. إنها تضرب في السؤال القديم: ما الإنسان؟
السؤال الذي كتب حوله الفلاسفة آلاف الصفحات، ولم يمنع إنسانا واحدا من خنق إنسان آخر. ربما لأن المشكلة ليست في أننا لا نعرف الخير. نحن نعرفه. نعرف أن الضعيف لا يهان. نعرف أن الجسد ليس ملكا لمن يريد السيطرة عليه. نعرف أن امرأة في الثالثة والتسعين ليست مساحة مباحة لغضب أحد. نعرف كل ذلك. لكن المعرفة شيء، والقدرة على احترامها شيء آخر. وهنا يبدأ عمل الحضارة الحقيقي. ليست الحضارة في الأبراج ولا في السيارات ولا في سرعة الأنترنت ولا في عدد الكلمات التي نكتبها عن حقوق الإنسان. الحضارة تبدأ في اللحظة التي يستطيع فيها إنسان قوي أن يرى ضعف إنسان آخر، فلا يستغلّه. كل شيء آخر تفاصيل. لذلك، أمام هذه الجريمة، لا يكفي أن نشعر بالغضب. الغضب سهل. أن نكتب «وحش»، «مجرم»، «بشع» ثم نغلق الهاتف، أسهل.الأصعب أن نسأل: أي نوع من العالم يجعل امرأة في الثالثة والتسعين بحاجة إلى أن تكون محمية من إنسان في الرابعة والثلاثين؟ وأي نوع من التربية والأخلاق والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية يسمح للعنف بأن يجد طريقه إلى البيت، إلى الجسد، إلى المساحة التي يفترض أن تكون آخر ملجأ للإنسان؟
لا نملك، في هذه اللحظة، كل الإجابات. والتحقيق وحده يستطيع تحديد المسؤوليات والوقائع والدوافع وفق الأدلة. لكننا نملك سؤالا. والسؤال، أحيانا، هو الشيء الوحيد الذي يبقى حيا بعد أن يصمت كل شيء. ثلاث وتسعون سنة أمام أربع وثلاثين. ليس هذا مجرد فرق في العمر. إنه مشهد مختصر لتناقض الإنسان كله: كائن يستطيع أن يحمل المسنين، ويعالجهم، ويكتب لهم القوانين، ويبني دور الرعاية، ويحتفل بعيد ميلادهم، ثم يستطيع، في مكان آخر من روحه، أن يتحول إلى مصدر تهديد لهم. نحن لا نعيش في عالم بلا قوانين. نحن نعيش في عالم ما زال يحتاج إلى أن يتعلم لماذا توجد القوانين أصلا. لكي لا يصبح الأقوى سيدا، والأضعف مادة للانتهاك. ولكي لا تتحول الشيخوخة إلى عيب. ولكي لا يصبح الجسد، مهما كان ضعيفا، بلا حرمة. ولكي تبقى كلمة «إنسان» أثقل من أينزوة. امرأة في الثالثة والتسعين ماتت في تولوز. وسيقول الخبر ذلك ببرود الصحافة الضروري. لكن وراء الجملة عالم كامل. عمر كامل. إنسانة كاملة. وربما كان السؤال الأكثر إيلاما الذي ينبغي أن يظل مفتوحا بعد انطفاء الخبر هو هذا: إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يحمي أضعف إنسان فيه، فماذا بقي من معنى أن نسمي أنفسنا بشرا؟
