«مادّة الفضلات» تصعد إلى عرش الأناقة

هل جاءت الموضة لتجمّل العالم أم لتقلبه على رأسه؟

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

في مدينة تعلّمت منذ قرون أن ترتدي حتى أفكارها، جاءت دار أزياء لتقول لها، بكل وقاحة أناقة: انظري إلى ما تحت السجادة. اسمها «Matières Fécales». نعم، «مادّة الفضلات». اسم يكفي لكي تسقط فنجان القهوة من يد سيدة أرستقراطية، أو لكي يتوقف ناقد أزياء للحظة ويتساءل إن كانت هذه مزحة طويلة أم إعلانًا مبكرًا عن نهاية الحضارة. لكن المفارقة أن أصحاب هذا الاسم لم يأتوا إلى عالم الموضة ليبيعوا القبح. جاءوا ليطرحوا سؤالا أكثر إزعاجا: من قال إن الجمال يجب أن يكون مهذبا؟

في باريس، حيث تستطيع قطعة قماش أن تعامل كوثيقة فلسفية إذا كانت معلقة في المكان الصحيح، ظهر الثنائي الكندي هانا روز دالتون وستيفن راج بهاسكاران، مؤسسا دار «Matières Fécales»، ليضعا اسما يكاد يبدو كشتيمة على باب واحدة من أكثر الصناعات تعلقا بالترف واللمعان والطبقات الاجتماعية. ثم حدثت المفاجأة. حين وصلنا إلى الملابس، لم نجد أكواما من القمامة. وجدنا أزياء. بل أزياء مصممة بعناية، فيها ابتكار وحرفية وجمال، وكأن الإسم القذر يقف عند الباب، بينما في الداخل عالم آخر أكثر تعقيدا. وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية. لأنّ الصدمة ليست في الإسم. الصدمة في أن الإسم جعلنا نفكر في الاسم قبل أن نفكر في الملابس. وهذا، ربما، هو أول انتصار للدار.

لقد نجحت في فعل ما تحاول الموضة فعله منذ قرون: جعلتنا ننظر. لكنها هذه المرة لم تضع أمام أعيننا ألماسة. وضعت كلمة تكرهها الطبقات المهذبة. وفي عرضها «The Ninety-Nine Percent»، الذي قُدم في ساحة الجمهورية بباريس، خرج 99 عارضا وعارضة من خلفيات عرقية مهمشة، في عرض لا يريد أن يكون مجرد استعراض للملابس، بل بيانا بصريا حول التفاوت والتمثيل ومن يملك الحق في احتلال مركز الصورة. هنا تتحول الموضة إلى شيء أكثر غرابة من الملابس. تتحول إلى سياسة. إلى مسرح. بل إلى مشاجرة مؤدبة مع التاريخ. ساحة الجمهورية ليست مجرد مساحة فارغة يمكن وضع منصة فيها ثم إرسال العارضين إلى الأمام. اسم المكان نفسه يحمل وزنا سياسيا. الجمهورية. المواطنة. المساواة. الناس. ثم تأتي 99 شخصية لتقول، بطريقة صامتة، إن عبارة «المجتمع» تصبح ناقصة عندما يظل بعض الناس خارج الصورة. كأن العرض يقول: أنتم تنظرون إلى المنصة منذ زمن، لكن من يقف عليها؟ ومن يملك الضوء؟ ومن يقرر أن هذا الجسد جميل، وذاك غريب، وهذه البشرة قابلة للتصوير، وتلك تصلح لأن تختبئ خلف الستار؟

وهنا يصبح اسم «مادّة الفضلات» أكثر ذكاء مما يبدو. فالفضلات هي الشيء الذي نريد التخلص منه بسرعة. الشيء الذي لا نريد أن نراه. الشيء الذي نضعه في مكان مغلق ثم نتابع يومنا كأن العالم أصبح نظيفا. لكن الحضارة الحديثة بارعة في صناعة الفضلات، المادية منها والرمزية. تصنع فائضا هائلا من الأشياء، ثم تخفي ما لا تريد رؤيته. تخفي النفايات. تخفي الفقر. تخفي العمال الذين يصنعون الرفاه. تخفي الأجساد التي لا تنسجم مع الصورة المثالية. وتخفي، أحيانا، كل ما يجعل جمالها ممكنا. ثم تأتي دار أزياء وتسمي نفسها باسم أكثر الأشياء التي نرغب في إخفائها. يا لها من وقاحة. ويا لها من فكرة. إنها تشبه شخصا يدخل حفلة للأثرياء مرتديا بدلة فاخرة، ثم يكتب على بطاقة الدعوة: «أنا الشيء الذي حاولتم نسيانه». ولهذا فإن ظهور نجمات مثل زيندايا وليدي غاغا وأنغ في قطع من هذه الدار يضيف طبقة أخرى إلى المفارقة. فالنجمة هي، في عصر الصورة، الجسد الذي تحلم الموضة بأن تصل إليه. إنها واجهة. أيقونة. جسد يتحول إلى إعلان متحرك. وحين ترتدي نجمة قطعة من دار اسمها «مادّة الفضلات»، يحدث شيء أشبه بانقلاب صغير في قاموس الرموز: الشيء الذي يفترض أن يبقى في القاع يصعد إلى السجادة الحمراء. والشيء الذي يفترض أن يكون مخجلا يصبح توقيعا. لكن هل هذا انقلاب حقيقي؟

هنا ينبغي أن نتريث. فالتمرد نفسه يستطيع أن يصبح سلعة. هذه واحدة من أقدم حيل الرأسمالية وأكثرها دهاء: تستطيع أن تبيع لك حتى اعتراضك على البيع. يمكنك أن ترتدي قميصا يقول «أنا ضد النظام» بسعر يجعل النظام يبتسم. يمكنك أن تشتري التمرد من متجر فاخر. يمكنك أن تدفع ثمن الثورة ببطاقة ائتمان. وهنا تصبح «Matières Fécales» أمام سؤال لا يقل قسوة عن السؤال الذي تطرحه على صناعة الموضة: هل يستطيع التمرد أن يبقى متمردا بعد أن يصبح مطلوبا على منصات الموضة؟ ربما. وربما لا. لكن قوة الفن ليست دائما في تقديم الإجابة. أحيانا تكمن قوته في إجبارك على البقاء داخل السؤال. وهذا ما يفعله هذا العرض، بطريقة تكاد تكون ساخرة. فستان يشبه اللهب. ثلاث نساء بالأزرق والأبيض والأحمر. جسد محجب بالسواد. فستان أبيض تصرخ عليه كلمة واحدة: «RESIST». المشهد كله يبدو كأنه خرج من حلم سياسي ارتدى ملابس فاخرة. ويمكن بسهولة أن نتخيل كاتنيس إيفردين، بطلة «ألعاب الجوع»، وهي تمشي في نهاية العرض بنظرة تعرف جيدا أن العاصمة لا تخاف الملابس الغريبة. العاصمة تخاف من المعنى الذي قد تحمله الملابس. فالملابس ليست بريئة كما نتخيل.

منذ أن ارتدى الإنسان أول قطعة ليغطي جسده، اكتشف أن القماش يمكن أن يقول أشياء لا يجرؤ الفم على قولها. الملابس تقول: أنا غني. أنا فقير. أنا من هنا. أنا من هناك. أنا رجل. أنا امرأة. أنا محافظ. أنا متمرد. أنا جزء من الجماعة. أو: أنا أرفض أن أكون جزءا منها. لذلك فإن الموضة ليست مجرد فن للظهور. إنّها نظام كامل لصناعة الهوية. ومن يسيطر على الصورة يشارك، بطريقة ما، في توزيع السلطة. لهذا فإن عرض «Matières Fécales» في ساحة الجمهورية ليس مجرد عرض أزياء غريب. إنه سؤال معلّق في الهواء: من يحق له أن يكون جميلا؟ ومن يحق له أن يكون مرئيا؟ ولماذا احتجنا إلى عقود من الموضة حتى يصبح الاختلاف نفسه مادة للاحتفال؟ لكن أكثر ما يثير السخرية هو أننا، نحن الجمهور، نذهب إلى هذه العروض كي نرى شيئا «صادما»، ثم نغضب عندما يصدمنا. نريد التمرد، ولكن بشرط أن يكون أنيقا. نريد الثورة، ولكن لا تفسدوا السجادة. نريد كسر القواعد، ولكن رجاء لا تكسروا ذوقنا. وهنا تأتي «Matières Fécales» لتضحك قليلا. تقول لنا، ربّما: أنتم طلبتم ثورة. لكن لا تشكوا إذا جاءت الثورة بملابس جميلة.

قد لا تكون المسألة أن الفضلات أصبحت موضة. ربما العكس تماما. ربما الموضة هي التي نزلت للحظة من برجها العاجي، وفتحت باب المخزن، ونظرت إلى الأشياء التي اعتادت البشرية أن تخبئها. وإذا كان للجمال مستقبل، فربّما لن يكون ذلك المستقبل أكثر نعومة. ربما سيكون أكثر قدرة على احتمال القبح. لأن الجمال الذي لا يستطيع النظر إلى ما يقابله من قبح ليس جمالا كاملا، بل مرآة جيدة الإضاءة. أما الفن الحقيقي، فهو الذي يطفئ الضوء قليلا. ثم يقول لنا: انظروا. انظروا إلى ما لا تريدونرؤيته. إلى الجسد المختلف. إلى المهمّش. إلى الفائض. إلى الفضلات. إلى ما تخفيه المدينة تحت أناقتها. ثم اسألوا أنفسكم، قبل أن تضحكوا من اسم الدار: ماذا لو لم تكن المشكلة في أن «الفضلات» دخلت عالم الموضة، بل في أن عالم الموضة اكتشف فجأة أن ما يرميه المجتمع خارج الصورة يمكن أن يكون، إذا أعيد النظر إليه، أكثر إثارة من كل ما وضعناه في الواجهة؟ وربما لهذا السبب تحديدا كان اسم الدار مستفزا. لأنّه لا يوسّخ الموضة. بل يوسّخ مرآتها. وفي مدينة مثل باريس، حيث كل شيء تقريبا يمكن أن يتحول إلى فن، ربما كانت آخر ثورة ممكنة هي أن نعيد النظر في الأشياء التي أقنعنا أنفسنا بأنها لا تستحق حتى أن ننظر إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *