هل كان ماكرون يفتح جرحا مغربيا أم يفتح بابا أوروبيا؟
بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
هناك تصريحات تقال ثم تنتهي، وتصريحات أخرى تظل معلقة في الهواء مثل شظية لا يعرف المرء في أي جسد ستستقر. وما قاله إيمانويل ماكرون في مدريد عن سبتة ينتمي، على الأرجح، إلى النوع الثاني. ففي 30 سبتمبر 2026، وأمام بيدرو سانشيز، لم يكتف الرئيس الفرنسي بالتعبير عن التضامن مع إسبانيا بعد أزمة العبور الجماعي إلى سبتة، بل استخدم عبارة ذات حمولة سياسية واضحة: «إسبانيا كانت ضحية هجوم»، متحدثا عن استغلال البؤس ودفع عشرات الآلاف من الأشخاص، بينهم شبان وأطفال، إلى المخاطرة بحياتهم للوصول إلى المدينة. ثم شدد على أن الرد الفرنسي الأول كان «التضامن»، وأن الرد الأوروبي ينبغي أن يكون حماية الحدود وتنفيذ ميثاق اللجوء والهجرة وتنظيم عمليات العودة. السؤال المغربي هنا ليس بالضرورة: ماذا قال ماكرون؟ السؤال الأكثر إثارة للقلق هو: ما الذي يعنيه أن يقول رئيس فرنسا ذلك في مدريد، وفي هذه اللحظة بالذات، وفي شأن مدينة لا يعترف المغرب بالسيادة الإسبانية عليها؟
الفارق بين السؤالين هو الفارق بين سماع الكلمات وقراءة ما وراءها. من زاوية مغربية، يمكن أن يقرأ كلام ماكرون باعتباره انحيازا سياسيا إلى الرواية الإسبانية للاحداث، خصوصا أن عبارة «هجوم على إسبانيا» تتجاوز، في وقعها السياسي، مجرد التعاطف الإنساني مع دولة تواجه أزمة هجرة. لكنها، في الوقت نفسه، لا تعني أن فرنسا أعلنت موقفا جديدا بشأن السيادة على سبتة ومليلية. وهذه نقطة لا ينبغي أن تضيع وسط الضجيج. ماكرون كان يتحدث عن أزمة الهجرة والحدود الأوروبية، ولم يعلن أن سبتة ومليلية إسبانيتان في مواجهة المطالبة المغربية بهما، ولم يصدر عن باريس، في التصريح المذكور، تحول رسمي في ملف السيادة. لكن السياسة، في كثير من الأحيان، لا تسكن في البيانات الرسمية وحدها. إنها تسكن أيضا في اختيار الكلمات، وفي المكان الذي تقال فيه، وفي الشخص الذي تقال أمامه. وماكرون قالها في مدريد. وهذا يجعل التصريح أكثر تعقيدا من مجرد جملة عن الهجرة. فالمدينة التي تبدو على الخريطة كقطعة صغيرة من اليابسة، تكاد تكون بحجم خطأ مطبعي، تحمل داخلها تاريخا هائلا: استعمار، حدود، ذاكرة متوسطية، أمن أوروبي، هجرة، ومفهوم السيادة نفسه. سبتة ليست مجرد مدينة في نظر الرباط، وليست مجرد معبر حدودي في نظر مدريد. إنها واحدة من تلك الاماكن التي يصبح فيها الجغرافيا نوعا من الفلسفة: من يملك الارض؟ ومن يملك تعريف الارض؟ ومن يملك حق تسمية ما يحدث عليها؟
وهنا تكمن حساسية التصريح الفرنسي. المغرب لم يوافق أصلا على الرواية التي تجعل من سبتة مسألة إسبانية داخلية لا شأن للاخرين بها. وفي شهر غشت 2026، عندما أثارت تصريحات وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي مجددا مسألة سبتة ومليلية، رفضت مدريد مجرد التفاوض على سيادتهما، وقالت إن سلامة أراضيها غير قابلة للنقاش. ثم جاءت أزمة يوليو 2026، عندما شهدت سبتة تدفقا جماعيا ضخما للمهاجرين. الأرقام المتداولة اختلفت بحسب المصدر، لكن السلطات الإسبانية تحدثت عن أزمة استثنائية، بينما أشار تقرير رسمي لرئيس الحكومة الإسبانية إلى وفاة 141 مهاجرا في البحر، مع تأكيده أن مدريد لم تجد، حتى ذلك الوقت، دليلا يثبت أن السلطات المغربية خططت للعبور الجماعي أو نفذته. بل إن سانشيز نفسه دعا إلى التعامل مع المسألة «بالصرامة والحذر» وعدم بناء الاستنتاجات على الشبهات غير المثبتة. أما الرباط فرفضت اتهامها بالتورط، وقالت وزارة الخارجية المغربية في سبتمبر إن لا دليل يثبت مسؤولية السلطات المغربية عن العبور الجماعي، رافضة أن تتحول إلى كبش فداء في التجاذبات السياسية الإسبانية. وهنا تصبح عبارة ماكرون أكثر دقة وأشد إرباكا. لأنه إذا كانت مدريد نفسها تقول: لا دليل لدينا على أن المغرب دبر العملية، وإذا كانت الرباط تنفي ذلك، فإن وصف ما جرى بأنه «هجوم» يذهب أبعد من اللغة الحذرة التي اختارتها الحكومة الإسبانية في جزء من خطابها الرسمي.
لكن هل يعني هذا أن ماكرون «ضرب المغرب»؟ سياسيا، يمكن فهمه في المغرب على أنه ضربة رمزية للرواية المغربية أو على الاقل تجاهل لحساسيتها. أما القول إنه ضربة استراتيجية للعلاقات الفرنسية المغربية، فهو استنتاج أكبر من المعطيات المتاحة حتى الان. وهنا تحديدا ينبغي ألا نرتكب الخطأ الذي ترتكبه السياسة حين تنظر إلى العلاقات الدولية بعين الجرح وحده. فالعلاقات بين الدول ليست قصائد عشق وحب؛ إنّها حسابات طويلة الأجل، ومصالح متقاطعة، وذاكرة، وطاقة، وأمن، واستثمارات، وممرات، ومعلومات، وأسواق، ومخاوف مشتركة. وقد تكون الدول في اللحظة نفسها متخاصمة في جملة، ومتعاونة في عشرين ملفا اخر. وهذا هو حال فرنسا والمغرب اليوم. فمنذ التحول الفرنسي الكبير في يوليو 2024، عندما أعلن ماكرون أن مخطط الحكم الذاتي المغربي هو «الأساس الوحيد» للتوصل إلى حل سياسي لقضية الصحراء، شهدت العلاقات الفرنسية المغربية انتقالا نوعيا من مرحلة التوتر إلى مرحلة إعادة بناء الشراكة. وقد رحب الملك محمد السادس بالموقف الفرنسي، واعتبره تحولا مهما، فيما أدى القرار إلى أزمة مع الجزائر. ولم يبق ذلك الاعتراف حبرا على ورق.
في يوليو 2026، أعلنت باريس والرباط مشاريع واتفاقات جديدة في مجالات المالية والطيران والتعليم والثقافة والدبلوماسية، كما جرى العمل على مشروع للربط الكهربائي المباشر بين البلدين، وأكد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن موقف باريس من سيادة المغرب على الصحراء «لن يتغير»، بالتوازي مع تحسن التعاون الامني والاستعداد لاتفاق أمني شامل ومعاهدة ثنائية استراتيجية. وهنا يظهر شيء بالغ الأهمية: لا يمكن أن نضع تصريح ماكرون عن سبتة في ميزان واحد مع الانقلاب الفرنسي في قضية الصحراء. ذلك سيكون مثل مقارنة حجر في نافذة بجسر كامل يجري تشييده بين بلدين. الأول مزعج، وربما شديد الرمزية. أما الثاني فهو تحول استراتيجي. والسياسة لا تقيس الاشياء بحجم الصوت الذي تحدثه، وإنما بعمق ما تغيره. لذلك فإن السؤال الاكثر ذكاء ليس: هل أعاد ماكرون العلاقات إلى 2021؟ بل: هل بدأ يكتشف أن الاقتراب من المغرب لا يعني بالضرورة تبني كل حساسياته، وأن المغرب نفسه لم يعد يقيس صداقاته بالمعيار القديم: إما معنا بالكامل أو ضدنا بالكامل؟
هنا نصل إلى عقدة أعمق. فالمغرب الذي كان ينتظر، قبل سنوات، من فرنسا أن تحسم موقعها من قضية الصحراء، أصبح اليوم أكثر ثقة في قدرته على توزيع اوراقه بين قوى متعددة. وفرنسا، من جهتها، لم تعد اللاعب الوحيد في المغرب كما كانت في مخيال جزء من النخبة الفرنسية. هناك الولايات المتحدة، والصين، وإسبانيا، والخليج، وإفريقيا، وشبكات اقتصادية جديدة. والمفارقة أن مدريد نفسها، التي تتلقى اليوم تضامنا فرنسيا في سبتة، هي في الوقت ذاته شريك استراتيجي للمغرب في ملف الصحراء والهجرة والتجارة، بعد تحول السياسة الإسبانية في 2022 نحو دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي. أي أن ماكرون يقف الآن بجانب إسبانيا في ملف، بينما تقف إسبانيا نفسها في موقع أقرب إلى الرباط في ملف اخر بالغ الحساسية. وهكذا يصبح البحر المتوسط أشبه برقعة شطرنج غريبة: القطعة نفسها قد تكون صديقا في مربع وعدوا في مربع آخر. أما العودة إلى 2021، فهي أكثر تعقيدا. كانت سنة 2021 بالنسبة إلى العلاقات الفرنسية المغربية سنة مختلفة تماما: أزمة تأشيرات، توتر حول الهجرة، قضية بيغاسوس، توترات مرتبطة بالصحراء، وشعور مغربي بأن باريس لا تمنح الرباط الوضوح الذي تطلبه في قضيتها المركزية. وفي سبتمبر 2021 خفضت فرنسا عدد التأشيرات الممنوحة للمغاربة بنسبة 50 بالمائة، وهي خطوة عدت في المغرب آنذاك مهينة وعكست عمق التدهور بين البلدين.
لكن المشهد الحالي ليس مشهد 2021. القطار تحرك. فرنسا اعترفت بموقف استراتيجي من الصحراء، وأعيد بناء التعاون الامني والاقتصادي، وبدأت مشاريع جديدة، ويجري الإعداد لاتفاق ثنائي واسع. لذلك فإن القول إن جملة ماكرون ستعيد العلاقات تلقائيا إلى الوراء هو، في احسن الاحوال، قراءة متعجلة. لكن هذا لا يعني أن لا خطر. فالخطر الحقيقي ليس في أن تغضب الرباط من عبارة فرنسية؛ بل في أن تتحول سبتة إلى اختبار جديد لمبدأ المعاملة بالمثل في الوعي الدبلوماسي المغربي. فالمغرب يستطيع أن يقول، بصمت أو بصوت مرتفع: إذا كانت فرنسا تريد منا أن نراعي حساسيتها في ملفاتها الاوروبية والأمنية والهجرة، فهل تستطيع هي أيضا أن تراعي حساسيتنا في ملفات السيادة والذاكرة والجغرافيا؟ وهنا تبدأ الدبلوماسية الحقيقية. لان الدول لا تتأذى دائما من الكلمات نفسها، بل من الشعور بأن الكلمات تكشف ترتيبا في الذاكرة: من له الحق في أن يعرف المشكلة، ومن عليه فقط أن يتلقى التعريف. وقد يكون هذا تحديدا هو الجانب الأكثر استفزازا في تصريح ماكرون بالنسبة إلى الرباط. ليس لأنه قال إن سبتة إسبانية؛ فهو لم يقل ذلك. بل لأنه تحدث عن «هجوم على إسبانيا» في مدينة تعتبرها الرباط جزءا من ملف سيادة لم يحسم تاريخيا. وهذا فرق صغير في اللّغة، لكنّه أحيانا فرق هائل في السياسة. ومع ذلك، سيكون من الخطأ أيضا تحويل التصريح إلى إعلان حرب دبلوماسية. ماكرون نفسه، في التصريح ذاته، أشار إلى أن إعادة المهاجرين تتم بالتعاون مع السلطات المغربية، وقال إن هذا التعاون «يسير بشكل جيد»، وهو ما يكشف مفارقة لافتة: فرنسا أعلنت تضامنها مع إسبانيا، لكنها لم تعلن خصومة مع المغرب.
إنها ليست مفارقة عرضية. إنها ربما جوهر السياسة الفرنسية الحالية: الوقوف مع إسبانيا في حماية الحدود الأوروبية، مع إبقاء الجسر مفتوحا مع المغرب، وعدم المساس بالتحول الفرنسي الكبير في قضية الصحراء. وهذا بالضبط ما يجعل التصريح أكثر إثارة للتفكير. فالسياسة الخارجية ليست دائما اختيار صديق وعدو. أحيانا هي فن القدرة على الوقوف في مكانين في اللحظة نفسها. لكن المغرب، بدوره، يواجه معضلة لا تقل عمقا: هل يعتبر أي موقف فرنسي مؤيد لإسبانيا في سبتة انقلابا على التقارب الفرنسي المغربي؟ أم يضعه في حجمه الحقيقي، أي موقفا أوروبيا من أزمة حدود وهجرة، مع الاحتفاظ بحق الرباط في تسجيل اعتراضها على أي لغة يمكن أن تفهم باعتبارها تكريسا للسيادة الإسبانية؟ الجواب الأكثر عقلانية هو الثاني. فالفصل بين أزمة الهجرة ومسألة السيادة هو بالضبط ما ينبغي ألا ينهار. إذا نجحت الدول في فصل الملفين، بقيت مساحة للمناورة. أما إذا اندمجا، فإن كل مهاجر يصبح جنديا رمزيا، وكل سياج حدودي يصبح بيانا سياديا، وكل تصريح رئاسي يتحول إلى طلقة في حرب الذاكرة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. ليس في سبتة وحدها. بل في أن تعود العلاقات الفرنسية المغربية إلى منطق «الملفات المتراكمة» الذي عرفته في 2021: الهجرة فوق التأشيرات، والتأشيرات فوق الصحراء، والصحراء فوق الذاكرة الاستعمارية، والذاكرة فوق الثقة، ثم لا يعود أحد يعرف أين بدأ الخلاف وأين انتهى. في 2021 كانت المشكلة أن الثقة كانت قد انهارت تقريبا قبل أن تبدأ المفاوضات. أما اليوم، فهناك بنية مصالح جديدة تجعل الانفجار الكامل أكثر كلفة على الطرفين.
ولذلك ربما لا ينبغي أن نقرأ تصريح ماكرون باعتباره بداية عودة إلى الوراء، بل باعتباره جرس إنذار داخل العلاقة نفسها. جرسا يقول للرباط إن التحالفات ليست عقود ملكية. ويقول لباريس أيضا إن الاعتراف بمصالح المغرب في الصحراء لا يمنحها شيكا على بياض في كل ما يتعلق بحساسية السيادة المغربية. ويقول لمدريد إن التضامن الأوروبي لا يلغي أن جنوب المتوسط ليس مجرد حارس بوابة للقارة. ربما تكون سبتة هي المكان الذي تنكشف فيه هشاشة المفاهيم الكبيرة. «أوروبا» تقول: هذه حدودنا. «إسبانيا» تقول: هذه أرضنا. «المغرب» يقول: هذه أرض لم تحسم قضيتها. «المهاجر» لا يقول شيئا تقريبا؛ إنه فقط يسبح. وفي تلك السباحة البائسة، تصطدم أربع خرائط: خريطة الدولة، وخريطة أوروبا، وخريطة التاريخ، وخريطة الانسان. أما ماكرون، فقد اختار في مدريد أن يقف على إحدى الخرائط. لكن السياسة ليست فقط بالمكان الذي يقف فيه الرئيس في الصورة. بل بالمكان الذي يتركه شاغرا خلفه. والسؤال الذي سيبقى معلقا فوق مضيق جبل طارق ليس: هل أساء ماكرون إلى المغرب؟ بل سؤال أكثر قسوة: هل تستطيع باريس أن تكون شريكا استراتيجيا للرباط، وحليفا أوروبيا لمدريد، من دون أن تجعل إحدى الصفتين تناقض الاخرى؟ هنا، وليس في الجملة التي قالها ماكرون، يوجد مستقبل العلاقة الفرنسية المغربية. فسبتة ليست مجرد مدينة. إنها مرآة. والمرايا لا تخترع الوجوه؛ إنها فقط تجبرها على النظر إلى نفسها.
