الحسين الدوك.. الهزار المغرد وملح مسناوة

بقلم عبد الله شوكا، كاتب وصحافي- المغرب

لعل المغاربة الذين عاصروا البدايات الأولى للسبعينيات لا يزالون يستعيدون، بشيء من الحنين، ذلك الظهور التلفزيوني الأول لمجموعة ناس الغيوان. لم يكن المشهد يومها مجرد إطلالة عابرة لفرقة غنائية على شاشة التلفزيون، بل كان أشبه بفتح نافذة جديدة في جدار الفن المغربي، وبداية تشكل ذائقة موسيقية ستغير كثيرا من ملامح الأغنية المغربية. كان ظهور ناس الغيوان بمثابة إعلان عن زمن فني جديد. وبعد أن رسخت المجموعة حضورها، أخذت الظاهرة الغيوانية تتمدد في المشهد المغربي، فظهرت جيل جيلالة، ثم لمشاهب، ثم تكدة، وغيرها من المجموعات التي وجدت في هذا اللون الغنائي فضاء للتعبير عن الذاكرة الشعبية، وعن الإنسان المغربي، وعن الحكاية والاسطورة والوجدان الجماعي.

وفي خضم ذلك المد الفني، خرجت مجموعة مسناوة من رحم العائلة الفنية الباطمية، في بداية الثمانينيات، حاملة معها نبرة مختلفة، لكنها وفية في الوقت نفسه لروح التراث المغربي. اختارت المجموعة أن تنهل من معين البادية، وأن تستعيد الحكاية الشعبية والاسطورة، وأن تجعل من العيطة جسرا بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة وما تريده الاغنية من حياة جديدة. ومنذ ظهورها الأول، لم تكن مسناوة مجرد مجموعة أخرى تضاف إلى قائمة المجموعات الغيوانية. كان لها لونها الخاص، ونكهتها المميزة، وطريقتها في إعادة صياغة الموروث الشعبي موسيقيا وغنائيا. وسرعان ما وجدت طريقها إلى آذان المغاربة وقلوبهم، فصار لها عشاق في مختلف جهات البلاد. ومن بين الوجوه التي شكلت النواة الأولى للمجموعة برز الاخوان رشيد وحميد باطما، والحسين الدوك، عازف البوزق، ومصطفى أطاسي، عازف البانجو، إلى جانب عبد الواحد. ثم عرفت المجموعة، مع مرور السنوات، حالات من الغياب والحضور وتغير بعض اعضائها، فالتحق بها سعيد حليفي، وبرز ميلود وحداني بوصفه عنصرا حاضرا ومؤثرا، ثم حميد بلملاس. وكانت مرحلة الكاسيت هي العصر الذهبي الذي حمل مسناوة إلى الأسواق والبيوت والاسماع. في ذلك الزمن، لم تكن الأغنية تحتاج إلى منصات رقمية كي تعبر الحدود؛ كان يكفي أن تقع في يد مستمع شريط كاسيت، حتى تبدأ الاغنية رحلة أخرى لا يعرف أحد أين تنتهي.

وهكذا عاشت أغاني مسناوة زمنا طويلا في الذاكرة المغربية، ومن بينها «امحمد»، و«عودي لزرك»، و«هاينة»، و«النسر»، و«أصاحبي»، و«يا داك الجبل العالي»، و«إلا جيتي على غفلة»، و«عاري على المسناويات»، فضلا عن تأديتها للسواكن وغيرها من القطع التي ارتبطت بمرحلة كاملة من تاريخ الاغنية الشعبية المغربية. غير أن الحديث عن مسناوة لا يكتمل بالحديث عن المجموعة وحدها، لأن المجموعة، في النهاية، كانت مجموعة أصوات ووجوه وآلات، وكان سرها في ذلك التمازج الذي يجعل كل عنصر يبدو وكأنه نصف جملة موسيقية لا تكتمل إلا بالعنصر الاخر. ومن بين هؤلاء جميعا، يظل الحسين الدوك حالة موسيقية خاصة. الحسين الدوك، عازف البوزق، لم يكن مجرد موسيقي يرافق الاغنية. كان واحدا من أولئك الذين يمنحون الآلة شخصيتها، ويجعلون من النغم لغة قائمة بذاتها. وبين أصابعه كان البوزق يخرج من حدود الآلة ليصبح صوتا آخر داخل المجموعة، صوتا ينسج حول الكلمات ظلالها، ويمنح اللحن ذلك البريق الذي يجعله قابلا للبقاء. وكانت ثنائيته مع عازف البانجو مصطفى أطاسي من أجمل ما عرفته تجربة مسناوة.

لم تكن العلاقة بين البوزق والبانجو مجرد توزيع موسيقي؛ كانت أشبه بحوار بين صوتين يعرف كل منهما متى يتقدم ومتى يتراجع، ومتى يترك للاخر مساحة التنفس. انسجام في الايقاع، ودقة في التوزيع، وقدرة على التقاط الروح الخفية للحن. لكن الحسين الدوك لم يكن عازفا فقط. كان يملك صوتا خاصا، صوتا له مساحته ونبرته وحضوره. وحين كان يغني، كان المستمع يشعر بأن صوتا آخر قد خرج من داخل الآلة. صوتا رقيقا، شجيا، فيه شيء من صفاء البراري ومن حزن الاغنية الشعبية. لذلك استحق عند عشاق مسناوة ذلك الوصف الجميل الذي التصق به: الهزار المغرد. الهزار حين يغرد لا يحتاج إلى شرح. يكفي أن يصل صوته. وهكذا كان صوت الحسين الدوك. كان يدخل إلى الاغنية من غير ضجيج، ثم يستقر في الذاكرة كما تستقر نغمة قديمة لا يعرف المرء لماذا ظل يحتفظ بها كل هذه السنوات. ولعل واحدة من أكثر المفارقات إيلاما لعشاق مسناوة اليوم هي أن المجموعة التي صنعت ذلك المجد لم تعد جسدا واحدا كما كانت. الزمن الذي جمع عناصرها فرقه الزمن نفسه، واختار كل واحد طريقا، فانتهت مرحلة من الانسجام لتبدأ مرحلة الشتات. واليوم يحمل اسم مسناوة أكثر من تشكيل، وهو أمر يضع العشاق أمام مفارقة مؤلمة: الاسم واحد، لكن الذاكرة لا ترى دائما الشيء نفسه حين تسمعه. هناك مجموعة تضم الحسين الدوك وميلود وحداني وحميد بلملاس، وهناك مجموعة عبد الواحد التي تحمل الإسم نفسه. وبين المجموعتين تقف ذاكرة الجمهور، وهي ذاكرة لا تقيس الأشياء بالإسم وحده، وإنما بما ترسخ فيها من أصوات ووجوه ونبرات وذكريات.

ولهذا ظل كثير من عشاق مسناوة يرون أن المجموعة التي ارتبطت بالحسين الدوك وميلود وحداني، وفي مراحلها السابقة بحضور حميد باطما، كانت أقرب إلى الصورة التي استقرت في وجدانهم عن مسناوة التي عرفوها وأحبوا أغانيها. ولم يكن خروج مصطفى أطاسي من مسناوة إلى مجموعة تكدة أمرا مر مرور العابرين بالنسبة إلى جمهور المجموعة. فقد ظل كثير من العشاق ينظرون إلى أطاسي بوصفه نصف ذلك الحوار الموسيقي الذي كان يجمعه بالحسين الدوك. ولذلك تمنوا لو بقي عازف البانجو إلى جانب عازف البوزق، حتى تستمر تلك الثنائية التي كانت تمنح موسيقى مسناوة واحدة من أجمل علامات تميزها. لكن الفن، مثل الحياة، لا يسير دائما وفقا لرغبات الجمهور. والفنانون، في لحظة ما، يخرجون من الجماعة لكي يعثر كل واحد منهم على طريقه الخاص. أما الحسين الدوك، فقد حمل صوته وآلته معه بعد افتراقه عن مسناوة، ولم يتوقف عن ممارسة الفن. اشتغل منشطا على ظهر البواخر التي كانت تربط بين إيطاليا والمغرب، فانتقل صوته من فضاء البر إلى فضاء البحر، وصارت الباخرة مسرحا آخر لذلك الصوت الذي عرفه عشاق مسناوة في زمن الكاسيت.

وهناك، بين الموانئ والمياه المفتوحة، ظل الهزار يغرد. فمن الطريف، وربّما من الجميل أيضا، أن صوتا ارتبط في ذاكرة المغاربة بالبادية والحكاية والعيطة والأرض، وجد نفسه ذات يوم يغني فوق البحر، بين ضفتين، كأنه يحمل معه ذاكرة البر إلى الماء. وهكذا، فإن الحسين الدوك ليس مجرد اسم مر في تاريخ مسناوة. إنه جزء من تلك الذاكرة الموسيقية التي لا تحفظ الأغنية باعتبارها لحنا وكلمات فقط، وإنما تحفظ معها الأصوات التي أعطتها روحها. قد يتغير اسم المجموعة، وقد تتفرق عناصرها، وقد تتباعد الطرق التي جمعها الزمن ذات يوم، لكن هناك شيئا لا يستطيع الشتات أن يفرقه بسهولة: ذلك الأثر الذي تركته الأصوات في ذاكرة من سمعها. والحسين الدوك واحد من تلك الأصوات. عازف بوزق يعرف كيف يجعل الوتر يتكلم، ومغن يملك نبرة لا تحتاج إلى كثير من الزينة كي تصل، وفنان حمل معه من مسناوة شيئا من الملح القديم، شيئا من رائحة الأسواق، ومن حكايات البادية، ومن زمن كانت فيه أغنية واحدة قادرة على أن تعبر المغرب كله من شريط كاسيت صغير. لذلك، حين يتذكر عشاق مسناوة الحسين الدوك، لا يتذكرون عازفا فحسب. يتذكرون زمنا. ويتذكرون صوتا. ويتذكرون ذلك الهزار الذي ظل، رغم تفرق السرب، يغرد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *