محكمة باريس تتحول إلى مدرج, والمتهم إلى أستاذ، والجريمة إلى درس في الفلسفة

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

في قاعة محكمة باريس، حيث ينبغي أن توزن الأعمال بميزان القانون، وقف رجل يرتدي قميصا أبيض، ممسكا بدفتر ويراع، يلقي الدروس على القاضي كما لو كان يجلس على منصة جامعة، لا في قفص الاتهام. لم يكن ريمي دايّه مجرد متهم، بل كان ظاهرة، مونولوجيا وجوديا طويلا عن السلطة والحقيقة والوهم، عن رجل يحلم بأن يكون شارل ديغول آخر، أو جان دارك أخرى، لكنّه في الواقع ليس سوى مرآة مشوهة تكشف هشاشة عصر يبحث عن مخلصين مزيفين.

المحكمة، ذلك المسرح الذي يكشف البشر على حقيقتهم، وضعت هذا الرجل أمام أكثر من تهمة: تكوين جمعية أشرار بهدف ارتكاب أعمال إرهابية، والتحريض على اختطاف الطفلة ميا م، ذات الثماني سنوات، ومحاولة قلب الجمهورية. لكن دايّه، الزعيم الروحي لمجموعة مؤمنة بخرافات «الدولة العميقة» واللقاحات والمؤامرات، لم يواجه الاتهامات، بل أعاد صياغتها، كما لو أن الواقع مجرد نصّ يمكن تعديله، وإعادة كتابته، وتقديمه للقاضي كأنّه درس في التاريخ.

في هذا الرجل شيء من غرابة شخصيات دوستويفسكي: إيمان راسخ بأنه مهيأ لإنقاذ فرنسا، لأنّه فقط يعرف كيف يجمع «الخراف الضالة» ليعيد تسليحها «أخلاقيا» ويمنعها من «حماقاتها». هي رواية يعرفها القارئ في الأدب: المخلص الذي يصبح خطرا، الرسول الذي يتحول إلى طاغية صغير، المدّعي أنه يحمل الحقيقة وهو غارق في تناقضاته. يقول إنه مدرب روحي، فيلسوف ملهم، يضع نفسه في أحذية الآخرين ليصل إليهم، لكنه في العمق يبحث عن سلطة مطلقة. كانت لديه قوائم بأسماء يهودية «لتحييدها»، ثم يبرر: هذا «إزعاج سياسي»، لا عنف جسدي. إنه النفي المطلق للمسؤولية، في أبهى صوره.

في كل مرة يواجه بجرائمه، يلجأ الي تكتيك «البريد الإلكتروني المشترك»: شخصيات مجهولة، بريد «فرنسا الملكية»، و«قد يكون أنا وقد لا يكون». إنها فلسفة الضباب، حيث الحقيقة نسبية، والمسؤولية غائبة، والذات متعددة. لكن المحكمة، بأعين قضاتها المراقبة، رأت في ذلك تناقضا. لم يكن دايّه يجيب على الاتهامات، بل يعيد صياغتها داخل سردية أسطورية: «قانون الجمهورية يعترف بحق العصيان»، «الشعب سيد نفسه»، «ديغول فعلها بالطرق الفكرية». في هذا التشبيه الأخير، يصل إلى حد من العبثية التي تكشف مدى عمق وهمه، حيث يشابه نفسه بمن حرر فرنسا، لكنه في الواقع يخطط لاختطاف أطفال وخلق نظام سياسي وهمي قائم على «الوحي الملكي» و«العودة الى مهنة فرنسا المسيحية».

في مواجهة هذه الشخصية، لا يمكن للمرء إلا أن يفكر في ما قاله إريك هوفر عن المؤمنين الحقيقيين في الحركات الجماهيرية: إنهم ليسوا دائما مجانين، بل غالبا ما يكونون مهووسين بمعنى أكبر من ذواتهم، ويشعرون بالتمكين من خلال الانتماء إلى قضية تتجاوزهم. دايّه، الذي يقول إنّ لديه ما بين 20 ألفا و30 ألفا من المتعاطفين، ليس مجرد رجل واحد، بل مرآة لجزء من المجتمع المعاصر: جزئه الذي يبحث عن اليقين في زمن الفوضى المعلوماتية، ويجد في نظريات المؤامرة بديلا عن الواقع المركب، وفي رجل مثل دايّه بديلا عن الهياكل السياسية التقليدية المنهارة.

لكن ما هو الأكثر إثارة التفكير، هو أن دايّه ليس حالة فردية معزولة. هو ظاهرة تنتمي إلى عصر ما بعد الحقيقة، حيث تصبح القصة أكثر جاذبية من الواقع، وحيث يحول بعض  الأشخاص حياتهم إلى سرديات بطولية مأساوية، ويتوقعون من العالم أن يستسلم لخيالاتهم. اختطاف الطفلة ميا، التي كانت في رعاية جدتها، ليس سوى مثال واحد على كيف يمكن لرجل مثل هذا أن يترجم أوهامه إلى أفعال ملموسة، وأن يجر آخرين معه إلى الهاوية.

يبقى السؤال: من هو ريمي دايّه؟ هل هو مجرد رجل مضلل، أم أنه ابن شرعي لعصر الغموض والتشظي، حيث تتلاشى الحدود بين الحقيقة والوهم، وحيث يصبح كل شخص قادر على اختراع روايته الخاصة؟ ربما لن تجب المحكمة عن هذا السؤال؛ فهي لا تحاكم الوهم، بل تحاكم الأفعال. لكن القاعة التي تحولت إلى مدرج، والقاضي الذي استمع إلى خطاب طويل عن «السيادة الشعبية» و«الحق في العصيان»، تركا لنا صورة مرعبة: صورة مجتمع يمكن أن يمنح منصة لمن يحلمون بتدميره، ليس بالقوة وحدها، بل بالكلمات أيضا. وهذه ليست قصة رجل واحد، بل قصة زمن كامل يبحث عن خلاصه في الهاوية.

One thought on “محكمة باريس تتحول إلى مدرج, والمتهم إلى أستاذ، والجريمة إلى درس في الفلسفة”

  1. عماء الايديولوجيا، ذلك الفينق الذي قيل عنه إنه مات. والحال أن عيوننا عيون مفاهيم وتصورات قبل أن تكون عيون طبيب العيون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *