بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
لعل ما يحدث الآن بين الرباط ومدريد واحد من تلك المشاهد التي تبدو، للوهلة الأولى، أزمة حدود وهجرة ومدينة محاصرة بالماء والأسلاك، لكنّها في العمق شيء أكثر غرابة: صراع بين جغرافيتين؛ جغرافية تعتقد أن التاريخ منحها مفاتيح الباب، وجغرافية تعرف أن الباب نفسه لم يكن يوما ملكا لمن يقف أمامه. من هنا ينبغي قراءة التحول اللافت في خطاب الملك فيليبي السادس. فالملك الذي كان ينتظر منه، في لحظة عاصفة، أن يكون رجل الإطفاء، ظهر هذه المرة أقرب إلى رجل يقف فوق برج المراقبة، ينظر إلى الجنوب لا بعين الوسيط وإنّما بعين الحارس. اجتمع مع وزيرة الدفاع وقادة الجيش، وجعل الاجتماع علنيا، وربط سبتة صراحة بمفهوم «الدفاع»، ثم وصف ما جرى بأنه أمر «غير مقبول»، وتحدث أمام إيمانويل ماكرون عن مسؤولية أوروبية مشتركة تجاه ما وقع. وبعد ذلك جاءت الصورة الملكية الأكثر دلالة: الملك بزيه العسكري، وبين كبار قادة المؤسسة العسكرية، وكأن القصر أراد أن يكتب على جدار المتوسط جملة لا تحتاج إلى ترجمان: نحن هنا. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: هل إسبانيا موجودة في سبتة؟ ذلك سؤال آخر، قانوني وتاريخي وسياسي، يمكن أن يطول فيه السجال حتى يشيخ البحر. السؤال الأعمق هو: ماذا يحدث عندما تتحول «البوابة» إلى وهم قوة؟
هنا تكمن المفارقة التي تجعل العبارة التي نقلتها «إل باييس» عن القصر الإسباني جديرة بالتأمل: إسبانيا، كما تقول الرسالة المنقولة، هي «بوابة المغرب ومصالحه نحو أوروبا». يا لها من عبارة جميلة لو قيلت في القرن التاسع عشر! أما في القرن الحادي والعشرين، فهي تحتاج إلى شيء من الخجل التاريخي. فالدولة التي تريد أن تكون بوابة لا تستطيع أن تنسى أنها ليست القارة التي تقف خلف الباب. إنها، جغرافيا وسياسيا، طرف من أطراف الباب نفسه. والمغرب ليس قافلة تنتظر عند بوابات مدريد كي يسمح لها بالدخول إلى أوروبا. المغرب دولة لها علاقاتها المباشرة مع الاتحاد الأوروبي، وشراكاتها مع فرنسا وألمانيا وإسبانيا وغيرها، وشبكاتها الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية المتشعبة، وموقعها الإفريقي والمتوسطي والأطلسي، وأوراقها التي لا تختصرها فيزا في قنصلية أو شاحنة تعبر ميناء إسبانيا. بل إن المفارقة أكثر قسوة: الاتحاد الأوروبي نفسه لا يتعامل مع المغرب كدولة تقف خلف الباب تنتظر الإذن بالدخول، بل كـ«شريك استراتيجي» متعدد الأبعاد، في التجارة والأمن والهجرة والعدالة والطاقة والتنمية. والمفوضية الأوروبية نفسها قالت، في خضم أزمة سبتة، إن المغرب شريك استراتيجي مهم في مكافحة تهريب المهاجرين والهجرة غير النظامية، وإن التعاون الإسباني المغربي في إدارة الأزمة وإعادة من لا يحق لهم البقاء كان وثيقا. وهنا تبدأ الحكاية في الانقلاب على أصحابها. فإذا كانت إسبانيا «بوابة المغرب إلى أوروبا»، فمن يكون المغرب بالنسبة إلى إسبانيا؟
ربما يكون البحر الذي يفصلها عن إفريقيا، ولكنه أيضا البحر الذي يفتح لها إفريقيا. وربما يكون الجار الذي تستطيع مدريد أن تغضب منه، لكنها لا تستطيع أن تتحول إلى جزيرة سياسية بعيدا عنه. وربما يكون، في أكثر المعاني واقعية وبرودة، أحد الحراس غير المرئيين للحدود الأوروبية نفسها. فالمغرب لا يملك ورقة الهجرة فقط؛ يملك موقعا جغرافيا لا يمكن نقله، وأجهزة أمنية وشبكات تعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وعلاقات اقتصادية كثيفة مع أوروبا، وموقعا إفريقيا يتزايد وزنه، فضلا عن شراكات دولية لا تنحصر في الضفة الشمالية للمتوسط. ولذلك فإن اختزال العلاقة في صيغة «نحن البوابة وأنتم العابرون» يشبه أن يتوهم حارس محطة القطار أن القطارات ملك له لأنها تمر أمامه.
إن أخطر ما في القوة الوهمية أنها تجعل صاحبها يسيء تقدير حجم ظله. وليس في ذلك انتقاص من إسبانيا. بالعكس. إسبانيا دولة أوروبية مهمة، وعضو في الاتحاد الأوروبي، وقوة اقتصادية وسياسية معتبرة. لكنها ليست أوروبا. وهذه نقطة ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج سبتة. فالقول إن مدريد تستطيع «عرقلة مصالح المغرب في أوروبا» يفترض أن أوروبا غرفة مغلقة لها مفتاح واحد معلق في قصر مدريد. وهذا ببساطة ليس صحيحا. المغرب يتعامل مع بروكسل، وليس مع مدريد فقط. ويتعامل مع باريس وبرلين ولندن وواشنطن وبكين، ويتحرك في إفريقيا كما يتحرك في المتوسط. بل إن الأرقام الاقتصادية وحدها تسخر بهدوء من فكرة «البوابة الوحيدة»: الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول للمغرب، بحجم تجارة بلغ 62.2 مليار يورو في 2025، فيما كانت إسبانيا نفسها الشريك التجاري الأول للمملكة. أي أن العلاقة ليست علاقة حارس بسجين، بل علاقة تشابك متبادل؛ ومن يقطع حبلا من شبكة كهذه لا يضمن أن الطرف الآخر هو الذي سيسقط. ثم هناك تلك المفارقة الصغيرة التي قد تكون أكبر من الأزمة كلها. كيف يمكن لإسبانيا أن تتحدث عن «البوابة» بينما هي نفسها تحتاج إلى المغرب كي لا تصبح بوابتها الأوروبية في مأساة يومية؟
الهجرة ليست سلاحا مغربيا بالمعنى العسكري، ولا ينبغي أن تكون كذلك. البشر ليسوا صواريخ، والفقر ليس جيشا، والمهاجر ليس جنديا مغربيا يحمل بندقية. لكن الجغرافيا، حين تتشابك مع الهجرة والأمن والموانئ والتجارة، تتحول إلى قوة سياسية حتى لو لم يرغب أحد في تسميتها كذلك. ولهذا فإن مأساة سبتة يجب ألا تتحول إلى رواية سهلة عن «المغرب الشرير» و«أوروبا المحاصرة». لقد دخل عشرات الآلاف إلى سبتة في مشهد إنساني وأمني هائل، ومات 141 شخصا على الأقل بحسب المعطيات التي أوردها البرلمان الأوروبي، وهي مأساة لا تحتاج إلى تبرير ولا إلى تحويل الموتى إلى بيادق في لعبة السيادة. لكن تحويل مأساة بشرية إلى ذريعة لبناء سردية جيوسياسية عن «الحرب الهجينة» و«العدوان على أوروبا» لا يلغي سؤالاً بسيطاً: لماذا لم تستطع منظومة أمنية أوروبية كاملة أن تمنع ما حدث، وهي التي تملك الأقمار الصناعية والاستخبارات والأسلاك والكاميرات والجيش والشرطة والاتحاد الأوروبي كله خلفها؟
إن تحويل ثمانين ألف إنسان إلى استعارة عسكرية قد يكون مفيدا في البرلمان، لكنه لا يفسر العالم. بل إن القرار الأوروبي نفسه كان أكثر تعقيداً من الخطاب الذي حاول بعض السياسيين استخراجه منه. نعم، أدان العبور الجماعي ووصف استغلال الهجرة بأنه أداة من أدوات الحرب الهجينة، وطالب المغرب بتحمل مسؤولياته في التعاون الحدودي والإعادة. لكنه في الوقت نفسه أقر لإسبانيا مساعدة طارئة بقيمة 114.7 مليون يورو، ودعا إلى تقوية فرونتكس، وتعزيز البنية الحدودية الأوروبية، بل دعا إلى آليات مالية وتنظيمية خاصة بسبتة ومليلية. أي أن أوروبا نفسها تقول شيئا أكثر برودة من الحكاية الملكية: المشكلة ليست مغربية فقط، والحل ليس إسبانيا فقط. فالقصر الإسباني يحاول أن يحول سبتة إلى منصة لإثبات السيادة، بينما تحاول أوروبا تحويل سبتة إلى مختبر لسياساتها الحدودية، بينما ينظر المغرب إليها من زاوية مختلفة تماما: كجزء من سؤال تاريخي لم يغلق. ثلاث خرائط إذن فوق قطعة واحدة من الأرض. وهذا هو سر سبتة. إنها مدينة صغيرة، لكنها أكبر من حجمها؛ لأنها ليست مدينة فقط. إنها مرآة معلقة على جدار التاريخ، وكل من يقف أمامها يرى صورته هو. إسبانيا ترى فيها آخر حجر أوروبي قبل إفريقيا. أوروبا تراها ثقبا في جدارها الخارجي. والمغرب يراها أثرا من آثار زمن لم يدفن كل خرائطه بعد.
وهنا يحتاج المغرب إلى شيء أكثر خطورة: الهدوء. لأن الرد على خطاب «البوابة» ليس أن يقول المغرب: «لن تستطيعوا فعل شيء». ذلك خطاب طفولي، والدول الجادة لا تتعامل بمنطق المبارزة في مقهى. الرد الأكثر ذكاء هو أن يقول التاريخ بنفسه: «كل بوابة تحتاج إلى بابين». إسبانيا تحتاج إلى المغرب كما يحتاج المغرب إلى إسبانيا، وإن كانت درجة الاعتماد تختلف من ملف إلى آخر. التجارة تحتاج المعابر، والهجرة تحتاج التعاون، والأمن يحتاج تبادل المعلومات، ومكافحة الإرهاب تحتاج شراكة، والطاقة تحتاج شبكات، وأوروبا تحتاج جنوبها، والجنوب يحتاج أوروبا. وفي زمن تتراجع فيه فكرة الدولة القادرة على العيش منفردة، يصبح التهديد المتبادل نوعا من الانتحار المؤجل. ومن هنا أيضا ينبغي للمغرب ألا يقع في الفخ المقابل: فليس من مصلحة الرباط أن تحول إسبانيا إلى عدو دائم. إسبانيا جارة، وأوروبا فضاء استراتيجي، ومصالح المغرب فيها ضخمة، والملفات المشتركة أكثر بكثير من الملفات الخلافية. الذكاء ليس أن نحرق الجسر لأن الجسر بناه خصمنا؛ الذكاء أن نعرف متى نعبره، ومتى نمنع خصمنا من تحويله إلى معبر باتجاه واحد.
أما زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية في 13 و14 أكتوبر، فإن أهميتها السياسية لا ينبغي تضخيمها إلى حد الأسطورة. إنها زيارة ذات حمولة رمزية كبيرة، خصوصا أنها أول زيارة للملك منذ اعتلائه العرش، لكنها لا تغيّر الجغرافيا، ولا تمنح مدريد سيادة إضافية على ما تعتبره إسبانيا أرضا إسبانية، ولا تسقط من ذاكرة المغرب مطالبته التاريخية بالمدينتين. بل قد يكون الخطأ الإسباني الحقيقي هو الاعتقاد بأن رفع العلم أعلى قليلا يجعل التاريخ أقصر. التاريخ لا يخاف من الأعلام. ولا يتغير لأن ملكا زار مدينة. ولا يتغير لأن برلمانا أصدر قرارا. ولا يتغير لأن صحيفة رسمية أو شبه رسمية اختارت استعارة «البوابة». التاريخ أكثر مكرا من ذلك كله. لقد جاءت خرائط أخرى تمحو خطوطا وتبقي أخرى، ثم جاءت الأمم المتحدة والقانون الدولي والاقتصاد والعولمة، فاكتشف الجميع أن الأرض قد تكون ثابتة، لكن معنى الأرض يتحرك. ولهذا فإن المغرب، وهو يدافع عن قضيته الوطنية، لا يحتاج إلى أن يقلد اللغة الإسبانية ولا إلى أن يجيب على كل استفزاز باستفزاز آخر. قوته الحقيقية في أن يظل قادرا على الجمع بين الذاكرة والمصلحة، بين التاريخ والواقعية، بين الصرامة والهدوء.
إن المغرب الذي لا ينسى سبتة ومليلية ليس مضطرا إلى أن يكره إسبانيا. والمغرب الذي يرفض أن تتحول مدنه المحتلة إلى أوراق في لعبة ضغط أوروبية ليس مضطرا إلى أن يدير ظهره لأوروبا. والمغرب الذي يعرف وزن موقعه لا يحتاج إلى أن يلوّح بكل أوراقه في الهواء. فالورقة الأقوى هي تلك التي يعرف الآخر أنها موجودة من دون أن تضطر إلى إشهارها. ومن الغريب، وربما من المضحك أيضا، أن تتحول إسبانيا فجأة من وسيط بين ضفتي المتوسط إلى طرف في المبارزة، ثم تكتشف أن الوسيط حين ينزل إلى الحلبة يفقد ميزة الوقوف خارجها. كان يمكن للملك فيليبي السادس أن يكون جسرا. اختار أن يكون، في نظر بعض الخطابات، جزءا من الجدار. لكن الجدران لا تحمي أصحابها إلى الأبد. والبحر المتوسط، هذا العجوز الذي حفظ أسماء الفينيقيين والرومان والعرب والإسبان والبرتغاليين والفرنسيين، يعرف شيئا لا تريد السياسة الحديثة أن تتذكره: لا أحد يملك البحر، ولا أحد يملك المضيق، ولا أحد يستطيع أن يجعل من الجغرافيا ملكية خاصة. إنها فقط تتظاهر بالطاعة. ثم، في اللحظة التي يظن فيها أحدهم أنه صار سيدها، تتحرك. وهكذا ربما تكون الرسالة الأعمق إلى مدريد، لا الأكثر صخبا، هي التالية: لا تجعلوا من سبتة سجنا للعلاقة المغربية الإسبانية، ولا من مليلية قبرًا لدبلوماسية الجوار، ولا من أوروبا عصاً تلوحون بها في وجه الرباط. فالمغرب ليس طريقاً إلى أوروبا. وإسبانيا ليست طريقا إلى المغرب. كلاهما، شئنا أم أبينا، يقفان على الطريق نفسه. والبحر بينهما ليس فاصلا. إنه شاهد. والشاهد، حين يطول صمته، يصبح أخطر من الخطيب.
