بقلم د. عبد الرحمن مكاوي -باريس
لا تبدو الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي تجري اليوم مجرد سباق على قصر بلانالتو. إنها مواجهة على اتجاه البرازيل نفسها، وعلى موقع أكبر قوة في أميركا اللاتينية بين واشنطن وبكين، وعلى مستقبل الموجة اليمينية التي تعيد رسم الخريطة السياسية للقارة. في واجهة المشهد يقف لولا دا سيلفا، في الثمانين من عمره، طالبا ولاية رئاسية رابعة غير متتالية، في مواجهة فلافيو بولسونارو، ابن الرئيس السابق جايير بولسونارو. وبين الرجلين تتقلص مساحة المنافسة إلى حد يكاد يحوّل الجولة الأولى إلى استفتاء على قطبين متناقضين. الأرقام تؤكد ضيق الفارق. ففي آخر استطلاع لـ«داتافولها» يتقدم لولا بـ45% من الأصوات الصحيحة مقابل 40% لفلافيو، بينما تمنح محاكاة الجولة الثانية لولا 48% مقابل 45%، وهي نتيجة تقع ضمن نطاق التعادل الإحصائي. والأكثر دلالة أن الرجلين يتقاسمان تقريباً أعلى مستويات الرفض الشعبي، بما يكشف أن المعركة ليست فقط حول من يملك مشروعاً أكثر جاذبية، بل حول من ينجح في تعبئة الخوف من الطرف الآخر.
من البرازيل إلى واشنطن
الجديد في هذه الانتخابات أن العامل الأميركي لم يعد هامشياً. فقد تحولت العلاقة مع الولايات المتحدة إلى جزء من المعركة الانتخابية نفسها. فلافيو بولسونارو يمثل، بوضوح أكبر من والده، جسراً سياسياً نحو إدارة دونالد ترامب والتيار المحافظ الصاعد في القارة. أما لولا فيقدم نفسه باعتباره المدافع عن استقلال القرار البرازيلي، رافضاً أن تتحول بلاده إلى تابع لأي قوة دولية. وهنا تكمن الأهمية الجيوسياسية الحقيقية للانتخابات. فالبرازيل ليست دولة لاتينية عادية: إنها أكبر اقتصاد في القارة، وقوة زراعية وطاقوية هائلة، وعضو مؤثر في مجموعة بريكس، وصاحبة وزن استثنائي في ملفات الأمازون والموارد الطبيعية والعلاقات مع الصين. ولهذا فإن فوز فلافيو لن يكون مجرد انتقال من اليسار إلى اليمين. سيكون، في نظر كثيرين، إعادة تموضع للبرازيل داخل النظام الدولي. أما فوز لولا فسيعني استمرار سياسة تعدد الشراكات، مع الحفاظ على مسافة استراتيجية من واشنطن وتعميق العلاقات الاقتصادية مع الصين.
إرث بولسونارو حاضر في صندوق الاقتراع
المفارقة الكبرى أن جايير بولسونارو، رغم غيابه القسري عن السباق، يبقى أحد أهم المرشحين غير المرئيين في هذه الانتخابات. ابنه فلافيو لا يخوض المعركة باسمه وحده؛ إنه يحمل إرثا سياسيا كاملا، بما فيه خطاب الأمن الصارم، والمحافظة الاجتماعية، والعداء للمؤسسة السياسية التقليدية، والصدام مع المحكمة العليا. لكن هذا الإرث هو في الوقت نفسه مصدر قوة ومصدر ضعف. فأنصار بولسونارو يرونه رمزاً لمقاومة اليسار والمؤسسات التي يعتبرونها معادية لهم. أما خصومه فيرون في مشروع ابنه محاولة لإعادة إنتاج مرحلة شديدة الاستقطاب انتهت بأزمة مؤسساتية ومحاولة انقلابية أعقبت انتخابات 2022. جايير بولسونارو يقضي حالياً حكماً بالسجن لمدة 27 عاماً على خلفية محاولة الانقلاب، الأمر الذي جعل شعار العفو عنه جزءاً مركزيا من خطاب ابنه.
لولا: آخر حصون اليسار؟
لكن لولا لا يدخل هذه المعركة من موقع المنتصر المطمئن. صحيح أنه لا يزال يحظى بدعم قوي بين الفئات الأفقر وفي الشمال الشرقي، إلا أن حكومته تواجه ضغوطا اقتصادية ومالية، فيما يبقى الرفض الشعبي له مرتفعاً. المشكلة الأعمق أن البرازيل تبدو عالقة في ثنائية سياسية أنهكتها. فالمعركة لم تعد بين برنامجين اقتصاديين متمايزين بقدر ما أصبحت بين هويتين سياسيتين: البرازيل التي تريد حماية شبكاتها الاجتماعية واستقلال قرارها الخارجي، والبرازيل التي تريد الأمن، وتقليص دور الدولة، والانفتاح أكثر على اليمين الأميركي. وهذا يفسر لماذا بدت الحملة فقيرة في النقاش حول مستقبل البلاد بقدر ما كانت غنية بالاستقطاب. حتى المناظرات الرئيسية لم تستطع أن تكسر ثنائية لولا ـ بولسونارو.
ثلاثة احتمالات، وبلد واحد شديد الانقسام
إذا أعاد الناخبون لولا إلى السلطة، فلن تكون المهمة سهلة. سيواجه رئيسا منتصرا انتخابيا لكن أمامه كونغرس يميل بقوة إلى اليمين، واقتصادا يحتاج إلى معالجة اختلالاته المالية، ومجتمعاً منقسماً، وعلاقة أكثر توترا مع واشنطن. أما إذا انتصر فلافيو، فستكون الرسالة أكبر من حدود البرازيل: موجة اليمين المرتبط بترامب تكون قد وصلت إلى أكبر دولة في أميركا اللاتينية. وسيصبح ملف العفو عن والده، والعلاقة مع المحكمة العليا، واتجاه السياسة الخارجية، من أولى اختبارات السلطة الجديدة. ويبقى الاحتمال الأخطر: ألا تنتهي المعركة بانتهاء التصويت. فبعد تجربة 2022، لا يمكن التعامل مع احتمال الطعن السياسي في النتائج باعتباره سيناريو افتراضياً بعيداً. وكلما ضاق الفارق، أصبحت شرعية النتيجة نفسها جزءا من المعركة.
ليست انتخابات على رئيس فقط
ما يجري في البرازيل اليوم يتجاوز الاختيار بين لولا وفلافيو. إنه اختبار لقدرة الديمقراطية البرازيلية على الخروج من منطق الحرب السياسية الدائمة. فوز لولا سيؤكد أن الموجة اليمينية في أميركا اللاتينية لم تصبح قدرا محتوما. وفوز فلافيو سيعني أن البرازيل، بعد الأرجنتين ودول أخرى في القارة، دخلت بوضوح أكبر في المدار السياسي الجديد الذي تدفع به واشنطن. لكن أياً يكن الفائز، فإن الحقيقة الأكثر أهمية ستبقى خارج صناديق الاقتراع: البرازيل منقسمة، والقوة الاقتصادية الأكبر في أميركا اللاتينية أصبحت ساحة صراع جيوسياسي يتجاوز حدودها. ولهذا فإن انتخابات 2026 ليست فقط معركة على من يحكم البرازيل، بل على السؤال الأوسع: أي برازيل ستخرج من هذه الانتخابات، وأي أميركا لاتينية ستولد معها؟
