بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
في الشرق الأوسط، لا تسقط القنابل وحدها من السماء. تسقط معها الكلمات، والذاكرة، والتاريخ، وأحيانا تسقط الحقيقة نفسها، فتظل معلقة بين جثتين: جثة قتيل إسرائيلي يحمل صورة عائلته، وجثة طفل فلسطيني لا يحمل إلا غبار بيت كان ذات يوم اسما وعنوانا. في هذا المشهد المثقل بالرماد، خرج فابيان روسيل، مرشح الحزب الشيوعي الفرنسي للرئاسة، ليضع إصبعه على أكثر الجروح السياسية حساسية: أدان هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 ووصفه بأنّه «عمل إرهابي بربري»، ثم اتهم حكومة بنيامين نتنياهو بممارسة «إرهاب الدولة»، واضعا الحكومة الإسرائيلية وحماس في مواجهة «مرآوية» يرى فيها أن الطرفين يدمران شعبيهما ويغلقان أبواب السلام. الكلمات هنا ليست بريئة. إنّها تدخل إلى التاريخ مثل حجر في ماء ساكن. لكن السؤال الأصعب ليس: هل يحق لروسل أن يقول ذلك؟ بل: ماذا يحدث عندما تصبح اللغة نفسها ساحة حرب؟
في 7 أكتوبر 2023 قتل 1221 شخصا في الهجوم الذي شنته حماس وفصائل مسلحة أخرى على إسرائيل، بحسب الحصيلة التي أوردتها وكالة فرانس برس استنادا إلى أرقام إسرائيلية رسمية، وكان بين القتلى 51 فرنسيا. واقتيد 251 شخصا إلى غزة، بينهم 44 كانوا قد قتلوا بالفعل. إنها أرقام هائلة، لكن الرقم، مهما كبر، يظل عاجزا عن وصف أم تنتظر ابنا لن يعود، أو بيت صار بعد دقائق من الزمن ذاكرة فقط. وهنا تبدأ المعضلة الأخلاقية الحقيقية: هل تستطيع إدانة الجريمة الأولى من دون أن تمنح الجريمة التالية حصانة أخلاقية؟ وهل يتحول الدم، إذا كثر، إلى رصيد سياسي يسمح بدم آخر؟
منذ هوميروس، وربما قبل هوميروس، عرف البشر هذه الحيلة القديمة: حين يقتلني الآخر، يصبح قتلي له عدلا؛ وحين يقتل هو باسم ذاكرته، أقتل باسم ذاكرتي. وهكذا يتحول التاريخ من كتاب إلى سكين، ويصبح الماضي جنديا لا يموت. لكن التاريخ لا يمنح أحدا شيكا مفتوحا. إن مأساة 7 أكتوبر لا تحتاج إلى تبرير، كما أن موت المدنيين الفلسطينيين لا يحتاج إلى أن يكون مشروطا بإدانة حماس حتى يستحق الحزن. هذه ليست معادلة حسابية يكون فيها موت إسرائيلي خصما من موت فلسطيني. الإنسان ليس عملة في دفتر حساب الحرب. لقد قتل أكثر من 74200 فلسطيني، وفق وزارة الصحة في غزة، بحسب الأرقام التي أوردتها فرانس برس ومصادر إعلامية فرنسية، وهي أرقام تقول الأمم المتحدة إنها تعد ذات مصداقية، رغم أن مصدرها يقع تحت سلطة حماس. وهنا ينبغي للضمير أن يتوقف قليلا. ليس لكي يختار طرفا، وإنما لكي يرفض أن يتحول إلى طرف في آلة تبرير الموت.
فمصطلح «إرهاب الدولة» الذي استخدمه روسيل ليس مجرد شتيمة سياسية. إنه مفهوم شديد الثقل، لأن الدولة، بخلاف الجماعة المسلحة، تمتلك مؤسسات وجيشا وقوانين وسفارات ومحاكم، أي تمتلك، نظريا، أدوات تجعل القوة خاضعة للمسؤولية. لذلك فإن اتهام دولة بممارسة الإرهاب يستدعي سؤالا قانونيا وسياسيا بالغ الخطورة: هل استخدمت القوة وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، أم تحولت القوة نفسها إلى وسيلة لإخضاع مجتمع بأكمله؟ وهنا يجب أن نكون دقيقين: الوصف السياسي ليس حكما قضائيا. وإطلاق وصف «إرهاب الدولة» لا يحسم، بحد ذاته، المسؤولية القانونية عن جريمة محددة. هذه المسؤولية تبحث في ضوء الأدلة والقانون الدولي والمحاكم والهيئات المختصة. لكن رفض المصطلح سياسيا لا ينبغي أن يتحول بدوره إلى رفض للأسئلة التي أنتجته. والأسئلة كثيرة. متى تنتهي الحرب ويبدأ الانتقام؟ هل يمكن للدولة أن تقول: «نحن ندافع عن أنفسنا»، ثم يصبح كل ما تفعله تلقائيا دفاعا؟ هل يكفي أن يكون العدو تنظيما مسلحا كي يصبح المدنيون الذين يعيشون بجواره جزءا من المعركة؟ وفي الجهة الأخرى: هل يمكن لمظلومية تاريخية، مهما كانت عميقة، أن تمنح جماعة مسلحة حق قتل المدنيين؟
الجواب الأخلاقي البسيط، وربما الأصعب: لا. لا أحد يملك حق تحويل المدني إلى هدف، لا باسم الأمن، ولا باسم المقاومة، ولا باسم الدين، ولا باسم التاريخ. المشكلة أن السياسة لا تحب الأجوبة البسيطة. إنها تفضل المرايا. كل طرف يريد أن يرى جريمة الآخر واضحة كالشمس، وأن يرى جريمته هو غارقة في الضباب. وهذا بالضبط ما يجعل عبارة روسيل عن «المرآتين» جديرة بالتأمل، حتى لو اختلف المرء معها سياسيا أو قانونيا. فالمرايا المتقابلة تستطيع أن تنتج ممرا لا نهاية له من الصور: ضحية ترى نفسها في ضحية أخرى، وجلاد يكتشف فجأة أنه ضحية، وضحية تتحول تدريجيا إلى شاهد على عنف جديد، ثم يصبح العنف الجديد ذريعة لعنف أحدث. وهكذا لا تنتهي الحرب؛ إنها تتناسل.
لكن ثمة فارقا يجب ألا يضيع وسط هذا الضباب: وضع طرفين في «مرآة» واحدة لا يعني أن الجرائم متطابقة، ولا أن المسؤوليات متساوية، ولا أن التاريخ متشابه. المقارنة الأخلاقية تحتاج دائما إلى تفكيك الأفعال والسياقات والقوة والنية والقانون. وإلا تحولت فكرة «المرآة» نفسها إلى ستار يخفي الفروق بدل أن يكشفها. إسرائيل ليست مجرد حكومة، وحماس ليست الشعب الفلسطيني، واليهود ليسوا حكومة نتنياهو، والفلسطينيون ليسوا حماس. هذه الجملة، في زمن الاستقطاب، تبدو كأنها قنبلة صغيرة من العقل. فالشعوب لا تختزل في حكوماتها، كما لا تختزل الأمم في أكثر أصواتها تطرفا. وفي إسرائيل أصوات تعارض الحرب والسياسات الحكومية، وفي المجتمع الفلسطيني أصوات ترفض حماس والعنف وتطالب بالحياة والحرية. وربما تكون مأساة المنطقة أن هذه الأصوات، التي كان يمكن أن تصنع جسرا، تغرق تحت صراخ البنادق.
كان الفيلسوف إيمانويل ليفيناس قد جعل وجه الآخر امتحانا للأخلاق: الآخر ليس فكرة، بل وجه يطالبني بألا أقتله. وفي غزة وإسرائيل، يبدو أن السياسة فعلت العكس تماما؛ نزعت الوجه عن الإنسان وحولته إلى رقم، والرقم إلى إحصاء، والإحصاء إلى حجة. لكن الطفل لا يموت بوصفه رقما. يموت بوصفه عالما كاملا كان يمكن أن يولد منه شاعر أو طبيب أو عاشق أو إنسان عادي يشكو من غلاء الخبز وينسى مفاتيحه ويضحك من نكتة سخيفة. وهذا هو الشيء الذي لا تستطيع الأيديولوجيا فهمه: أن الإنسان أكثر اتساعا من القضية التي يموت من أجلها. لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي: «مع من أنت؟» بل: «ما الذي تستطيع أن ترفضه حتى عندما يفعله الطرف الذي تتعاطف معه؟» هل تستطيع أن تقول إن قتل المدنيين الإسرائيليين جريمة، وفي اللحظة نفسها تقول إن قتل المدنيين الفلسطينيين ليس قدرا ولا تفصيلا جانبيا؟ هل تستطيع أن تتضامن مع حق الفلسطينيين في الحرية من دون أن تتسامح مع جرائم حماس؟ هل تستطيع أن تعترف بحق الإسرائيليين في الأمن من دون أن تمنح أي حكومة حصانة أخلاقية أو قانونية؟
إذا كان الجواب نعم، فقد بدأنا أخيرا في مغادرة القبيلة. أما إذا كان الجواب لا، فنحن لا نبحث عن السلام، بل عن انتصار روايتنا الخاصة. والسلام، في جوهره، هو أن يتوقف الإنسان عن مطالبة الآخر بأن يموت كي تثبت روايته أنها صحيحة. فليست غزة مجرد بقعة على الخريطة، ولا 7 أكتوبر مجرد تاريخ في التقويم. إنهما اختباران هائلان للإنسان الحديث: هل يستطيع أن يرى ألمه من دون أن يعميه عن ألم خصمه؟ وهل يستطيع أن يدين الجريمة من دون أن يحتاج إلى جريمة أخرى كي يثبت عدالته؟ ربما كانت المأساة كلها أن الشرق الأوسط يعيش منذ عقود داخل غرفة مليئة بالمرايا، وكل طرف يظن أنه يحدق في عدوه، بينما هو، في الحقيقة، يحدق في نفسه. وإذا لم يكسر أحد تلك المرايا، فستظل الوجوه تتكاثر، والدم يتكرر، والتاريخ يعيد كتابة الجملة ذاتها بحبر أحمر: حين يصبح موت الآخر شرطا لبقائي، فإن الحرب تكون قد نجحت في إقناعنا بأن الإنسان هو المشكلة. وربما يكون السؤال الوحيد الذي يستحق أن يبقى بعد كل الخطب والبيانات والانتخابات والحدود والأسلاك والجدران هو هذا: كم من القتلى نحتاج كي نفهم أن الإنسان الذي نريد إنقاذه لن يولد من جثة إنسان آخر؟
