بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
ثلاثون صوتا، وستون عينا، وثلاثون احتمالا للشرود، وثلاثون خوفا صغيرا، وثلاثون حلما يحاول مدرس واحد أن يضع لها اسما على السبورة. ثم يقولون لنا: إنها مجرد أرقام. لكن الأرقام، حين تدخل المدرسة، ترتدي وجوها. في فرنسا التي يتظاهر فيها التلاميذ اليوم ضد ازدحام الأقسام، لا تكمن المفارقة في أنهم يقولون إنهم يجلسون أحيانا أمام خمسة وثلاثين أو تسعة وثلاثين زميلا، بل في أن الإحصاءات الرسمية نفسها تمنح غضبهم أساسا صلبا: متوسط عدد التلاميذ في أقسام التعليم العام والتكنولوجي بالثانويات بلغ 30.3 في 2023، بعد أن كان 27.1 سنة 1980 و29.7 سنة 1990. أي إن المدرسة التي كان يفترض أن تصبح أكثر قدرة على مرافقة الفرد، تبدو في أحد مؤشراتها وكأنها تعود إلى منطق الحشد. ولكن هنا يجب أن نتوقف. لأن الحقيقة أكثر تعقيدا من اللافتة التي تقول: «الأقسام مكتظة».
وزارة التربية نفسها تحذر من أن عدد التلاميذ في القسم لا يكفي وحده لقياس ظروف التدريس؛ فجزء من الدروس يتم في مجموعات، وعند احتساب ذلك يصبح متوسط عدد التلاميذ الذين يواجههم المدرس في الساعة في المسارات العامة والتكنولوجية نحو 24 تلميذا. وهذا التفصيل الصغير هو بالضبط ما يجعل القضية كبيرة. فالمدرسة هي بكمية الانتباه التي يستطيع النظام أن يمنحها لكل رأس. يمكن أن يكون في الغرفة ثلاثون تلميذا، ويظل التعليم جيدا. ويمكن أن يكون فيها عشرون فقط، لكن أحدا لا يرى التلميذ الذي بدأ يغرق بصمت في آخر الصف. المشكلة، إذن، ليست في الرقم وحده. المشكلة في الفلسفة التي تقف خلف الرقم.
منذ جان جاك روسو، لم تعد التربية مجرد ملء عقل الطفل بالمعلومات؛ صار الطفل نفسه موضوعا فلسفيا، كائنا له إيقاعه وفضوله وخطئه وحقه في أن ينمو خارج القوالب الجاهزة. ومنذ أن جعلت الجمهورية الفرنسية المدرسة أداة لصناعة المواطن، لم يعد القسم غرفة لتخزين الأطفال حتى انتهاء ساعات العمل، بل أصبح واحدا من المصانع الأكثر حساسية التي تنتج بها الدولة مستقبلها. وهنا تظهر المفارقة المرعبة: الدولة تستطيع أن توفر للطفل كتابا، وسبورة، ومقعدا، وامتحانا. لكنها لا تستطيع أن تضمن له أن أحدا رآه. والتعليم يبدأ، في جوهره، من هذه الرؤية. أن يلاحظ المدرس أن هذا التلميذ لم يعد يرفع يده. أن يفهم أن ذاك الذي يضحك باستمرار يخفي فشلا. أن يكتشف أن الفتاة الجالسة قرب النافذة لم تفهم الجملة الأولى، لكنها خجلت من السؤال. كل هذه التفاصيل لا تظهر في الجداول الإحصائية. ومع ذلك، قد تكون هي التعليم نفسه. لهذا يبدو احتجاج التلاميذ أعمق مما توحي به عبارة «35 في القسم». إنهم، ربما من دون أن يصوغوا ذلك فلسفيا، يقولون للدولة: لا نريد أن نكون مجرد كثافة سكانية داخل بناية مدرسية. نريد أن نكون أفرادا.
وهنا يدخل شبح الديموغرافيا. وزارة التربية تتوقع أن تفقد فرنسا نحو 1.68 مليون تلميذ بين 2025 و2035، وأن ينخفض عدد تلاميذ التعليم العام والتكنولوجي في الثانويات بنحو 173500 تلميذ، أي 10.8 في المائة. يا لها من مفارقة تكاد تكون أدبية! الأطفال يتناقصون، والأقسام تبدو أكثر ازدحاما. المستقبل الديموغرافي يفتح نافذة، لكن السياسة قد تختار أن ترى فيها ثقبا في الميزانية. هنا ينقسم الطريق. يمكن للدولة أن تقول: بما أن عدد التلاميذ سينخفض، فلنحتفظ بالموارد ونغلق الأقسام ونخفض الوظائف. ويمكنها أن تقول شيئا آخر أكثر جرأة: بما أن الأطفال أقل، فلنمنح كل طفل مساحة أكبر. ذلك هو الاختبار الحقيقي. فانخفاض عدد السكان المدرسيين ليس بالضرورة مشكلة. قد يكون، إذا أحسن التخطيط، أجمل هدية يمكن أن تقدمها الديموغرافيا للمدرسة. بدلا من ثلاثين، ربما يصبح الصف خمسة وعشرين. بدلا من المدرس الذي يركض بين ثلاثين ملفا، يصبح لديه وقت لقراءة دفتر تلميذ كامل. بدلا من أن تكون المدرسة آلة لإدارة الكثرة، يمكنها أن تصبح مكانا لاستعادة الفرد. لكن السياسة تنظر أحيانا إلى الطفل بوصفه رقما في جدول الميزانية. وهنا تبدأ المأساة الصامتة. حين ينخفض عدد التلاميذ، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: «كم مدرسا نستطيع أن نحذف؟» بل: «كم نوعا جديدا من التعليم نستطيع أن نخلق؟»
الفارق بين السؤالين هو الفارق بين دولة تدير المدرسة، ودولة تفكر في المستقبل. لقد تغيرت المدرسة الفرنسية مرات كثيرة منذ مدرسة الجمهورية في القرن التاسع عشر. كان المشروع آنذاك واضحا: اقتلاع الطفل من الجهل، وتعليمه القراءة والكتابة، وصناعة مواطن قادر على المشاركة في الحياة العامة. لكن القرن الحادي والعشرين طرح سؤالا مختلفا. المعلومة لم تعد نادرة. الهاتف يحمل مكتبة. الذكاء الاصطناعي يكتب. الإنترنت يشرح. الآلة تستطيع أن تسترجع آلاف الحقائق في ثانية. فما الذي يبقى للمدرسة؟ يبقى الإنسان. يبقى الحوار. يبقى الشك. تبقى القدرة على النظر إلى فكرة ومقاومتها. يبقى المدرس الذي يقول لتلميذه: «لا، لا أريد منك أن تحفظ الإجابة. أريد أن أعرف كيف وصلت إليها». وهذا كله يحتاج إلى وقت. والوقت، في التعليم، هو المورد الأكثر ندرة. لذلك فإن ازدحام الفصل ليس مجرد مشكلة لوجستية. إنه سؤال عن مقدار الديمقراطية الذي تستطيع المدرسة أن تمنحه. لأن الديمقراطية نفسها تبدأ حين يصبح لكل صوت مكان. في فصل يضم أربعين تلميذا، يمكن للمدرس أن يتحدث إلى الجميع، لكن هل يستطيع أن يسمع الجميع؟
وهنا ربما نفهم لماذا يصبح احتجاج التلاميذ سياسيا حتى عندما يبدأ من مقعد دراسي. التلميذ الذي يقول «لا أريد 39 زميلا في قسمي» لا يطالب فقط براحة أكبر. إنه يفاوض الدولة على نصيبه من الانتباه. والانتباه، في عصر الضجيج، أصبح شكلا من أشكال العدالة. لذلك سيكون من السهل جدا أن نرد على هؤلاء المراهقين بالقول إنهم لا يعرفون شيئا عن الاقتصاد، وإن الدولة تواجه أزمة مالية، وإن عدد الأطفال يتراجع، وإن هناك أولويات أخرى. لكن ربما ينبغي أن نسأل سؤالا أكثر إزعاجا: إذا كان عدد الأطفال سيتراجع فعلا، فما العذر في ألا تصبح المدرسة أفضل؟ البيانات الرسمية نفسها تضع أمام الدولة نافذة تاريخية. نعم، هناك انخفاض ديموغرافي متوقع، لكن هذا الانخفاض ليس قدرا سياسيا. إنه مورد يمكن استخدامه لتخفيف الضغط، أو يمكن تحويله إلى مجرد مناسبة لتقليص الإنفاق. والفرق بين الخيارين ليس تقنيا. إنه أخلاقي. لأن السؤال في النهاية ليس: كم يكلف المدرس؟ السؤال هو: كم يكلف أن ينشأ جيل كامل وهو يشعر أن الدولة لا تراه؟
ربما ستوفر الخزينة بعض الأموال. لكنها قد تدفع الفاتورة لاحقا في صورة فشل مدرسي، وإحباط، وفقدان ثقة، وتسرب، وشعور باللاجدوى. المدرسة لا تنتج الشهادات فقط. إنها تنتج علاقة الإنسان بالمجتمع. ومن يخرج من المدرسة معتقدا أن صوته لم يكن مسموعا قد يحمل هذا الشعور معه إلى الجامعة، والعمل، والانتخابات، والشارع. لهذا ينبغي ألا نخاف كثيرا من تلميذ يرفع لافتة أمام مدرسته. ينبغي أن نخاف أكثر من تلميذ لا يريد أن يقول شيئا. فالغضب، مهما كان صاخبا، لا يزال علامة على وجود علاقة. أما اللامبالاة فهي موت العلاقة. ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله فرنسا الآن ليس أن تقنع أبناءها بأن 30.2 أو 30.3 «رقم مقبول»، ولا أن تنتصر في معركة الأرقام، بل أن تسأل نفسها لماذا أصبح الرقم نفسه قادرا على إشعال الشارع. فالمدرسة ليست صندوقا هندسيا. إنها مكان تتكون فيه صورة الطفل عن العالم. إذا دخل إليها ورأى أمامه صفا مكتظا، ومدرسا منهكا، ووقتا ضيقا، ومؤسسة تقيسه باستمرار، فقد يتعلم درسا لم يكن في المنهج: أنك، في المجتمع الحديث، رقم قابل للإدارة. أما إذا دخل فوجد معلما لديه وقت ليسأله، ووقت ليسمعه، ووقت ليخطئ معه، فسيكتشف درسا آخر أكثر خطورة وجمالا: أن الإنسان ليس رقما. وهنا، ربما، تكمن المسألة كلها. ليس السؤال الحقيقي: هل عدد التلاميذ في الأقسام مرتفع فعلا؟
نعم، وفق السلاسل الإحصائية الرسمية، هو مرتفع تاريخيا في التعليم العام والتكنولوجي، وإن كانت صورة الواقع أدق من متوسط واحد بسبب التدريس في مجموعات. السؤال الأعمق هو: ماذا ستفعل فرنسا بهذا الانخفاض القادم في عدد أطفالها؟ هل ستعتبره فرصة لتقليص المدرسة؟ أم فرصة لتوسيع الإنسان؟ بين الخيارين تقع معركة صغيرة، تبدأ في فصل من ثلاثين مقعدا، لكنها قد تحدد شكل الجمهورية بعد عشرين عاما. لأن الحضارات لا تقاس فقط بما تبنيه من أبراج. أحيانا يكفي أن تنظر إلى عدد الأطفال في غرفة، وأن تسأل: هل هناك مكان لكل واحد منهم كي يتكلم؟ إذا لم يكن هناك، فربما ليست المشكلة أن الفصل ضيق. ربما المستقبل نفسه هو الذي بدأ يضيق.
