بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
في البدء كان الجسد. ليس الجسد الفينومينولوجي الذي تحدّث عنه ميرلو-بونتي، ولا الجسد-الرمز الذي فكّكته الأنثروبولوجيا، بل الجسد العاري في غرفة طبية، تحت ضوء نيون بارد، حيث تصبح المرأة كائنا يقاس، يجسّ، يفحَص. هناك، في تلك اللحظة التي تسبق اللمسة الأولى، تتقرّر أشياء لا علاقة لها بالطب. الاختيار. امرأة تبحث عن طبيبة امرأة. ليس دائما، ليس حتميا، لكن بنسبة تكفي لتشكّل ظاهرة اجتماعية. بحث نُشر في ScienceDirect يشير إلى أن النساء أكثر ميلا لاختيار طبيبة من نفس الجنس، خصوصا في التخصصات التي تتضمن كشفا جسديا حميميا. الرقم نفسه ليس صادما. ما يصدُم هو ما يقف خلفه. هل هو التماثل البيولوجي؟ هل لأنّ المرأة، بحكم جسدها، تعرف ما يعنيه أن يفتَح الجسد على مصراعيه أمام عينين غريبتين؟
ربما. لكنّ التفسير أعمق من تشابه الأعضاء. إنه تشابك بين الخوف والذاكرة والسلطة. الخوف له ذاكرة. النساء اللواتي عانين من “عنف نسائي-توليدي” (violences gynécologiques et obstétricales) يُطوّرن ما يشبه الخريطة العصبية للخطر: كلّ لمسة طبية تُعيد إنتاج الرعب القديم. دراسة أجرتها جمعية “StopVOG” في فرنسا، شملت أكثر من عشرة آلاف امرأة، كشفت أن ما يقارب 81% من المشاركات أبلغن عن “انتهاك واحد على الأقل لموافقتهن” خلال فحص طبي، وأنّ نحو 45% قلن إنهنّ تعرّضن لعنف نسائي-توليدي. الرقم ليس خطأً إحصائيا. إنه جدار. لكن هنا المفارقة: جزء كبير من هذه العنف مارسته نساء. أطباء إناث. “أسوأ تجاربي كانت مع طبيبة موجات فوق صوتية عنيفة”، تقول كاميل، 34 عاماً. وأورور، 26 عاماً، تُصرّح بأنّ “العنف النسائي الذي تعرّضت له لم يحدث إلا مع نساء”. الفكرة التي تقول إنّ “الأخت” ستفهمك، إنّ “الأنثى” سترأف بك، تنهار أمام واقع أنّ السلطة، عندما تُمارَس، لا تعرف جنسا.
فماذا تختار النساء حين يخترن؟ لا يخترن الجسد البيولوجي، بل نوعا من العلاقة. بحث نُشر في Patient Education and Counseling يُشير إلى أنّ تفضيل الطبيبة الأنثى “يفسَّر جزئيا بأسلوب تواصل أكثر تمركزا حول المريضة”. الطبيبات يمِلن إلى الإصغاء أكثر، إلى طرح أسئلة أكثر، إلى الاعتراف بالخوف بدل نكرانه. هذا ليس “طبيعة أنثوية”. إنه اجتماعي بحت. إنه التمركز حول المريض (patient-centered care) الذي أصبح فضيلة نادرة في نظام صحي يقاس بالكفاءة والسرعة والإنتاجية.
لكن هذا التفسير، رغم دقته، يخفي شيئا أعمق. فكرة أن المرأة تبحث عن طبيبة امرأة ليست مجرد بحث عن “أسلوب تواصل”. إنها بحث عن شفافية السلطة. في العلاقة الطبية، هناك عدم توازن بنيوي: الطبيب يعرف، المريض لا. الطبيب يرى، المريض يُرى. الطبيب يقرّر، المريض يخضع. عندما يلتقي هذا التوازن المنكسر بتاريخ طويل من سيطرة الرجل على جسد المرأة، يصبح الاختلاف الجنسي حاملا لثقل رمزي هائل. المرأة التي تختار طبيبة امرأة لا تختار “الأمان” لأنّ الأنثى أكثر أمانا. إنها تختار إزاحة رمزية للسلطة. تختار أن يكون الطرف الذي يملك المعرفة، الذي يمسك بأدوات التشخيص، الذي يقرّر متى يتوقف الفحص، هو طرف لا يعيد إنتاج السردية القديمة: الرجل الناظر، المرأة المنظور إليها.
لكن المفارقة الأعظم: هذا الاختيار نفسه، حين يصبح القاعدة، ينتج عالَما جديدا من عدم المساواة. الطبيبات يتحمّلن عبئا مضاعفا. المرضى النساء يتكدّسن عندهنّ. الرجال يصبحون، في بعض التخصصات، نادرين أو مرغوبين فقط للكفاءة المُثبتة. دراسة نشرت في Journal of Economic Behavior & Organization تُشير إلى أنّ الطلب على الطبيبات يفوق العرض، وأنّ حصول المرأة على موعد مع طبيبة امرأة يصبح أصعب كلما زاد عدد النساء الراغبات في هذا التطابق. الاختيار الحر ينتج، بشكل غير مقصود، نظاما جديدا من الطوابير والامتيازات. ثم هناك الأفق الأوسع: ماذا يعني أن تحتاج المرأة إلى “جنس” الطبيب لتشعر بالأمان؟ أليست هذه علامة على فشل جماعي؟ فشل في تدريب الأطباء-رجالا ونساء-على احترام الجسد، على الإصغاء، على الاعتراف بأنّ الفحص الطبي ليس مجرد إجراء تقني، بل موقف أخلاقي. الجمعية الأوروبية للبرلمان، في تقرير صدر مؤخرا دعت إلى “منع ومعالجة العنف النسائي-التوليدي” وشدّدت على “الموافقة والسلامة الجسدية والخصوصية والاستقلالية”. الوثيقة تعترف، ضمنياً، بأنّ ما يجري في غرف الفحص ليس شأنا خاصا، بل سياسة عامة.
المشكلة ليست في اختيار النساء لطبيبات. المشكلة في العالَم الذي جعل هذا الاختيار استراتيجية دفاعية. في العالَم الذي جعل الجسد النسائي أرضا متنازعا عليها، لا فقط في غرف الفحص، بل في كل مكان: في الإعلانات، في القوانين، في الأحاديث العابرة، في النظرات. غرفة الفحص ليست سوى المسرح الأخير لهذا النزاع. ربما، الاختيار ليس حرا. إنه ردّ فعل. إنه استجابة لجروح قديمة. والمرأة التي تختار طبيبة امرأة لا تختار جنسا بقدر ما تختار نوعا من العالَم: عالَم لا يكون فيه جسدها عرضة للعنف الخفي، عالَم لا يكون فيه الفحص الطبي إعادة إنتاج لصدمة، عالَم لا تحتاج فيه إلى حساب احتمالات الخطر قبل أن تخلع ملابسها. لكن هذا العالَم لا يُبنى بالاختيار الفردي. يُبنى بالاعتراف بأنّ ما يحدث في غرف الفحص ليس شأنا شخصيا. إنه، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، سياسيا.
