في حضرة رجل يحوّل حديقته الخلفية إلى قصر الرئاسة

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

في اللحظة التي يشتعل فيها الشرق الأوسط، وتُدفن فيه مدن كاملة تحت الركام، وتبعثَر فيه شعوب بين الحدود، كان رئيس أقوى دولة في التاريخ المعاصر مشغولا بشيء آخر. لم يكن يبحث عن وقف لإطلاق النار، ولا عن ممرّ إنسانيّ، ولا عن صفقة تنقذ أرواحا تحسب بالمئات كل يوم. كان يبحث عن مكان يلعب فيه الغولف. ليس أيّ مكان. بل مكان يصبح رسميا “مقرّ الرئاسة الشتوي”. منتجعه الخاص في فلوريدا، ذلك الذي يملكه ويربح منه ويقصده كل نهاية أسبوع، يريد الآن أن يُحوّله إلى “كامب ديفيد” جديد. لا لأنّه يحتاج إلى ذلك، بل لأنّه يستطيع. لأنّ حدود ما يمكن فعله قد انهارت منذ زمن، ولم يعد أحد يتذكّر أين كانت تقف بالضبط.

القصة ليست جديدة. منذ عودته إلى البيت الأبيض، لم يتوقف ترامب عن مسح الفاصل بين ما هو له وما هو للدولة. في سبتمبر الماضي، أرسل محاميه رسالة إلى مفوّضي مقاطعة بالم  بيتش، يعرض فيها أن يُخصّص ناديه “ترامب إنترناشونال” ليكون “ملعب غولف رئاسيا أمريكيا”، يستخدمه كل الرؤساء، السابقين والحاليين واللاحقين، وقادة الدول الزائرين. البناء سيكون على نفقته. هدية “للشعب الأمريكي”. لكنّ الهدية، كما نعرف، ليست مجانية أبدا. فالنادي يقع على أرض مستأجرة من المقاطعة نفسها، بموجب تسوية قضائية سابقة. والاقتراح يتضمّن أن “يمنح” ترامب للمقاطعة حقّ استخدام الأرض، التي ستؤجّرها بدورها للحكومة الفيدرالية. وبذلك يصبح ترامب، في وقت واحد، المالك والمستأجر والرئيس الذي يُفترض أن يشرف على الاتفاق. ثلاث شخصيات في جسد واحد.

لم يحدَّد بعد ما إذا كانت عائلة ترامب ستتلقّى تعويضا، أو ما إذا كانت الحكومة ستمتلك المنشأة. البيت الأبيض يقول إنّ الفكرة أتت من الجيش و”الخدمة السرية”، وإنّ الرئيس وصفها بـ”فكرة جيدة جدا”. الرئيس نفسه قال: “لن يكون هذا لي. سيكون لكل الرؤساء القادمين”. لكنّ الرجل الذي يمتنع، منذ سنتين، عن زيارة كامب ديفيد الحقيقي، ويقضي كلّ عطلة نهاية أسبوع في أحد منتجعاته، لا يبدو كمن يخطّط لخير  خلفائه. يبدو كمن يخطّط لشيء آخر: أن يصبح هو، جسده، هويته، اسمه، جزءا من المؤسسة الرئاسية نفسها. أن تتوقّف الرئاسة عن كونها منصبا، لتصبح علامة تجارية. الرقم الذي لا يمكن تجاهله: في أول عام له في البيت الأبيض، ربح ترامب من ناديه “ترامب إنترناشونال” 36.9 مليون دولار. ومن نادي مار-a-لاغو، مقرّه الشتوي غير الرسمي، 77.4 مليون دولار. الآن، هذه الأرقام مشروعة. الرجل رجل أعمال. لكن عندما يكون رجل الأعمال هو نفسه رئيس الدولة، وعندما يكون مقرّ الرئاسة الرسمي هو نفسه العقار الذي يدرّ عليه الملايين، فإنّ السؤال لم يعد عن الشرعية القانونية. يصبح السؤال عن طبيعة السلطة نفسها.

أرسطو قال إنّ السياسة هي استمرار الأخلاق بوسائل أخرى. لكن ماذا يحدث عندما تصبح السياسة استمرارا للتجارة؟ ماذا يحدث عندما تكون الدولة، بحدودها ورموزها وقراراتها، امتدادا لمحفظة شخص واحد؟ لا أحد يعرف الجواب. لأنّ الفلسفة السياسية لم تصمَّم لرجل يدير دولة كما يدير سلسلة فنادق. ولا لعالم تباع فيه الرئاسة كمنتج سياحيّ. المفارقة أنّ هذا يحدث في وقت يتحدّث فيه العالم عن “التراجع الديمقراطي”. لكن ما يفعله ترامب ليس تراجعا. إنه شيء أكثر غرابة: هو تحويل الديمقراطية إلى مشروع عائلي، وتفكيك فكرة “الخدمة العامة” إلى معاملة تجارية. الهدية التي يقدّمها ليست هدية. إنها استثمار في الأبدية. في أن يبقى اسمه على المبنى، ومكانه على الخريطة، بعد أن يرحل.

في نفس الأسابيع التي أعلن فيها عن هذا المشروع، كانت غزة تدفن تحت 60 مليون طن من الركام. أكثر من 1.9 مليون شخص، 90% من السكّان، مشرَّدون، كثيرون منهم شرّدوا أكثر من مرة. 80% من المباني إما مدمَّرة جزئيا أو كليا. الأطفال يجرّون أكياسا من الماء على عربات خشبية. المستشفيات تعمل بلا كهرباء، بالأدوية المنتهية الصلاحية، وبأيد لا تجد قفازات. “مجلس السلام” الذي أعلنه ترامب، والمفترض أن يُشرف على إعادة الإعمار، لم يُحوّل حتى الآن دولارا واحدا إلى حساب البنك الدولي. الأموال المليارية التي وُعدت بها غزة، لم تصل. إسرائيل لا تزال تحتفظ بسيطرتها على نحو ثلثي القطاع، وتشنّ غارات شبه يومية أسفرت عن مقتل أكثر من 1400 فلسطيني منذ بدء “وقف إطلاق النار” في أكتوبر 2025، بينهم مئات الأطفال.

ترامب نفسه، في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة، لم يذكر غزة إلا عابرا. كان مشغولا أكثر بوصف نفسه صانع السلام. لكنّ صانع السلام لا يترك غزة تحت الأنقاض سنتين، ولا يرسل “مجلسا للسلام” يتفرّج على المجاعة. الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين كتب عن “حالة الاستثناء” – تلك الحالة التي تتعطّل فيها القوانين، وتعلّق فيها الحقوق، ويصبح الحاكم هو القانون. لكن ما نراه اليوم ليس استثناءً. إنه القاعدة. الحرب دائمة، الأزمة دائمة، الاستثناء دائم. ومن داخل هذا الدوام، يجد ترامب وقتا للغولف. بل ليس فقط وقتا – بل رغبة. بل مشروعا. بل إرثا. هنا يزحف السؤال: هل هذا الرجل مجنون؟ أم أنه، ببساطة، المرآة التي تظهر لنا ما أصبحنا عليه؟ عالم فيه يباع فيه كلّ شيء، حتى مقرّ الرئاسة. عالم فيه يقاس نجاح رئيس بعدد الملايين التي جناها من ناديه، لا بعدد الأرواح التي أنقذها. عالم فيه تتحوّل “كامب ديفيد” من رمز للدبلوماسية إلى فكرة قابلة للاستثمار.

قد يبدو للبعض أنّ ربط منتجع غولف في فلوريدا بحرب في غزة هو ربط مصطنع. لكنه ليس كذلك. في الإثنين، نرى نفس المنطق يعمل: منطق التعامل مع العالم كأنّه ملكية خاصّة. ترامب لم يعد ينظر إلى الرئاسة كمسؤولية تجاه 330 مليون أمريكي، ولا تجاه العالم. ينظر إليها كمنصّة. غزة ليست مشكلة إنسانية بالنسبة له. إنها “ملف”. إنترناشونال غولف كلوب ليس ملعبا. إنه “أصل”. كلاهما يدار بنفس المنطق: ماذا يمكن أن أستفيد؟ في غزة، الحساب مختلف. لا يوجد ربح. لا يوجد عقار. لا يوجد منتجع. هناك فقط أنقاض. و2 مليون إنسان. و60 مليون طن من الخرسانة المفتَّتة. وترامب، رجل الأعمال، يعرف أنّ هذا لا يُدرّ أرباحا. لذلك غزة ليست في قائمة أولوياته. فلوريدا في القائمة. دائما. لكنّ التاريخ هو تلك اللحظات التي اختار فيها أحدهم أن يفعل الشيء الصحيح، لا الشيء المربح. وفي هذه اللحظة، في هذه السنوات، يبدو أنّ الشيء الصحيح لم يعد له لغة. أو ربما لغة واحدة فقط: لغة الغولف.

الجميع يسأل: هل ستُوافق المقاطعة؟ هل ستوقّع الاتفاق؟ هل سيكون هناك تعويض؟ هذه أسئلة صغيرة. الأسئلة الكبيرة مختلفة. ماذا يعني أن يكون لدينا رئيس يملك ويدير ويسكن في منشآت تصبح جزءا من مؤسسة الرئاسة؟ ماذا يعني أن يتحوّل الرمز إلى عقار؟ أن تصبح “كامب ديفيد” علامة مسجّلة؟ هذه ليست أسئلة قانونية. إنها أسئلة حضارية. أسئلة عن نوع العالَم الذي نبني، وعن القيم التي نُضحّي بها من أجل “فرصة اقتصادية”، وعن الأولويات التي نختارها عندما يكون الخيار بين إنقاذ مدينة وإنقاذ إرث شخصيّ. ربما لا يوجد جواب. ربما الجواب هو أنّنا، نحن، من سمحنا لهذا أن يحدث. من تفرّجنا على غزة تحت الأنقاض، وعلى غولف في فلوريدا، وعلى رجل يكتب سيرته الذاتية على حساب التاريخ. لكنّ التاريخ لا يكتبه رجال الأعمال. يكتبه الضحايا. ويكتبه أولئك الذين، في لحظة ما، يقرّرون أنّ العالَم ليس ملكية خاصّة، وأنّ الكرامة ليست سلعة، وأنّ الرئاسة ليست ناديا للغولف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *