الجمهور الدنماركي الحاضر الغائب
بقلم الإعلامي حميري البشير-كوبنهاكن
لم تعد التظاهرات الثقافية المقامة خارج الحدود مجرد مناسبات لعرض المنتوجات الوطنية أو استحضار الموروث الشعبي، بل أضحت واجهات استراتيجية للتعريف بالهوية الحضارية للدول، وأدوات فاعلة لبناء جسور التواصل بين الشعوب، وتعزيز الحضور الثقافي في الفضاء الدولي. ومن هذا المنطلق، يشكل معرض منتوجات الصناعة التقليدية المغربية، الذي احتضنته العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، مبادرة تستحق التنويه والتثمين، بالنظر إلى ما تحمله من إمكانات للتعريف بغنى التراث المغربي وتنوع روافده الحضارية، وما تتيحه من فرص لتقديم صورة مشرقة عن مغرب الأصالة والإبداع والتعدد الثقافي.
غير أن تثمين المبادرات الوطنية لا يتعارض مع إخضاعها للتقييم الموضوعي، بل إن النقد المسؤول يظل أحد الشروط الأساسية لتطويرها والارتقاء بأثرها. فحين يتعلق الأمر بصورة المغرب في الخارج، فإن الطموح لا ينبغي أن يقف عند حدود تنظيم التظاهرة وإقامة العروض الفنية وعرض المنتوجات التقليدية، وإنما يتعين أن يمتد إلى قياس مدى بلوغ الأهداف التي أُحدثت من أجلها، ومدى نجاحها في استقطاب الجمهور المستهدف، وتحويل الحضور الثقافي المغربي إلى رصيد حقيقي من التعارف والتقدير والتفاعل الإيجابي.
مبادرة واعدة في فضاء أوروبي متعدد الثقافات
تبرز أهمية تنظيم معارض الصناعة التقليدية المغربية في المدن الأوروبية، ومنها كوبنهاغن، باعتبارها فرصة لإخراج التراث المغربي من نطاق الاستهلاك المحلي إلى فضاء التعريف الدولي، وإتاحة المجال أمام الجمهور الأجنبي لاكتشاف المهارة المغربية، وما تختزنه من دقة في الصنعة، وثراء في الأشكال، وعمق في الدلالات الجمالية والرمزية. فالصناعة التقليدية المغربية ليست مجرد منتوج قابل للبيع والاقتناء؛ إنها حكاية أجيال من الحرفيين، وسجل بصري وملموس لذاكرة المجتمع، وتعبير عن قدرة الإنسان المغربي على تحويل المواد البسيطة إلى قطع فنية تنطق بالجمال والهوية. ومن الزليج والنقش على الخشب إلى النسيج والجلد والنحاس والخزف، تتجلى عبقرية الصانع المغربي في تفاصيل تحمل بصمات المكان، وخصوصية الثقافة، واستمرارية الإبداع. لذلك، فإن حضور هذه الصناعة في العاصمة الدنماركية كان يمكن أن يشكل مناسبة استثنائية لتوسيع دائرة التعريف بالمغرب، وترسيخ صورته بلدا يعتز بجذوره وينفتح بثقة على العالم.
عروض فنية لافتة وحضور مغربي وعربي متفاعل
من بين العناصر الإيجابية التي ميزت التظاهرة العروض الفنية والموسيقية التي قدمتها فرقة قادمة من المغرب، والتي لقيت تفاعلًا ملحوظًا من الحاضرين. فقد استطاعت هذه العروض أن تستقطب اهتمام الجمهور الموجود داخل القاعة، وأن تخلق أجواء من التفاعل مع مكونات من التراث الفني المغربي، في مشهد عكس قدرة الموسيقى والفنون على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية. كما سجل المعرض حضور أفراد من الجالية المغربية المقيمة بالدنمارك، إلى جانب مشاركين من جنسيات عربية مختلفة، من بينها الجالية العراقية، فضلا عن متابعين جاؤوا لاكتشاف الأنشطة المعروضة واقتناء منتوجات الصناعة التقليدية.
ويحسب لهذه المبادرة أنها وفرت فضاء للتلاقي بين الجاليات، وأتاحت لها فرصة استعادة جوانب من الذاكرة الثقافية المشتركة، والتعرف عن قرب على بعض مظاهر الإبداع المغربي. كما أن التفاعل مع العروض الفنية يؤكد أن الثقافة تظل لغة إنسانية قادرة على جمع الناس حول قيم الجمال والتنوع والانفتاح. وقد أضفى حضور السفيرة المغربية رفقة وفد مرافق طابعًا رسميًا على المناسبة، وعكس أهمية التمثيلية الدبلوماسية في مواكبة المبادرات الرامية إلى التعريف بالهوية الوطنية في الخارج. كما شكلت الكلمة التي ألقتها السفيرة محطة ضمن فقرات الحفل، وأسهمت في تأطير المناسبة وإبراز بعدها الثقافي والوطني. إن هذا الحضور الرسمي يكتسب قيمته حين يتكامل مع العمل التنظيمي والتواصلي، بما يضمن وصول الرسالة الثقافية إلى أوسع شريحة ممكنة من الجمهور المحلي، ويحول المناسبات الاحتفالية إلى فرص مستدامة للتعريف بالمملكة.

الغائب الحاضر: الجمهور الدنماركي وسؤال بلوغ الأهداف
على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الملاحظة الأساسية التي تستحق التوقف عندها تتمثل في محدودية حضور الفئة التي يفترض أن تكون في صلب استهداف مثل هذه التظاهرات، أي الجمهور الدنماركي. فقد بدا حضور أبناء الجالية المغربية والجاليات العربية أكثر وضوحا من حضور المواطنين الدنماركيين، الذين ظل إقبالهم، بحسب الملاحظات المسجلة خلال المعرض، محتشما مقارنة بالطموحات المنتظرة من هذه المبادرة. وهنا يبرز سؤال جوهري لا ينبغي تجاوزه: هل تمكن المعرض من الوصول إلى الجمهور الذي أُقيم أساسًا للتعريف بالمنتوجات المغربية لديه؟ وهل تحققت الغاية المتمثلة في جعل الصناعة التقليدية المغربية نافذة يطل من خلالها المواطن الدنماركي على ثقافة المملكة وتاريخها وخصوصياتها الحضارية؟
إن حضور الجالية المغربية والعربية مكسب لا ينبغي التقليل من شأنه، فهو يعكس ارتباط هذه الجاليات بذاكرتها الثقافية، وحرصها على متابعة المبادرات التي تعزز التعارف بين الثقافات. غير أن نجاح التظاهرة الموجهة إلى جمهور أجنبي ليس فقط بعدد الحاضرين من أبناء الجاليات، مهما كانت أهمية مشاركتهم، بل يتوقف أيضا على قدرتها على جذب الجمهور المحلي وإشراكه في تجربة ثقافية جديدة. والفرق كبير بين تنظيم نشاط يحظى بتفاعل إيجابي داخل دائرة المهتمين بالثقافة المغربية، وتنظيم حدث يتمكن من اختراق الدوائر الثقافية المعتادة والوصول إلى مواطنين لم يسبق لهم الاحتكاك المباشر بالمغرب وتراثه. إن الهدف ليس إقصاء الجاليات أو التقليل من دورها، وإنما توسيع دائرة المستفيدين من هذه المبادرات، حتى تتحول الجاليات إلى جسور للتواصل، ويصبح الجمهور المحلي شريكًا فعليًا في اكتشاف الثقافة المغربية، لا مجرد فئة غائبة عن المشهد.
من الاحتفاء بالتراث إلى التخطيط للإشعاع الدولي
إن محدودية حضور الجمهور الدنماركي، إذا تأكدت من خلال المعطيات التنظيمية والتقييم اللاحق، ينبغي ألا تقرأ باعتبارها حكما على قيمة التراث المغربي أو جاذبيته، بل باعتبارها مؤشرا يستدعي مراجعة آليات التواصل والترويج والتخطيط. فالجمهور لا يصل إلى المعارض الثقافية بمحض الصدفة في جميع الأحوال، ولا يكفي أن تنظم الفعالية لكي تصبح معروفة لدى الفئة المستهدفة. إن استقطاب الجمهور المحلي يتطلب استراتيجية متكاملة تبدأ قبل موعد التظاهرة بوقت كاف، وتستند إلى معرفة اهتماماته، واختيار قنوات التواصل التي يتابعها، وصياغة رسائل تعريفية واضحة بلغته، والاستفادة من المؤسسات الثقافية والإعلامية والجمعيات المحلية وشبكات التواصل الاجتماعي. ومن الضروري كذلك بناء شراكات مع الفاعلين الثقافيين في الدنمارك، بما في ذلك المؤسسات المهتمة بالحرف والفنون والتصميم والتراث، والهيئات التي تنظم الأنشطة المجتمعية، والفضاءات التي تستقطب العائلات والشباب والمهنيين. فهذه الشراكات من شأنها أن تضع المنتوج المغربي في سياق ثقافي مفهوم للجمهور المحلي، وأن تمنح المعرض امتدادا يتجاوز حدود القاعة التي احتضنته.
كما يمكن تعزيز جاذبية هذه التظاهرات من خلال تنظيم ورشات حية للحرف التقليدية، تتيح للزوار مشاهدة مراحل الإنتاج والتعرف إلى تقنيات الصنعة المغربية، وإشراك الحرفيين في تقديم شروحات مباشرة حول المواد والأدوات والدلالات الثقافية للمنتوجات. فالتجربة التفاعلية تترك أثرا أعمق من العرض الساكن، وتساعد الزائر على الانتقال من مجرد مشاهدة قطعة تقليدية إلى فهم القصة الإنسانية والثقافية التي تقف وراءها. ولا يقل أهمية عن ذلك إعداد مواد تعريفية باللغتين الدنماركية والإنجليزية، وتقديم معلومات دقيقة عن أصول المنتوجات ومناطق صناعتها، وربطها بخريطة المغرب الثقافية والسياحية. فكل قطعة تقليدية يمكن أن تكون مدخلا للتعرف إلى مدينة مغربية، أو مجال حرفي، أو تقليد اجتماعي، أو مسار تاريخي يعكس غنى المملكة وتنوعها.

التقييم الصريح شرط لتطوير التجربة
إن أول حضور ثقافي من هذا النوع في مدينة أوروبية يكتسب أهمية خاصة، لكنه يظل، في الوقت ذاته، تجربة قابلة للتطوير والمراجعة. ولا ينبغي أن يتحول الاحتفاء بالمبادرة إلى حاجز يمنع طرح الأسئلة الضرورية، كما لا يجوز أن يقود النقد إلى تبخيس الجهود التي بُذلت لإنجاحها. فالعمل الثقافي الجاد يحتاج إلى ثقافة مؤسساتية تجعل التقييم مرحلة أصيلة من مراحل الإنجاز، لا إجراء شكليا يأتي بعد انتهاء المناسبة. ومن شأن إعداد تقرير تقييمي عقب كل معرض أن يساعد على تحديد مكامن القوة والقصور، ورصد طبيعة الجمهور الذي حضر، ومدى تفاعله مع الأنشطة، وحجم الاهتمام بالمنتوجات المعروضة، وفعالية وسائل الترويج، ومدى تحقق الأهداف المعلنة.
ومن المفيد أيضا التمييز بين مؤشرات النجاح المختلفة؛ فنجاح العروض الفنية في استقطاب التفاعل لا يعني بالضرورة نجاح المعرض في استقطاب الجمهور المستهدف، كما أن الإقبال على اقتناء المنتوجات لا يكفي وحده للحكم على مدى تحقق أهداف التعريف الثقافي. ولكل غاية مؤشرات قياس تناسبها، ينبغي تحديدها مسبقا ومراجعتها بعد انتهاء الفعالية. إن مثل هذا التقييم لا ينتقص من قيمة المبادرة، بل يمنحها فرصة للنمو والاستمرار. فالتجربة الأولى قد تكشف عن جوانب لم تكن واضحة قبل التنفيذ، وتوفر معطيات عملية يمكن الاستفادة منها في تنظيم معارض مقبلة في كوبنهاغن أو غيرها من المدن الدنماركية. والأهم أن تكون المراجعة مبنية على الوقائع والمعطيات، لا على الانطباعات وحدها، وأن تتوزع المسؤولية فيها بين التخطيط والتواصل والتنفيذ والتقييم، من دون تحميل جهة بعينها مسؤولية نتائج قد تتداخل في تشكيلها عوامل متعددة.
الدبلوماسية الثقافية: صورة المغرب مسؤولية مشتركة
إن حضور المغرب في الخارج لا يتجسد في التمثيليات الرسمية وحدها، ولا في المشاركات الاقتصادية أو السياسية فحسب، بل يتجلى أيضا في قدرته على تقديم ثقافته إلى العالم بلغة معاصرة، تحفظ أصالتها وتكشف عن إمكاناتها. وتشكل الصناعة التقليدية إحدى أبرز أدوات هذه الدبلوماسية الثقافية، لأنها تجمع بين التراث والإبداع والاقتصاد، وتمنح الحرفي المغربي مكانة باعتباره حاملا للمعرفة ومساهما في صون الذاكرة الجماعية. كما أنها تفتح آفاقا للتعاون مع الأسواق الدولية، وتدعم فرص تسويق المنتوجات الوطنية، وتتيح التعريف بالمغرب من خلال تجربة ملموسة يستطيع الزائر رؤيتها ولمسها واقتناءها. لكن هذه الإمكانات تقتضي رؤية تتجاوز منطق المشاركة الظرفية. فمن المهم أن ترتبط المعارض بخطة تواصل مستمرة، وأن تستثمر نتائجها في بناء علاقات مع المؤسسات الثقافية المحلية، وأن تواكبها مبادرات رقمية وتعريفية تستمر حتى بعد انتهاء الحدث.
وهنا تتجلى مسؤولية مختلف الأطراف المعنية، من الجهات المنظمة والمؤسسات الثقافية إلى التمثيليات الدبلوماسية والفاعلين الاقتصاديين والجمعويين، في تنسيق الجهود وصياغة أهداف واضحة وقابلة للقياس. فالإشعاع الوطني لا يتحقق بمجرد عرض المنتوجات، وإنما ببناء تجربة متكاملة تجعل الجمهور الأجنبي يفهم قيمتها، ويتفاعل مع دلالاتها، ويخرج بانطباع إيجابي عن البلد الذي جاءت منه. إن المغرب، بما يملكه من تنوع ثقافي وموروث حضاري غني، يستحق أن يقدَّم إلى العالم في صورة تليق بمكانته وتاريخه. غير أن قوة هذه الصورة ترتبط، إلى جانب غنى المحتوى، بجودة التنظيم وفعالية التواصل والقدرة على تحويل المبادرات إلى نتائج ملموسة. إن الملاحظات المسجلة بشأن معرض كوبنهاغن لا تستهدف الانتقاص من قيمة الجهود التنظيمية أو الفنية، ولا التشكيك في أهمية حضور السفيرة والوفد المرافق، ولا التقليل من التفاعل الذي أبداه الجمهور المغربي والعربي. إنها دعوة إلى استثمار التجربة الأولى في بناء نموذج أكثر إحكاما، تكون فيه الفئة الدنماركية المستهدفة حاضرة بفاعلية أكبر، وتتحول فيه العروض الفنية والمنتوجات التقليدية إلى وسيلة حقيقية للحوار والتعارف. فالمطلوب في المعارض المقبلة ليس مجرد تكرار التجربة، وإنما تطويرها، من خلال تخطيط أدق، وترويج مبكر، وشراكات محلية أكثر اتساعا، ومحتوى تفاعلي يضع الزائر في قلب التجربة الثقافية المغربية، مع آليات واضحة لقياس النتائج وتقييم الأثر.
المغرب أكبر من معرض، وثقافته أوسع من قاعة
إذا كان من حق كل مبادرة أن تحظى بالتقدير، فإن من واجب كل تجربة أن تخضع للمراجعة. وبهذه الروح وحدها يمكن للخطوات الأولى أن تتحول إلى مسارات ناجحة، وللهفوات التنظيمية أن تصبح دروسا عملية، وللحضور المغربي في الدنمارك أن يكتسب إشعاعا يتناسب مع ثراء الثقافة الوطنية. إن محدودية حضور الجمهور الدنماركي، وفق الملاحظات المسجلة، تفرض سؤالا مشروعا حول مدى تحقق الأهداف الأساسية للمعرض، وتدعو إلى مراجعة أساليب استهداف الجمهور والتواصل معه، حتى لا تظل المبادرات الثقافية محصورة في دائرة من يعرفون المغرب سلفا، بدل أن تصل إلى من يُراد تعريفهم به. إن الرهان الحقيقي لا يكمن في تنظيم معرض آخر فحسب، بل في بناء تجربة ثقافية أكثر تأثيرا واستدامة، تجعل من الصناعة التقليدية مدخلا إلى التعريف بتاريخ المغرب وتنوعه الحضاري، ومن الموسيقى لغة للحوار، ومن الحرف اليدوية شهادة حية على إبداع الإنسان المغربي، ومن التواصل الثقافي رافعة لتعزيز الحضور الوطني في الفضاء الدولي. ولأن المغرب يستحق الأفضل، فإن الوفاء لصورته الحضارية يقتضي أن نحتفي بمبادراته، وأن نراجع أداءها بموضوعية، وأن نصحح ما يمكن تصحيحه بروح وطنية مسؤولة. فالأوطان لا تتقدم بالمجاملات وحدها، وإنما بالعمل المتقن، والنقد البناء، والتعلم المستمر من التجارب.
إن نجاح الدبلوماسية الثقافية المغربية في كوبنهاغن، وفي سائر المدن الدنماركية مستقبلا، لن يكون فقط بما يُعرض داخل القاعات، بل بما يتركه ذلك العرض من أثر في وعي الجمهور المحلي، وما يفتحه من آفاق للتعارف والتعاون، وما يضيفه إلى صورة المغرب باعتباره وطنا للتعدد والإبداع والأصالة والانفتاح. ذلك هو التحدي الذي ينبغي أن يتحول إلى فرصة: أن نجعل من كل معرض بداية لعلاقة أعمق بين المغرب والعالم، وأن نثبت أن الاعتزاز بالهوية لا يكتمل إلا بحسن تقديمها، وأن الوطنية الحقيقية ليست في الادعاء بأن كل شيء قد تحقق، بل في امتلاك الشجاعة والإرادة لتحقيق ما نصبو إليه.
