قراءة تحليلية في التحولات المؤسسية والجيوسياسية والاقتصادية للمغرب
بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
ليس الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية الثانية عشرة، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، خطابًا بروتوكوليا تستدعيه روزنامة المؤسسات الدستورية، ولا محطة عابرة في مسار العمل البرلماني؛ بل هو خطاب تأسيسي لمرحلة جديدة، تتقاطع فيها إعادة ترتيب البيت المؤسسي، وترسيخ المكتسبات السيادية، وإعادة هندسة النموذج التنموي، وتعبئة الدبلوماسية الوطنية بمختلف روافدها، ضمن أفق استراتيجي عنوانه الانتقال بالمغرب من تدبير التحديات إلى صناعة شروط الانتصار المستدام. فإذا كان الخطاب الملكي الموجّه إلى الأمة خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة قد حمل أبعادًا حاسمة في سياق قضية الصحراء المغربية، فإن خطاب افتتاح البرلمان جاء ليمنح تلك التحولات امتدادها المؤسساتي والسياسي والاقتصادي، واضعًا إياها في سياق دورة تشريعية جديدة، تمتد من 2026 إلى 2031، وتقتضي الانتقال من تثبيت المواقف إلى بناء الوقائع، ومن تحصين المكتسبات إلى تحويلها إلى قوة إنتاج وتنمية ونفوذ إقليمي. إننا، وفق هذه القراءة، أمام خطاب يرسم ملامح مرحلة تتجاوز منطق الاستمرارية الإدارية إلى منطق التراكم الاستراتيجي، حيث لا تنفصل شرعية المؤسسات عن فعالية الأداء، ولا تنفصل السيادة الوطنية عن التنمية المجالية، ولا تنفصل المكاسب الدبلوماسية عن القدرة على تحويلها إلى مصالح اقتصادية ملموسة.
أولا: البعد المؤسساتي.. الديمقراطية باعتبارها رأسمالا استراتيجيا للاستقرار
يأتي افتتاح الولاية التشريعية الجديدة في لحظة دقيقة من مسار التطور المؤسساتي للمملكة، عقب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، وفي ظل مرحلة سياسية جديدة تتقدم فيها مسألة تجديد النخب، ورفع منسوب الفعالية الحكومية، وتعزيز الانسجام بين المؤسسات الدستورية، إلى صدارة الأولويات الوطنية. وفي هذا السياق، تستعيد القراءة التحليلية للخطاب الملكي دلالة التأكيد على أن الاستحقاقات الانتخابية لا تختزل في تنافس حزبي أو تداول عددي للمقاعد، وإنما تمثل تجسيدًا لاختيار ديمقراطي يكرّس انتظام المؤسسات، ويجعل التداول في تدبير الشأن العام جزءًا من التطبيع الديمقراطي الذي يحصّن الدولة ويعزز قدرتها على مواجهة التحولات الإقليمية والدولية.
إن الرسالة الاستراتيجية هنا واضحة: الاستقرار ليس مجرد غياب للاهتزازات السياسية، بل هو قدرة المؤسسات على تجديد مشروعيتها، واستيعاب التنافس، وضمان استمرارية القرار العمومي، مع الحفاظ على الثوابت الكبرى للدولة. ومن هذا المنظور، تتحول الثقة المؤسساتية إلى رأسمال سياسي واقتصادي، تتأسس عليه جاذبية الاستثمار، وتتقوى بفضله قابلية الاقتصاد الوطني لاستقطاب الشراكات طويلة الأمد، في بيئة دولية تتزايد فيها المخاطر الجيوسياسية، وتشتد فيها المنافسة على التمويل والأسواق وسلاسل الإمداد. كما أن الرهان الحقيقي لهذه الولاية لا يكمن في مجرد تشكيل أغلبية برلمانية أو مباشرة العمل الحكومي، بل في بناء علاقة جديدة بين الشرعية الانتخابية والإنجاز الملموس، وبين الالتزام السياسي والنتائج الاجتماعية. فالمؤسسات لا تقاس فقط بسلامة إجراءاتها، وإنما كذلك بقدرتها على إنتاج الثقة، وتسريع الإصلاح، والاستجابة لتطلعات المواطنين. وعليه، فإن الاستقرار الذي يراهن عليه المغرب ليس استقرار الجمود، بل استقرار الحركة والتجدد، بما يسمح بتحويل التوافق حول الأولويات الاستراتيجية إلى قوة دفع داخل المؤسسات، ورافعة لتعزيز المكانة الاقتصادية والسياسية للمملكة.
ثانيا: البعد السيادي.. قضية الصحراء المغربية من تدبير النزاع إلى ترسيخ مخرجات التسوية
تشكل قضية الصحراء المغربية المحور الأكثر حساسية في القراءة الاستراتيجية للمرحلة الراهنة، بالنظر إلى تداخل أبعادها التاريخية والقانونية والدبلوماسية والأمنية والتنموية. وفي ضوء ما يطرحه الخطاب الملكي من استحضار للتحولات التي شهدها الملف، تبرز محاولة واضحة للانتقال من منطق إدارة نزاع ممتد إلى منطق تثبيت مرجعية التسوية السياسية، القائمة على المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الإطار الذي تدفع المملكة نحو تكريسه لحل سياسي واقعي ودائم ومتوافق عليه. إن استحضار محطة 31 أكتوبر 2025، وما ارتبط بها من تطورات أممية وفق المعطيات الواردة في هذه القراءة، لا يحمل دلالة زمنية فحسب؛ بل يعبّر عن تصور استراتيجي يعتبر أن التحولات في مواقف القوى الدولية والمؤسسات الأممية ينبغي ألا تبقى حبيسة البيانات والمواقف الدبلوماسية، بل يتعين أن تتحول إلى عناصر داعمة لمسار التسوية، وإلى أسس لتوسيع الاعتراف بالمقترح المغربي وتعزيز فرص تنزيله.
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين متكاملين: أولهما تثبيت المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها قاعدة الحل السياسي الذي تدافع عنه المملكة؛ وثانيهما تحويل التراكم الدبلوماسي إلى مسار قانوني وسياسي مستدام، مع مراعاة طبيعة الإجراءات الأممية ومتطلبات أي تسوية نهائية. فالمعركة الاستراتيجية لا تتعلق فقط بكسب المواقف، وإنما أيضًا ببناء شروط استقرارها، وتوسيع قاعدة الدول الداعمة، وتحصين المكتسبات من تقلبات السياق الدولي، وربطها بمصالح مشتركة تجعل التعاون أكثر جدوى من استمرار التوتر. ومن ثم، فإن الانتقال من التدبير إلى التكريس لا يعني افتراض انتهاء جميع جوانب النزاع بمجرد حدوث تحول دبلوماسي أو صدور قرار أممي؛ بل يعني العمل على جعل التسوية السياسية أكثر قابلية للتحقق، وأكثر رسوخًا في الحسابات الدولية، وأكثر اتصالًا بالوقائع التنموية والمؤسساتية على الأرض. وفي هذا الإطار، تكتسب عبارة المغرب الموحد، الممتد من طنجة إلى الكويرة، دلالتها الاستراتيجية باعتبارها تعبيرًا عن وحدة المجال الوطني في التصور السياسي للمملكة، وعن ضرورة ترجمة هذه الوحدة إلى تكامل اقتصادي ومجالي، يجعل الأقاليم الجنوبية جزءًا فاعلًا في هندسة النمو الوطني، لا مجرد موضوع للترافع الدبلوماسي.
ثالثا: البعد الاجتماعي والاقتصادي.. من المشاريع الكبرى إلى العدالة المجالية
إذا كانت الدبلوماسية ترسم فضاء الحركة الخارجية للدولة، فإن التنمية هي التي تمنح هذا الفضاء مضمونه المادي والاجتماعي. ومن هنا تبرز أهمية الدعوة إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وربطها بالأولويات التي ينبغي أن يحملها مشروع قانون المالية لسنة 2027. إن الرهان لا يتعلق بإضافة برامج جديدة إلى قائمة السياسات العمومية، بل بإعادة النظر في طريقة تصميمها وتنفيذها وتقييم أثرها، على نحو يضمن الانتقال من منطق التدخلات المتفرقة إلى منطق الالتقائية بين الاستثمار والبنيات الأساسية والحماية الاجتماعية والتشغيل والخدمات العمومية. وتتأسس هذه الرؤية على مبدأ جوهري: لا ينبغي أن تكون المشاريع الوطنية الكبرى في تعارض مع البرامج الاجتماعية، كما لا يجوز أن يتحول الإنفاق الاجتماعي إلى بديل عن الاستثمار المنتج. فالمعادلة الاستراتيجية تقتضي الجمع بين بناء الثروة وتوسيع قاعدة الاستفادة منها، وبين تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة أوراش مترابطة:
أولها، الحماية الاجتماعية، بما تعنيه من تعزيز قدرة الأسر على مواجهة المخاطر الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، وترسيخ البعد التضامني للدولة.
ثانيها، التشغيل والإدماج الاقتصادي للشباب، عبر الانتقال من المقاربات التي تكتفي بالتكوين أو الدعم الظرفي إلى سياسات تربط المهارات بالحاجات الفعلية للاقتصاد، وتشجع المبادرة المقاولاتية، وتوسع فرص العمل المنتج.
ثالثها، العدالة المجالية، من خلال توجيه الاستثمار والبنيات الأساسية والخدمات نحو المناطق التي تعاني اختلالات تنموية، بما يضمن توزيعًا أكثر توازنًا لفرص النمو، ويحد من الفوارق بين الجهات والمراكز الحضرية والمجالات القروية.
وتكتسب هذه الأولويات أهمية إضافية في الأقاليم الجنوبية، حيث تتقاطع التنمية المحلية مع رهانات الاندماج الاقتصادي الوطني، وتعزيز الربط اللوجستي، واستثمار المؤهلات البحرية والطاقية والتجارية، وتوسيع فرص التشغيل والاستثمار. إن قوة النموذج التنموي لا تقاس بحجم المشاريع المعلنة وحده، وإنما بقدرته على إنتاج أثر اجتماعي مستدام، وبمدى انعكاس الاستثمارات على حياة المواطنين، وبمقدار ما تتيحه من فرص فعلية أمام الشباب والمقاولات والاقتصادات المحلية. ومن ثم، فإن التحدي المطروح أمام الحكومة والبرلمان لا يقتصر على المصادقة على الاعتمادات المالية، بل يشمل ضمان جودة الإنفاق، والرفع من نجاعة التنفيذ، وتحسين التنسيق بين السياسات القطاعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.
رابعا: البعد الدبلوماسي.. تعبئة الدبلوماسية البرلمانية والحزبية في خدمة المصالح العليا
في سياق التحولات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، تكتسب الدعوة إلى الارتقاء بأداء الدبلوماسية الحزبية والبرلمانية أهمية تتجاوز حدود التنسيق المؤسساتي المعتاد. إنها دعوة إلى توسيع دائرة الفعل الخارجي للمملكة، وتعبئة مختلف مكونات الحقل السياسي الوطني للدفاع عن المصالح العليا للبلاد، في إطار من التكامل مع الدبلوماسية الرسمية. فالدبلوماسية المعاصرة لم تعد حكرا على القنوات الحكومية التقليدية، بل أصبحت منظومة متعددة المستويات، تتداخل فيها العلاقات البرلمانية، والروابط الحزبية، والشراكات الاقتصادية، والتواصل المؤسساتي، ومراكز البحث والتأثير، والفاعلون المدنيون.
ومن هذا المنطلق، يمكن للدبلوماسية البرلمانية أن تضطلع بأدوار محورية في بناء شبكات الثقة مع المؤسسات التشريعية الأجنبية، وشرح المواقف المغربية، وتوسيع قاعدة التفاهم حول المبادرة المغربية للحكم الذاتي، ومتابعة التطورات التشريعية التي تمس المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة. كما تستطيع الدبلوماسية الحزبية أن تسهم في بناء جسور التواصل مع القوى السياسية النظيرة، وتوضيح رهانات الاستقرار الإقليمي، وتطوير علاقات التعاون على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية. غير أن فعالية هذه الدبلوماسية تظل مشروطة بتجاوز الخطاب العام نحو العمل المؤسسي المنظم، القائم على المعرفة الدقيقة بالملفات، وتوحيد الرسائل الأساسية، وتحديد الأولويات، وتقييم النتائج. فالتعدد في قنوات التعبير لا ينبغي أن يتحول إلى تشتت في المواقف، والتنوع في المبادرات لا يجوز أن ينتج تضاربا في الرسائل. المطلوب هو تعددية وظيفية تتحرك داخل رؤية استراتيجية مشتركة، وتتكامل مع الدبلوماسية الرسمية بدل منافستها أو الحلول محلها. وفي هذا المعنى، يصبح البرلمان أكثر من مؤسسة للتشريع والرقابة؛ إنه فضاء للدفاع عن المصالح الوطنية، وأداة لتوسيع النفوذ السياسي، ورافعة لتثبيت الشراكات التي تدعم الاستقرار والتنمية.
خامسا: الشراكة المغربية الإسبانية والأوروبية.. من التبادل التجاري إلى هندسة الاعتماد المتبادل
تمثل العلاقة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي أحد الأعمدة المادية الأكثر أهمية في هذه المعادلة الاستراتيجية، بالنظر إلى كثافة الروابط التجارية والاستثمارية، وتداخل المصالح المرتبطة بالأمن والهجرة والطاقة والبيئة والتنقل وسلاسل الإنتاج. وفي هذا الإطار، ينبغي قراءة تطور العلاقات المغربية الأوروبية ضمن مسار يتجاوز الاتفاقيات التجارية في معناها الضيق، نحو بناء شراكة متعددة الأبعاد، تتأسس على المصالح الاقتصادية المشتركة، وتستند إلى الاستقرار السياسي، وتتطلب قدرًا متزايدا من التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية.
أ- الاتفاقات التجارية والأبعاد القانونية: الاقتصاد بوصفه أداة لترسيخ الشراكة
يكتسب إدماج الأقاليم الجنوبية في العلاقات الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي أهمية خاصة، لما يحمله من أبعاد تجارية وتنموية وسياسية. فكلما اتسعت الروابط الاقتصادية، وتعمقت الاستثمارات، وتطورت سلاسل الإمداد المشتركة، ازدادت الحاجة إلى توفير إطار قانوني واضح ومستقر ينظم المبادلات ويحمي مصالح مختلف الأطراف. غير أن قراءة هذا المسار تقتضي التمييز بين الترتيبات التجارية الجاري العمل بها، ونطاق تطبيقها القانوني، ومآلات الطعون أو الإجراءات القضائية المرتبطة بها. فالتعاون الاقتصادي يمكن أن يعزز المصالح المشتركة، لكنه لا يلغي بذاته التعقيدات القانونية والمؤسساتية التي قد تحيط ببعض الملفات. وعليه، فإن القيمة الاستراتيجية للاتفاقات لا تكمن فقط في حجم المبادلات التي تتيحها، وإنما كذلك في قدرتها على توفير الاستقرار التنظيمي، وتحفيز الاستثمار طويل الأمد، وتوسيع فرص الإنتاج والتصدير، وتعزيز الاندماج الاقتصادي للأقاليم الجنوبية ضمن الفضاء الوطني وشبكات التجارة الدولية. إن هذا البعد يمنح الشراكة الأوروبية وظيفة تتجاوز التبادل التجاري المباشر؛ فهي تصبح جزءًا من بنية المصالح المتشابكة التي تدعم التعاون وتزيد كلفة القطيعة على جميع الأطراف.
ب- إسبانيا.. شريك محوري في معادلة الاستقرار الإقليمي
تحتل إسبانيا موقعًا متقدمًا في هذه المعادلة، بحكم الجوار الجغرافي، والروابط الاقتصادية، وتشابك المصالح الأمنية والإنسانية، فضلًا عن مركزها داخل الاتحاد الأوروبي. ومن ثم، فإن تطوير الشراكة المغربية الإسبانية لا يمكن اختزاله في المبادلات التجارية أو في التقارب السياسي الظرفي؛ بل ينبغي النظر إليه باعتباره استثمارًا استراتيجيًا في إدارة المجال الإقليمي المشترك، وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي، وتعزيز الاستقرار في غرب المتوسط. وتزداد أهمية هذا المسار حين تتقاطع الأولويات المغربية والإسبانية في مجالات الطاقة المتجددة، والربط اللوجستي، والصناعة، والأمن البحري، والهجرة، ومكافحة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
كما أن العلاقات الاقتصادية الكثيفة بين البلدين تتيح إمكانات إضافية لبناء شراكات إنتاجية، تتجاوز منطق تصدير السلع واستيرادها نحو التعاون الصناعي والاستثماري، وتطوير سلاسل قيمة مشتركة، وتوسيع فرص المقاولات الصغيرة والمتوسطة في السوقين. لكن تحويل هذا الترابط إلى شراكة استراتيجية متينة يتطلب وضوحًا قانونيًا، واستمرارية سياسية، وتوازنا في المصالح، وقدرة على إدارة الملفات الخلافية دون السماح لها بإرباك مجمل العلاقات الثنائية. فالشراكة المستدامة ليست تلك التي تخلو من الاختلافات، بل تلك التي تمتلك مؤسسات وآليات تسمح بتدبيرها، وتحول دون انتقالها إلى أزمات تهدد المصالح المشتركة.
ج- الاعتماد الاقتصادي المتبادل.. من تشابك المصالح إلى استقرار استراتيجي
تقدم المؤشرات التجارية الواردة في هذه القراءة صورة عن عمق الروابط الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا، وعن المكانة التي يحتلها السوق المغربي في العلاقات التجارية الإسبانية. غير أن الأرقام الدقيقة المتعلقة بترتيب الشركاء التجاريين، وقيمة الصادرات والواردات، ينبغي ربطها بالسنة المرجعية والمصدر الإحصائي المعتمد قبل اعتمادها في الاستنتاجات النهائية. ومع ذلك، فإن الدلالة الاستراتيجية العامة تظل قائمة: عندما تصبح الاقتصادات مترابطة عبر التجارة والاستثمار والإنتاج والنقل والطاقة، فإن استقرار العلاقات يتحول إلى مصلحة مادية مشتركة، لا مجرد خيار سياسي.
هذا الاعتماد المتبادل لا يشكل ضمانة مطلقة ضد الأزمات، ولا يعني أن المصالح الاقتصادية تلغي التباينات السياسية؛ لكنه يرفع كلفة التصعيد، ويوسع حوافز الحوار، ويمنح التعاون المستمر قيمة أكبر لدى الحكومات والفاعلين الاقتصاديين. ومن هنا يمكن فهم الشراكة المغربية الإسبانية والأوروبية باعتبارها عنصرًا من عناصر الاستقرار الإقليمي، شريطة أن تتجاوز مستوى المبادلات التجارية إلى بناء مصالح طويلة الأمد، وتطوير مشاريع مشتركة، وتعزيز التكامل في القطاعات الاستراتيجية. إن الرهان المغربي لا ينبغي أن يقتصر على جعل الشركاء الأوروبيين أكثر ارتباطًا بالسوق الوطنية، بل يتعين أن يمتد إلى ترسيخ موقع المملكة بوصفها منصة للإنتاج والتصدير والربط بين أوروبا وإفريقيا، بما يتيح تحويل الجغرافيا إلى ميزة تنافسية، والعلاقات السياسية إلى قيمة اقتصادية، والمكاسب الدبلوماسية إلى فرص تنموية قابلة للقياس.
سادسا: البرلمان بوصفه ذراعا تنفيذية للتوجه الاستراتيجي
في ضوء هذه الأبعاد المتداخلة، تتحدد الوظيفة الجديدة للبرلمان في الانتقال من الاكتفاء بأدواره التشريعية والرقابية التقليدية إلى الاضطلاع بمسؤولية أوسع في مواكبة التحولات الاستراتيجية للمملكة.فالبرلمان هو المؤسسة التي ينبغي أن تمنح الأولويات الوطنية إطارها التشريعي، وأن تراقب تنزيل السياسات العمومية، وأن تقيّم أثر البرامج التنموية، وأن تسهم في الدفاع عن المصالح المغربية من خلال الدبلوماسية البرلمانية. وتزداد هذه المسؤولية أهمية في ظل التحديات التي تطرحها المرحلة المقبلة، من تنفيذ الإصلاحات الاجتماعية، إلى تسريع الاستثمار، إلى تطوير البنيات الأساسية، إلى مواكبة التحولات القانونية والتجارية في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. وإذا كانت السلطة التنفيذية تضطلع بمسؤولية إعداد السياسات وتنفيذها، فإن البرلمان مطالب بضمان شروط الاستمرارية المؤسساتية، وتحسين جودة التشريع، ومراقبة الالتزام بالأهداف، والتأكد من أن المخصصات المالية تتحول إلى نتائج ملموسة. وهنا يتحدد الفارق بين برلمان يكتفي بتدبير الدورة التشريعية، وبرلمان يساهم في بناء دورة استراتيجية كاملة، تتكامل فيها التشريعات مع الاستثمار، والرقابة مع النجاعة، والتمثيل السياسي مع الدبلوماسية الاقتصادية.
من تثبيت المكتسبات إلى صناعة شروط استدامتها
إن القراءة الاستراتيجية لخطاب افتتاح الدورة التشريعية الجديدة تضعنا أمام ثلاث دوائر مترابطة من التحول. الدائرة الأولى سياسية وسيادية، تتعلق بتعزيز موقع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، ومواصلة العمل الدبلوماسي من أجل تسوية سياسية نهائية لقضية الصحراء المغربية، وتحصين المكتسبات ضمن المسارات الأممية والقانونية ذات الصلة. والدائرة الثانية مؤسساتية وتنموية، تقوم على تجديد فعالية المؤسسات، وربط الشرعية بالإنجاز، وإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية، بما يجعل الحماية الاجتماعية والتشغيل والعدالة المجالية مكونات أساسية في بناء القوة الوطنية. أما الدائرة الثالثة فهي اقتصادية وجيوسياسية، وتتمثل في تعميق الشراكة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، وتوسيع المصالح المشتركة، وتحويل الاعتماد الاقتصادي المتبادل إلى رافعة للاستقرار والتنافسية والتنمية، دون الخلط بين قوة الترابط الاقتصادي وبين الحسم التلقائي لكل الخلافات السياسية أو القانونية.
وتلتقي هذه الدوائر الثلاث عند حقيقة استراتيجية واحدة: إن المكاسب السياسية لا تصبح نهائية بمجرد تحققها في الخطاب الدبلوماسي، وإنما تترسخ بقدر ما تجد ترجمتها في المؤسسات والقوانين والاستثمارات والوقائع الاقتصادية والاجتماعية. ومن هذا المنظور، لا ينبغي اختزال المرحلة المقبلة في الحديث عن نهاية النزاع أو إغلاق ملف على المستوى الدولي، بقدر ما ينبغي فهمها باعتبارها انتقالا إلى معركة مختلفة في طبيعتها وأدواتها: معركة تثبيت المكتسبات، واستكمال شروط التسوية، وتوسيع قاعدة الشراكات، وتسريع التنمية، وتحويل وحدة المجال الوطني إلى وحدة في الفرص والإنتاج والاندماج الاقتصادي. إن التحدي الحقيقي أمام الولاية التشريعية الممتدة من 2026 إلى 2031 لن يكون فقط في مواكبة التحولات التي عرفتها المملكة، بل في قدرتها على تحويلها إلى نتائج مستدامة، تعزز ثقة المواطنين في المؤسسات، وترفع تنافسية الاقتصاد الوطني، وتدعم مكانة المغرب داخل محيطه الإقليمي والدولي.
وهكذا، يصبح البرلمان أكثر من فضاء للتشريع والمساءلة؛ إنه إحدى الأدوات المركزية لترجمة الرؤية الاستراتيجية للدولة إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، وشراكات قابلة للاستدامة، ومكاسب قابلة للتحصين. إن المغرب، وفق هذا المنظور، لا ينتقل من مرحلة إلى أخرى بمجرد تغير الظروف الدولية، بل بقدرته على تحويل هذه الظروف إلى فرص، والمكتسبات إلى مؤسسات، والتوافقات إلى مصالح مشتركة، والسيادة إلى تنمية شاملة. وهذه هي، في جوهرها، معادلة المرحلة الجديدة: سيادة راسخة، ومؤسسات فعالة، وتنمية عادلة، ودبلوماسية متعددة الروافد، وشراكات استراتيجية تجعل الاستقرار خيارًا متبادل المصالح، وتجعل المستقبل مجالًا لصناعة القوة الوطنية لا مجرد انتظار لتحولات الخارج.
