حين يرى ترامب الإسلام في جرس المدرسة

كيف تُسرق احتجاجات فرنسا من أصحابها،

وكيف تحولت الهجرة إلى مفتاح يفتح به اليمين أبواب كل شيء

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك شيء غريب يحدث في الغرب، شيء يشبه أن يستيقظ رجل في نيويورك على صوت حريق في باريس، فيقرر، من دون أن يقترب من النار، أن يعرف لونها ورائحتها واسم الرجل الذي أشعلها. في فرنسا، ينزل الطلاب إلى الشوارع لأن مدارسهم تضيق بهم، ولأن الأقسام مكتظة، والمدرسين ناقصين، والبنية التعليمية في أماكن كثيرة تتآكل، ولأن جيلا كاملا يشعر بأن المدرسة التي يفترض أن تكون سلّمه إلى المستقبل بدأت تشبه غرفة انتظار طويلة أمام باب لا يفتح. وقد انضم إليهم مدرسون وطلاب جامعات ونقابيون، واتسعت التعبئة إلى حركة وطنية كبيرة. وفي السادس من أكتوبر، تحدثت وزارة الداخلية عن 256 ألف متظاهر في أنحاء البلاد، بينهم 56 ألفا في باريس، بينما رفع المنظمون العدد إلى 450 ألفا في عموم فرنسا. ثم ظهر دونالد ترامب. لم يقرأ جرس المدرسة. قرأ الإسلام. لم يسمع شكوى المدرس. سمع الهجرة. لم ير تلميذا يطالب بمزيد من المدرسين. رأى، كما قال، بلدا «يستولي عليه الإسلام». وهنا لا تعود المسألة مجرد تصريح سياسي مثير للجدل. هنا تبدأ قصة أكبر. قصة اختطاف الواقع.

ما لهؤلاء الناس مع الإسلام؟

السؤال ليس استفزازيا كما يبدو. إنه سؤال سياسي حقيقي. لماذا، كلما اهتز مجتمع غربي، ظهرت الهجرة في غرفة الاتهام قبل أن تنتهي الشرطة من جمع الأدلة؟ لماذا صار الإسلام في بعض الخطابات السياسية مثل المفتاح السحري الذي يُفتح به كل باب: أزمة السكن، الجريمة، المدارس، التضخم، الهوية، البطالة، الانتخابات، الأمن، وحتى احتجاجات الطلاب؟ هل أصبح الإسلام تفسيرا أم أصبح وقة سياسية للتفسير؟ ترامب لم يكتف بالقول إن الهجرة مشكلة فرنسية، أو إن سياسات الاندماج ينبغي أن تناقش، أو إن فرنسا تواجه أزمة هوية. لقد قام بخطوة أكثر حدة: أخرج التعليم من المشهد تقريبا، وقال إن الأمر لا يتعلق بالمدارس، بل بالإسلام والهجرة. وهذه الجملة، في جوهرها، ليست تفسيرا للمظاهرات بقدر ما هي إعادة كتابة لها. فالسياسي الذي يقول للمتظاهرين: «أنتم لا تعرفون لماذا تتظاهرون، وأنا أعرف» لا يشرح الاحتجاج. إنه يصادره.

الطالب الذي خرج من أجل مدرس، فعاد إلى الشاشة مهاجرا

تخيل, قارئي العزيز, المشهد: شاب فرنسي يخرج من منزله. يحمل حقيبته. يمشي نحو المدرسة. ثم إلى الشارع. يهتف من أجل التعليم. يريد أستاذا في القسم. يريد مدرسة لا تسقط من التعب. يريد مستقبلا لا يبدو مثل ممر طويل من الانتظار. وفي المساء، يفتح هاتفه. فيكتشف أن رئيس الولايات المتحدة يقول إن مظاهرته ليست عن المدرسة أصلا. إنها عن الإسلام. يا لهذه المسافة بين الحياة والتفسير! إنها المسافة نفسها التي تفصل المرآة عن الصورة التي يرسمها شخص آخر على المرآة. لقد خرج الطالب ليقول: «أريد مدرسة أفضل.» فجاء الخطاب السياسي وقال له: «أنت جزء من معركة الحضارات.» وهذه واحدة من أخطر الحيل السياسية في عصرنا. أن تأخذ شكوى صغيرة وحقيقية، ثم تنفخ فيها حتى تصبح وحشا إيديولوجيا.

المدرسة التي اختفت من الكلام

الوقائع المتاحة عن الحركة الفرنسية تقول شيئا مختلفا. المحتجون يشتكون من نقص الموظفين والمدرسين، ومن تدهور ظروف الدراسة، ومن الاكتظاظ، ومن البنية المدرسية، ومن الضغط الدراسي، ومن القلق بشأن المستقبل والولوج إلى التعليم العالي. وتظهر في شهادات الطلاب مشكلات يومية شديدة المادية: دورات مياه متدهورة، ساعات طويلة، اكتظاظ، نقص في العاملين، وقلق من المستقبل. هذه ليست لغة «الحرب الدينية». هذه لغة الميزانية. لغة الفصل الدراسي. لغة المستقبل. لغة شاب ينظر إلى حياته بعد عشر سنوات ولا يجد أمامه سوى ضباب كثيف. لكن الميزانية أقل إثارة من الإسلام في الحملات السياسية. والمعلم الغائب أقل إثارة من المهاجر. والسبورة المتهالكة لا تصلح بسهولة مادة انتخابية عابرة للمحيط الأطلسي. وهنا تتدخل السياسة. السياسة لا تحب دائما أكثر المشكلات أهمية. إنها تحب أحيانا أكثر المشكلات قابلية للتسويق.

ترامب لم يتحدث إلى فرنسا فقط

هذه النقطة هي مفتاح قراءة كلام ترامب. الرئيس الأميركي لا يتحدث عن فرنسا في فراغ. كلامه جاء قبل أقل من شهر من انتخابات التجديد النصفي الأميركية في الثالث من نوفمبر، وفي وقت تشير فيه التقارير إلى صعوبات تواجه الحزب الجمهوري وإلى أن تكلفة المعيشة ما زالت مصدرا مهما لعدم الرضا لدى الناخبين الأميركيين. لذلك ينبغي أن نسأل: هل كان ترامب يفسر فرنسا، أم كان يستخدم فرنسا لكي يتحدث إلى أميركا؟ ربما هذا هو السؤال الأكثر أهمية. لأن فرنسا في الخطاب السياسي الأميركي ليست دائما فرنسا. أحيانا تكون مسرحا أجنبيا لانتخابات داخلية. يضع السياسي صورة احتجاج فرنسي على الشاشة الأميركية، ثم يقول للناخب: «انظروا ماذا سيحدث لكم إذا لم تستمعوا إليّ.» وهكذا تتحول باريس إلى ملصق انتخابي في ولاية أميركية. والطالب الفرنسي إلى تحذير انتخابي للناخب الأميركي. والهجرة إلى المطرقة. والإسلام إلى الظل الذي يُلقى فوق كل شيء.

إنها سياسة الخوف حين تسافر بالطائرة

لقد أصبحت السياسة الحديثة بارعة في تصدير الخوف. الخوف لا يحتاج إلى جواز سفر. يعبر الأطلسي أسرع من الخبر. صورة حريق في باريس تكفي. لقطة لمظاهرة تكفي. حجارة في شارع تكفي. ثم تأتي الجملة: «هذا ما سيحدث لكم.» إنها من أقدم تقنيات السياسة وأكثرها فعالية. لا تقل للناس ماذا سيحدث. أرهم صورة مخيفة لما قد يحدث. ثم قدم نفسك باعتبارك الرجل الذي يستطيع إيقافه. هكذا يصبح الخارج مرآة للداخل. فرنسا ليست موضوعا. إنها تحذير. والاحتجاج ليس خبرا. إنه ذخيرة انتخابية.

لكن هل فرنسا بلا مشاكل مرتبطة بالهجرة؟

هنا يجب أن نكون أكثر دقة. أن نرفض تفسير ترامب لا يعني أن ننكر وجود مشاكل حقيقية حول الهجرة في فرنسا. فرنسا تواجه منذ سنوات نقاشات حادة حول الاندماج، والتمييز، والأمن، والإسلام السياسي، والهوية الوطنية، والفوارق الاجتماعية والمجالية، والعلاقة بين الجمهورية والدين. هذه ملفات حقيقية. لكن وجود هذه الملفات لا يعني أن كل حادثة فرنسية هي نتيجة لها. وهذا فرق جوهري. يمكن أن تكون الهجرة موضوعا سياسيا مهما، وأن تكون في الوقت نفسه ليست سبب الاحتجاج الذي نتحدث عنه. يمكن أن يكون الإسلام موضوعا للنقاش العام، من دون أن يكون الإسلام هو الذي دفع الطلاب إلى إغلاق أبواب المدارس. يمكن أن تكون الضواحي الفرنسية تعاني من مشكلات مركبة، من دون أن يتحول كل صراع اجتماعي إلى حرب بين الإسلام والغرب. وهنا تحديدا يقع الخطأ المنهجي في خطاب ترامب: تحويل وجود المشكلة إلى تفسير لكل مشكلة.

من حقائق متعددة إلى عدو واحد

هذه هي الكيمياء الغريبة للشعبوية. تأخذ خمسة عشر سببا. تطحنها. ثم تخرج لك سببا واحدا. الهجرة. أو الإسلام. أو اليسار. أو النخب. أو «النظام». ثم يصبح كل شيء مفهوما. وكل شيء قابلا للصراخ. لكن الواقع لا يعمل هكذا. المدرسة ليست صندوقا مغلقا. هي نقطة التقاء الاقتصاد، والأسرة، والدولة، والطبقة الاجتماعية، وسوق العمل، والهجرة، واللغة، والسكن، والسياسة التعليمية، والميزانية العامة، والصحة النفسية، والتكنولوجيا، والجامعة، وسوق الوظائف. وحين يأتي سياسي ويقول: «إنه الإسلام» فهو يفعل شيئا شديد الراحة. إنه يحول شبكة معقدة من الأسباب إلى وجه واحد. ثم يطلب منك أن تخاف من الوجه.

أخطر ما في خطاب ترامب أنه بسيط

البساطة ليست دائما فضيلة. أحيانا تكون السكين التي تقطع الواقع إلى نصفين. هناك خطاب سياسي يقول: المدارس سيئة لأن هناك نقصا في المدرسين. هذا خطاب ممل. يحتاج إلى ميزانية. وإصلاح إداري. وتفاوض مع النقابات. وتخطيط طويل. وإصلاح بنية تحتية. أما الخطاب الآخر فيقول: الإسلام والهجرة هما المشكلة. هذا خطاب مذهل في بساطته. لا يحتاج إلى إصلاح مدرسة. ولا إلى توظيف مدرس. ولا إلى قراءة ميزانية. يكفي أن تشير إلى شخص آخر. وهنا تكمن قوة الشعبوية. إنها تقدم لك عدوا قابلا للرؤية بدلا من مشكلة تحتاج إلى عمل.

ومن هنا تبدأ مأساة المسلمين

المسلم الفرنسي، في هذه المعادلة، لا يعود مواطنا. قد يصبح رمزا. وهذه كارثة. فالمواطن يمكن أن يكون مدرسا، وطبيبا، ومهندسا، وطالبا، وعاملا، وموظفا، وجارا، وناخبا. أما «المسلم» في الخطاب الشعبوي فقد يتحول إلى كائن سياسي أحادي البعد. لا تاريخ له. لا اختلاف داخليا بينه وبين غيره. لا مواطنة. لا طبقات اجتماعية. لا آراء مختلفة. فقط «الإسلام». وكأن مئات الآلاف من البشر يمكن اختصارهم في كلمة واحدة. هذا هو التجريد السياسي. حين تُسحب من الإنسان تفاصيله حتى يصبح شعارا.

الإسلام في الخطاب السياسي: من الدين إلى المتهم الدائم

ثمة شيء أكثر عمقا يحدث هنا. الإسلام لم يعد يظهر في بعض الخطابات السياسية بوصفه دينا فقط. إنه يظهر بوصفه مسرحا سياسيا. كلما احتاج السياسي إلى تفسير أزمة حضارية، استدعى الإسلام. كلما احتاج إلى تعريف «الداخل» و«الخارج»، ظهر المسلم عند الحدود. كلما أراد رسم خط بين «نحن» و«هم»، أصبح الدين مادة بناء الجدار. وهكذا يتحول الإسلام من دين يمارسه ملايين البشر في حياتهم الخاصة والعامة إلى شخصية في مسرحية الخوف السياسي. وهذه المسرحية لا تهم المسلمين وحدهم. إنها تفسد أيضا فهم المجتمعات الغربية لنفسها. لأن المجتمع الذي يرى كل أزماته في صورة عدو خارجي يعجز عن رؤية عيوبه الداخلية.

هل كل مشكلة في الغرب قادمة من الحدود؟

هنا ينبغي أن نطرح سؤالا أكثر قسوة. إذا كان كل شيء سببه الهجرة، فمن المسؤول عن المدارس؟ من المسؤول عن الميزانيات؟ من المسؤول عن إدارة الدولة؟ من المسؤول عن التخطيط؟ من المسؤول عن توزيع الموارد؟ من المسؤول عن الفوارق الاجتماعية؟ من المسؤول عن البنية التحتية؟ من المسؤول عن إعداد المدرسين؟ من المسؤول عن المستقبل الذي لا يثق به الشباب؟ هل يعقل أن تكون كل هذه المؤسسات عاجزة فقط لأن مهاجرا عبر البحر أو الحدود؟ هذه الفكرة ليست تفسيرا. إنها إعفاء سياسي من المسؤولية. فإذا كان العدو هو الخارج، يمكن للداخل أن يغسل يديه.

لكن الشارع الفرنسي ليس بريئا بالكامل أيضا

التحليل الجاد لا يعني أن نضع المتظاهرين جميعا في ثوب القديسين. التقارير تتحدث عن مواجهات وأعمال عنف وحرائق واعتقالات، وعن إصابات بين الشرطة والمتظاهرين. وفي السادس من أكتوبر وحده تحدثت وزارة الداخلية عن 488 موقوفا و43 شرطيا مصابا، بينما بلغت الاعتقالات منذ 28 سبتمبر أكثر من 6500 وفق أرقام الوزارة. هذه الوقائع لا ينبغي تبريرها. لكنها لا تعني أيضا أن أصل الاحتجاج هو ما قاله ترامب. يمكن أن تكون هناك أعمال عنف داخل حركة احتجاجية. ويمكن أن تكون هناك مطالب تعليمية مشروعة في الحركة نفسها. ويمكن أن تكون هناك أخطاء من الشرطة. ويمكن أن يكون هناك متظاهرون يرتكبون جرائم. كل ذلك يمكن أن يكون صحيحا في اللحظة نفسها. الواقع لا يطلب منا اختيار حقيقة واحدة وإعدام البقية.

فرنسا لا تحتاج إلى مترجم أميركي لشرح غضب طلابها

ربما كانت أكثر جملة تكشف غرابة اللحظة هي أن فرنسا لم تطلب من واشنطن تفسير ما يحدث في مدارسها. هناك حكومة. هناك وزارة تعليم. هناك نقابات. هناك طلاب. هناك صحافة. هناك برلمان. هناك جامعات. هناك آباء. هناك ملايين الفرنسيين القادرين على الكلام عن مدارسهم. ومع ذلك، يصل الصوت من البيت الأبيض ليقول: «أنا أعرف ما يحدث لكم.» هنا تظهر مشكلة أعمق من ترامب نفسه. إنها مشكلة النظرة الإمبراطورية إلى الآخرين. حين تصبح الدولة القوية معتادة على تفسير العالم من موقعها، قد تتعامل مع الشعوب الأخرى كأنها شاشات تعرض عليها أمثلة. فرنسا تصبح مثالا. أوروبا تصبح مثالا. المهاجر يصبح مثالا. المسلم يصبح مثالا. والطالب الفرنسي يصبح ممثلا في مسرحية أميركية.

وحين يصبح الآخر مرآتنا

هذا هو الجزء الأكثر غرابة. ترامب لا يتحدث عن فرنسا فقط. هو يتحدث عن أميركا التي يخشاها أو يريد أن يخيفها. حين يقول للأميركي: «انظر إلى فرنسا، الإسلام والهجرة دمراها»، فهو لا يصف فرنسا بقدر ما يرسم للأميركي صورة مستقبلية يخاف منها. فرنسا هنا ليست بلدا. إنها مرآة سياسية. يضع فيها ترامب وجه أميركا. ثم يقول للناخب: «لا تجعلوا بلدكم يصبح هكذا.» وهذه التقنية شديدة القوة. لأن الخوف من المستقبل أقوى أحيانا من الغضب من الحاضر.

إنها عودة الرجل الذي لا يغادر المشهد

ترامب يعرف شيئا مهما عن السياسة الحديثة: لا تحتاج دائما إلى امتلاك التفسير الصحيح. يكفي أن تمتلك التفسير الذي يملأ الشاشة. لقد عاد الرجل إلى الساحة مرة أخرى، لا ببرنامج تعليمي فرنسي، ولا بخطة لإصلاح المدارس الفرنسية، وإنما بجملة قصيرة قادرة على إشعال آلاف الصفحات والتغريدات والبرامج الحوارية. هذه هي قوة ترامب. إنه سياسي يفهم اقتصاد الانتباه. يعرف أن الجملة الصادمة تسافر أبعد من التقرير الطويل. وأن «الإسلام» في الجملة السياسية أكثر قدرة على إشعال الخيال من «نقص المدرسين». وأن «الهجرة الجماعية» أكثر إثارة من «ميزانية التعليم». وأن الخوف، حين يصاغ في جملة واحدة، يستطيع أن يعبر القارات.

من المدرسة إلى الحرب الثقافية

وهنا يكمن الخطر الأكبر. إذا قبلنا أن كل مشكلة اجتماعية هي حرب ثقافية، فلن يبقى شيء اسمه سياسة عامة. ستتحول المدرسة إلى معركة هوية. والمستشفى إلى معركة هوية. والسكن إلى معركة هوية. والهجرة إلى معركة هوية. واللغة إلى معركة هوية. والشارع إلى معركة هوية. وفي النهاية يصبح المجتمع كله جيشين. لا أحد يصلح شيئا. الجميع يتهم الجميع. والسياسي يقف في المنتصف ممسكا بمكبر الصوت.

ماذا سيبقى بعد انطفاء المظاهرات؟

هذه هي النقطة التي يجب أن تقلق فرنسا بشأنها. ليس تصريح ترامب في حد ذاته. بل ما يمكن أن يفعله التصريح داخل السياسة الفرنسية. فالانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة تجعل كل اضطراب اجتماعي قابلا للاستثمار السياسي، وخصوصا من قبل اليمين المتطرف الذي يستطيع أن يعيد صياغة التعليم والأمن والهجرة والهوية في حزمة واحدة. وقد بدأت بالفعل محاولات متعددة لقراءة الاحتجاجات من خلال صراعات اليمين واليسار، فيما تسعى أطراف مختلفة إلى استخدام المشهد لتثبيت سرديتها عن فرنسا. وهكذا قد يحدث شيء بالغ الخطورة: يبدأ الاحتجاج بسؤال: «أين مدرسونا؟» وينتهي في الانتخابات بسؤال: «من سيحمي فرنسا من الإسلام؟» وبين السؤالين تضيع المشكلة الأصلية.

الجرس الذي لا يسمعه أحد

ربما لهذا السبب يجب أن نعود إلى المدرسة. إلى الطفل. إلى الأستاذ. إلى السبورة. إلى المقعد. إلى الكتاب. إلى الباب الذي يخرج منه الطالب كل صباح. لأن السياسة، حين تكبر أكثر من اللازم، تبدأ في نسيان الإنسان الذي كان سبب وجودها. المدرسة ليست حدودا. وليست مسجدا. وليست ثكنة. وليست ساحة حرب حضارات. إنها المكان الذي ينبغي أن يتعلم فيه الطفل كيف يقرأ العالم قبل أن يقرر من يخاف منه. والمفارقة المؤلمة أن بعض الخطابات السياسية تريد أن تجعل الطفل يتعلم العكس: أن يخاف قبل أن يفهم.

ما لي ولهؤلاء الناس مع الإسلام؟

ربما هذا هو السؤال الذي يظل معلقا فوق المشهد كله. ما لي ولهؤلاء الناس مع الإسلام؟ لماذا يحتاج السياسي إلى أن يراه خلف كل ستارة؟ لماذا أصبح المسلم، في بعض الخطابات، جوابا جاهزا قبل أن يُطرح السؤال؟ لماذا حين يعجز السياسي عن تفسير تعقيد المجتمع، يبحث عن دين يضعه في خانة المتهم؟ ربما لأن الخوف مربح. وربما لأن الإنسان يحب التفسيرات البسيطة. وربما لأن السياسة الانتخابية اكتشفت أن الهوية أقوى من الإحصاء. وربما لأن خصما غامضا أفضل من مشكلة إدارية مملة. وربما، وهذا أخطر الاحتمالات، لأن بعض السياسيين لم يعودوا يريدون حل المشكلات بقدر ما يريدون امتلاك الغضب.

ليست المشكلة في أن ترامب تكلم عن فرنسا

من حق رئيس الولايات المتحدة أن يبدي رأيه. ومن حقه أن ينتقد الهجرة الأوروبية. ومن حق أي سياسي أن يرى في سياسات الهجرة الفرنسية أخطاء جسيمة. النقاش مشروع. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الرأي بديلا عن الوقائع. وحين يصبح الإسلام تفسيرا شاملا لاحتجاج لا يقدمه المحتجون بهذه اللغة. وحين تختفي المدرسة من قضية المدرسة. وحين يتحول الطالب إلى مهاجر في خطاب لم يقل فيه إنه مهاجر. وحين يصبح المجتمع الفرنسي كله مجرد صورة في حملة انتخابية أميركية. هنا لا يعود الأمر نقدا لفرنسا. إنه إعادة تصنيع لفرنسا.

الغرب الذي يخاف من صورته

ربما لا يخاف الغرب اليوم من الإسلام وحده. ربما يخاف من صورته التي يراها في المرآة. يخاف من انخفاض الثقة بالمؤسسات. من الدين العام. من تفاوت الثروة. انهيار الخدمات العامة. من شيخوخة السكان. من صعود اليمين المتطرف. من تغير المدن. من أزمة الهوية. من المهاجر. من فقدان النفوذ. من المستقبل. ومن الشباب الذين لم يعودوا يصدقون الوعود القديمة. وحين تتراكم كل هذه المخاوف، يصبح من المغري أن تبحث السياسة عن وجه واحد تعلق عليه كل شيء.الإسلام وجه جاهز. الهجرة وجه جاهز. اليسار وجه جاهز. لكن المرآة، مهما كسرناها، لا تختفي.

الجرس ما زال يرن

سيذهب ترامب. سيأتي بعده آخرون. ستتغير الانتخابات. ستتغير الحكومات. سترتفع الشعارات ثم تسقط. وقد تتوقف الاحتجاجات غدا أو بعد أسبوع أو بعد شهر. لكن السؤال الذي كشفته هذه اللحظة سيبقى: هل نستطيع أن نتحدث عن مشكلاتنا كما هي، أم أننا أصبحنا بحاجة دائما إلى عدو لكي نفهم أنفسنا؟ إذا كانت مدرسة متهالكة، فلنصلح المدرسة. إذا كان المدرسون ناقصين، فلنوظف المدرسين. إذا كانت الهجرة تحتاج إلى سياسة، فلنضع سياسة. إذا كانت هناك مشكلة في الاندماج، فلنناقشها بصدق.

إذا كان هناك تطرف ديني، فلنواجهه بالقانون. إذا كان هناك تمييز، فلنقاومه. إذا كان هناك عنف، فلنحاسب مرتكبيه. لكن لا تفعلوا الشيء الأكثر سهولة: أن تأخذوا كل هذه المشكلات، تضعوها في كيس واحد، تكتبوا عليه كلمة «الإسلام»، ثم تضعوا الكيس عند باب المستقبل وتطلبوا من الناس أن يخافوا.ة لأن المجتمع الذي يخاف أكثر مما يفكر يصبح فريسة سهلة لكل سياسي يعرف كيف يعزف على الخوف. والطالب الذي خرج اليوم مطالبا بمعلّم قد يجد نفسه غدا بطلا في حرب ثقافية لم يخترها. والمعلم الذي طالب بميزانية أفضل قد يجد اسمه داخل معركة عن الهجرة. والمسلم الذي لم يكن له أي علاقة بالاحتجاج قد يستيقظ ليجد نفسه متهما في خطاب رئيس دولة عظمى. أما المدرسة، تلك المسكينة، فستظل في مكانها. بابها مغلق. صفوفها مكتظة. ومعلمها ينتظر. والجرس يرن. لكن العالم، بدلا من أن يسمعه، يتجادل حول الإسلام. وهذه ربما هي أكثر المفارقات ظلاما في المشهد كله: أن يصرخ جيل كامل مطالبا بمستقبل أفضل، فيأتي السياسي من الجانب الآخر من المحيط ليخبره أن مشكلته ليست المستقبل، بل المهاجر الذي جاء من الماضي. هنا لا يعود السؤال: ماذا يحدث في فرنسا؟ بل: من يملك حق تفسير ما يحدث؟ ومن يملك هذا الحق، يستطيع أحيانا أن يملك أكثر من الخبر. إنه يملك المعنى. وفي السياسة، من يملك المعنى يستطيع أن يجعل الحريق مدرسة، أو يجعل المدرسة حريقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *