حين يصنع الذوق أنواعا جديدة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في مكان ما من غرب أوروبا، في ربيع لا يشبه سواه، تلتقي سنونو قادمة من الشرق بذكر من أهل المكان. تنظر إليه، تزنه بنظرة واحدة، ثم تعرض عنه. ليس لأنه ضعيف، ولا لأنه أخرق، ولا لأنه لا يعرف الغناء، بل لأن ريشه باهت، شاحب، بلا ذلك اللون الذي اعتادتْه عيون إناث الشرق. في هذا الرفض الصغير، في هذه اللامبالاة العابرة، يولد شيء أكبر من الطيور نفسها: تولد حدود. حدود لا يرسمها نهر ولا جبل ولا جدار، بل يرسمها ذوق. والذوق، كما يقول الفلاسفة، هو أكثر الأشياء عنفا؛ لأنه لا يناقش. لا يمكنك أن تقنع أنثى سنونو بأن تحب ريشا لا تحبه. ولا يمكنك أن تفهم ذكرا أن أنوثة ما تريد مختلفا عن أنوثة أخته. هكذا، بهدوء، وبدون ضجة، تنفصل مسارات كانت متصلة، وتتشكّل أنواع جديدة. هذه ليست حكاية عن الطيور وحدها. إنها حكاية عن الحياة كلها، عن ذلك القانون الصامت الذي يحكم العالم منذ أربعة مليارات سنة: أن تختار، وأن تختار، وأن ترفض. الحيوان الذي لا يرفض لا يعيش، والأنثى التي لا تنتقي لا تنجب، والذكر الذي لا يبذل جهدا في العرض لا يترك أثرا. في هذا الميدان، حيث تتلاقى الجماليات مع الجينات، وحيث يتحوّل الغناء والعطر واللون إلى لغة سياسية بامتياز، يتشكّل مستقبل الأنواع. ليس بالضرورة عبر الصراع العنيف، بل عبر الاختيار الهادئ؛ الاختيار الذي هو أعظم سلطة في الطبيعة، وأخفى دكتاتورية، وأكثرها رحمة أيضا.

لنأخذ مثالا صغيرا، لكنه مذهل: قشريّ Jaera albifrons، ذلك الكائن المجهري الذي يعيش تحت الحجارة عند الجزر في المدّ المنخفض. ذكوره لا تغنّي ولا تنشر عطرا ولا ترقص في الهواء، لكنها تمتلك شيئا أغرب: فرشاة. نعم، فرشاة من شعيرات دقيقة على أرجلها، تمسح بها ظهر الأنثى. بعض الأنواع تفعل ذلك بشعيرات قصيرة كثيفة على الأرجل الخلفية، وأنواع أخرى بشعيرات طويلة منحنية على الأرجل الأمامية. الأنثى تنظر، وتلمس، وتشعر، ثم تقرّر. وفي هذا القرار الصغير، تنفصل الأنواع. لا يوجد جبل يفصل بينها، ولا يوجد نهر؛ فقط فرشاة مختلفة، ولمسة مختلفة، وذوق مختلف. هكذا يكتب تاريخ الحياة بأدوات لا يكاد يراها أحد. ما يحدث هنا هو شيء أقرب إلى الفلسفة منه إلى علم الأحياء. إنّه سؤال الهوية: ما الذي يجعلني أنا أنا، وأنت أنت، ونحن معا شيئا ثالثا؟ الجواب لا يكمن في الجينات وحدها، ولا في الجغرافيا وحدها، بل في تلك المنطقة الغامضة حيث تلتقي الرغبة بالشكل، وحيث يصبح الجمال معيارًا للبقاء. الأنثى لا تختار الأجمل لأنها تحب الجمال فحسب، بل لأن الاختيار قد يمنح نسلها فرصة أكبر للبقاء. لكنها، في اللحظة التي تختار فيها، تسهم في تشكيل عالم، وربما نوع، وربما مستقبل. وهذه ليست مسؤولية صغيرة.

لكن الحكاية ليست بهذه البساطة. ليست كل الفُرش تفرّق، ولا كل الألوان تجمع. أحيانا يكون الاختلاف قديما، مدفونا في الجينات قبل أن يظهر على الجسد. تولد السلالتان، ثم تلتقيان، فلا تتوافقان؛ لا لأن الذوق اختلف، بل لأن النسل لا يعيش. هنا يتدخل الانتقاء الطبيعي، إذ قد تحدّ الاختلافات الوراثية من بقاء النسل أو قدرته على التكاثر. الاختيار هنا ليس جماليا، بل وجودي. قد يصبح التوافق عاملا من عوامل البقاء، ويتحوّل الجمال، في بعض الحالات، إلى جزء من معادلة بيئية أوسع. وهذا يقودنا إلى السؤال الأكبر: لماذا كل هذا التنوع؟ لماذا ملايين الأنواع من الكائنات، لكلّ منها مشهد غزل خاص، ورائحة خاصة، ولون خاص، وطقس خاص؟ الجواب، كما يقول علماء التطور، يكمن، في جزء كبير منه، في هذه المسابقة المحمومة من أجل التكاثر. الأنثى تختار، والذكر يتنافس، ومع كل جيل قد تتشكّل صفات جديدة، وتنفصل جماعات، وتظهر أنواع. ليس لأن الطبيعة تريد ذلك، بل لأن التنوع قد ينشأ عن تفاعل آليات تطورية متعددة، من بينها الانتقاء الجنسي والانتقاء الطبيعي والعزلة الجغرافية. التنوع ليس هدفا مسبقا، بل نتيجة عمليات متراكمة. نتيجة لتاريخ طويل لا يرى ولا يسمع، لكنه يترك أثره في تاريخ الكوكب.

وفي كل هذا، يبقى سؤال الفلسفة الأول: من أين تبدأ الحدود؟ هل تبدأ من الذوق؟ أم من الجين؟ أم من الجبل الذي يفصل بين وادين؟ الحقيقة أن البداية لا ترى دائما. إنها لحظة لا يلتقطها أحد: لحظة يرفض فيها ذكر قادم من بعيد، أو تقبل فيها أنثى ذكرًا من قريب، أو تعزل صدفة مجموعة تحت حجر، أو يعزل البرد جيلا عن آخر. في هذه اللحظات الصغيرة، قد تولد الأنواع، وقد تتلاشى أنواع أخرى. الحياة ليست خطّا مستقيما من البسيط إلى المعقّد، بل هي شجرة متشعّبة، لا تسير نحو غاية محددة سلفا، ولا تعرف نهاية مضمونة. هنا، في هذه الفوضى المنظّمة، في هذا العالم الذي يقوم على اختيارات لا يعرفها أحد على وجه الدقة، نكتشف أن الجمال ليس زينة فحسب، بل قد يكون عاملا مؤثرا في البقاء والتكاثر. وأن الرغبة ليست انفعالا، بل قد تصبح قوة تطورية. وأن الانفصال ليس دائما مأساة، بل قد يكون إحدى طرق نشوء التنوع. كل جماعة قد تبتعد عن أخرى حين تتغيّر تفضيلاتها، أو حين تعجز عن التزاوج معها بنجاح. وهكذا، بهدوء، وبدون ضجيج، تنفصل الأنساب، وتتشكّل العوالم، وتتحوّل الحكاية إلى غابة.

يبقى سؤال واحد: هل نحن أيضا، كبشر، جزء من هذا المسلسل القديم؟ وهل ذوقنا، بألواننا وفرشاتنا الخفية، يرسم حدودا جديدة بين جماعاتنا؟ الجواب لا يأتي من علم الأحياء وحده، بل يحتاج أيضا إلى الفلسفة وعلم الاجتماع. نعم، قد تؤثر تفضيلاتنا الجمالية والاجتماعية في اختياراتنا، وقد تسهم الأعراف الثقافية في رسم حدود بين الجماعات؛ لكن التشابه الثقافي أو الجمالي لا يعني بالضرورة نشوء أنواع بيولوجية جديدة لدى البشر. فالتطور البشري أعقد من أن يختزل في الذوق وحده. وهكذا، كما تفرّعت الطيور على أغصان الجمال، تتشعّب التجارب البشرية على فروع الذوق والثقافة. الحياة لا تتوقف عند الجنس، ولا عند النوع، ولا عند الجين. إنها تمضي، متجدّدة، في اتجاهات متعددة: مزيد من التنوع، ومزيد من الفروع، ومزيد من الوحدة التي تتشعّب، والتفرّع الذي يولّد أشكالا جديدة من الحياة. والجمال، في هذا كله، ليس تفصيلا هامشيا؛ فقد يكون أحد المحركات الخفية والصامتة التي تسهم في تشكيل مسار التطور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *