الخطاب الملكي الذي وضع النقاط على الحروف
الدكتور عيسى بابانا العلوي
أستاذ العلوم السياسية والتاريخ
مقدمة
ذكّر صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في خطابه أمام البرلمان يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بالحق المشروع للمغاربة في الاعتزاز بهويتهم الدينية، في ظل إمارة المؤمنين، وبهوّيتهم الحضارية الغنية بتعدد مكوناتها. وفيما يلي المقتطف المعني: ” و من حق المغاربة أن يعتزوا بهويتنا الدينية الأصيلة، في ظل إمارة المؤمنين و بالهوية الحضارية المتميزة الغنية بتعدد مكوناتها ” وبهذه الكلمات الموجزة، جمع جلالة الملك بين ثلاثة أبعاد أساسية من التجربة المغربية: الوفاء للإسلام، والمسؤولية الدستورية الملقاة على عاتق إمارة المؤمنين، والاعتراف بإرث حضاري متعدد الروافد.
وتتمحور هذه الدراسة حول هذا المقتطف؛ إذ يكتسب تأكيد أحد الثوابت الدينية دلالة خاصة حين يخوض المجتمع نقاشاً حول تطور الحريات الفردية وإصلاح القانون الجنائي، ولا سيما الفصل 490 المتعلق بالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج. وإذا كان الخطاب الملكي لم يشر إلى هذا الفصل ولا إلى مقترحات تعديله، فإن تذكيره بالثوابت الوطنية يوفر إطاراً مناسباً لدراسة التوتر القائم بين القناعة الدينية ومسؤولية الدولة والاختيارات التشريعية. وتتمثل المسألة في فهم كيفية اندراج الهوية الدينية، في ظل إمارة المؤمنين، ضمن النظام الدستوري المغربي وتعايشها مع التعدد الحضاري للمملكة. كما تقتضي التمييز بين ما يدخل في نطاق المحظور الديني، وما يعاقب عليه القانون الجنائي اليوم، وما يظل موضوعاً للنقاش السياسي.
أولاً ـ إمارة المؤمنين وثوابت المملكة الدينية: النقاش حول الفصل 490 في ضوء الخطاب الملكي
في المقتطف المشار إليه من الخطاب الملكي، لا يكتفي جلالة الملك بالتنويه بإرث روحي، بل يذكّر بأن الهوية الدينية للمغاربة تندرج في سياق تاريخ وطني وإطار مؤسسي محدد، هو إمارة المؤمنين. والإشارة إلى هذه الوظيفة ليست مجرد عبارة تزيينية؛ فهي تدل، في إطار النظام الدستوري المغربي، على مسؤولية حماية الإسلام وضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية.
ينص الفصل الثالث من الدستور على أن «الإسلام دين الدولة». ويوضح الفصل 41 أن الملك، أمير المؤمنين، «يسهر على احترام الإسلام»، ويضمن حرية ممارسة الشؤون الدينية. وبناءً على ذلك، تفرض مؤسسة إمارة المؤمنين التزاماً بالامتثال العقدي على الجميع، داخل البلاد وخارجها، ولا يجوز لهيئة من هيئات معاهدات الأمم المتحدة أن تتجاهل ذلك من دون أن تنتهك الميثاق الدستوري السيادي للبلاد. كما يمنع الفصل 175 مراجعة الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي. وتكرّس هذه المقتضيات المكانة الدستورية الخاصة للإسلام في المملكة. والأمر أوضح من أن يحتاج إلى بيان.
وفي هذا الإطار يندرج النقاش حول العلاقات الجنسية خارج الزواج. فبحسب الفقه الإسلامي الكلاسيكي، تكون العلاقات الجنسية مباحة في إطار الزواج ومحرمة خارجه. وبالنسبة إلى المؤمنين الذين يلتزمون بهذا الحكم، لا يتعلق الأمر بمجرد عرف اجتماعي يمكن التخلي عنه تبعاً للتحولات، بل بنظام أخلاقي وديني يُدعى الفرد والجماعة إلى الوفاء له. وقد اكتسبت هذه المسألة في المغرب بعداً سياسياً عندما تحدث عبد اللطيف وهبي، وزير العدل آنذاك، سنة 2023 عن احتمال رفع التجريم عن العلاقات الرضائية خارج الزواج في الفضاء الخاص، مع ترك كيفية الإصلاح مفتوحة. وكانت تلك تصريحات بشأن إصلاح مطروح، لا إعلاناً عن صدور قانون جديد. ويعاقب القانون الجنائي النافذ، بموجب فصله 490، العلاقات الجنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما رابطة الزواج.
وبالنسبة إلى شريحة واسعة من المجتمع المغربي، لا يشكل رفع التجريم عن هذا السلوك مجرد تعديل تقني للقانون الجنائي، بل قد يُنظر إليه باعتباره تغييراً في الطريقة التي تحمي بها الدولة قاعدةً يعدّها هؤلاء المواطنين جزءاً أصيلاً من مرجعيتهم الدينية، أو تتخلى بها عن حمايتها. وهنا يكتسب المقتطف الملكي، في تقديرنا، دلالة خاصة؛ إذ يمكن قراءة تأكيد الاعتزاز بالهوية الدينية والتذكير بإمارة المؤمنين باعتبارهما تجديداً للتأكيد على الثوابت التي ما فتئت المملكة تتمسك بها. ومن ثم، يمكن القول إن التذكير الملكي بالهوية الدينية في ظل إمارة المؤمنين يأتي في سياق تتناول فيه نقاشات مجتمعية مكانة الإسلام في التشريع وفي تحديد مفهوم الصالح العام.
ونرى كذلك أن مسؤولية الدولة ينبغي أن تُفهم في حدود القانون الدستوري. فلا يمكن وصف الدولة المغربية بأنها غير مبالية بالإسلام؛ إذ يمنحه الدستور مكانة حاسمة، ويعهد إلى الملك، بصفته أمير المؤمنين، بمهمة السهر على الشأن الديني. ومع ذلك، يرى بعضهم أن مسألة ما إذا كان الحظر الديني يستوجب عقوبة جنائية، وماهية هذه العقوبة، تظل موضع نقاش قانوني وسياسي مستقل، حتى مع سريان القانون الجنائي في هذا المجال. فالدفاع عن احترام قاعدة دينية، والمطالبة بالإبقاء عليها في القانون الجنائي، ومناقشة فعالية العقوبة أو آثارها، مسائل مترابطة، لكنها ليست متطابقة. ولا ينتقص هذا التمييز من قيمة القناعة الدينية. بل يتيح، في نظر آخرين، الدفاع عنها على أسس راسخة: فالإسلام ثابت دستوري وتاريخي للمملكة؛ والعلاقات الجنسية خارج الزواج تعدّ محرمة بحسب الفقه الإسلامي الكلاسيكي؛ والقانون الجنائي المغربي يعاقب عليها حالياً.
ويشكّل تاريخ الملكية خلفية لهذه الاستمرارية. وتلخص عبارة منسوبة إلى محمد الخامس الدور التاريخي للإسلام في تكوين المغرب: «لقد جعل الإسلام من هذا البلد أمةً ودولة». وفي عهد الحسن الثاني، أُقرّ الإسلام ديناً للدولة في دستور سنة 1962. ويواصل الدستور الحالي، الصادر سنة 2011، هذا التوجه، مع ضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية والاعتراف بتعدد الروافد الحضارية للبلاد. وقد ذكّر جلالة الملك بذلك في الفقرة المشار إليها من خطابه. وقد اتضح الأمر.
وهكذا، يجمع المقتطف الملكي بين الوفاء والمسؤولية: الوفاء للهوية الإسلامية للمغاربة؛ والمسؤولية المؤسسية التي تضطلع بها إمارة المؤمنين؛ والمسؤولية السياسية، أخيراً، المتمثلة في عدم التعامل مع الثوابت الدستورية كما لو كانت منفصلة عن الخيارات الجماعية للمملكة. وفي هذا السياق، يشكل النقاش حول العلاقات خارج الزواج حالة ملموسة وحساسة تتواجه فيها تصورات مختلفة للحرية الفردية والقاعدة الدينية ورسالة الدولة. ولنحاول الآن تلخيص الإشكالية بمزيد من الهدوء والتنظيم، من خلال إبراز ثلاثة أبعاد رئيسية:
1 – إمارة المؤمنين بوصفها خطاً أحمر دستورياً وعقدياً
إن الإشارة الصريحة إلى إمارة المؤمنين في المقتطف المذكور تذكير بالمرتكز المؤسسي الأعلى للمغرب. فالملك، بصفته القائم الأعلى على الشأن الديني، يجسد ضمانة حماية الثوابت الدينية للأمة.
الإطار العقدي: في العقيدة السياسية الحسنّية وفي نهج حكم الملك محمد السادس، لا يمكن أن تجري الإصلاحات المجتمعية في قطيعة صارخة مع الأحكام الواضحة للإسلام الأرثوذكسي المالكي. وتكتسب في هذا السياق دلالة مباشرة العبارة المشهورة للملك، التي يؤكد فيها أنه «لا يستطيع أن يحل ما حرّم الله، ولا أن يحرّم ما أحلّ الله».
رسالة التحذير: عندما يشدد الخطاب على «الحق المشروع في الاعتزاز بهويتنا الدينية الأصيلة»، فإنه يرسم حاجزاً واضحاً أمام التيارات، سواء أكانت داخل الحكومة أم خارجها، التي قد تسعى إلى فرض قراءات علمانية محضة أو نماذج قانونية مستوحاة من الغرب من دون إخضاعها لخصوصية المغرب.
2 – النقاش حول الفصل 490 من القانون الجنائي والتوافق الوطني
تجسد مسألة «العلاقات الجنسية الرضائية خارج الزواج» حدة التوترات المحيطة بالإصلاح المرتقب للقانون الجنائي، ولا سيما إلغاء الفصل 490 الذي يجرّم هذه العلاقات أو تعديله.
أقلية في مواجهة كتلة محافظة: على الرغم من الحملات النشطة التي تقودها بعض مكونات المجتمع المدني، من تجمعات ومنظمات معنية بحقوق الإنسان، للمطالبة برفع التجريم باسم الحريات الفردية، فإن الخطاب الملكي يذكّر ضمناً بأن هذه المطالب تصدر عن تيار أقلّي داخل مجتمع شديد التمسك بتقاليده المحافظة.
تحصين الأسرة: يُنظر، في البنية القانونية والدينية المغربية، إلى إضفاء المشروعية على العلاقات خارج الزواج باعتباره تهديداً مباشراً لمؤسسة الأسرة، التي تشكل الخلية الأساسية للمجتمع المدني. ويؤكد التحذير الملكي أن صون التماسك الوطني يمر عبر احترام هذه البنى التقليدية. وهكذا، يحافظ التوافق المتعلق بالفصل 490 على التحريم الديني، مع إحكام القيود على إجراءات الإثبات حمايةً للحياة الخاصة، وتجنباً لمأزق رفع التجريم بصورة جذرية لا تحظى بالتوافق.
3 – الحماية الملكية المزدوجة : من صون الأخلاق إلى تحصين العقيدة
لا يقتصر التأطير الصارم الذي ينهجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس على تنظيم النقاش حول النظام العام الأخلاقي، بل يمتد بالصرامة نفسها إلى الدفاع عن الأسس العقدية للمملكة. فعندما يربط جلالة الملك «الهوية الدينية الأصيلة» بـ«إمارة المؤمنين»، فإنه يوفر حماية مؤسسية مزدوجة تجمع بين صون البنى الأسرية وتحصين العقيدة في مواجهة كل مسعى لزعزعتها.
الهوية الدينية في مواجهة الإساءة المستجدة: انحراف خطابات الانتقاص
يكتسب تحليل المقتطف الملكي حدة خاصة عند مقارنته بما شهدته الساحة العامة المغربية مؤخراً من اضطراب، اتسم بتكاثر خطابات متجاوزة تتعرض مباشرة لأسس الإيمان الوطني. فالأمر لا يقتصر على نقاش فكري هادئ أو أكاديمي؛ إذ تعمل فئة من الفاعلين في المجتمع المدني، تدعمها أحياناً تيارات فكرية تعلن إلحادها صراحة، على تنظيم حملات استفزازية تصدم الوجدان الجماعي للمغاربة.
وتقدم التصريحات الإعلامية المتكررة لمحمد الفايد مثالاً معاصراً جلياً على ذلك. فبعد أن ابتعد عن مجال اختصاصه، وتدخل بصورة هجومية في الشأن العقدي، أدلى هذا الشخص بتصريحات استفزازية عدة، ولا سيما بتعرضه لشخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم من خلال عبارات رآها جمهور واسع من المواطنين والعلماء فجةً ومسيئة. ولم يقتصر تشكيكه الحاد في مفاهيم عقدية راسخة، تحت ستار قراءة جديدة مزعومة علمية، على مجرد اختلاف في الرأي، بل اعتُبر مسعى للانتقاص يرمي إلى تقويض قدسية الشأن الديني في المغرب.
ولا يجوز النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها واقعة معزولة، بل تكشف عن دينامية أوسع ومنسقة، وعن «توجيه جماعي» تحاول من خلاله بعض الأوساط الفكرية العدمية توظيف حرية التعبير لتطبيع الإساءة ونزع القداسة. ومن خلال تقديم شخصيات مثل الفايد بوصفها رموزاً للقطيعة مع العقيدة السائدة، تسعى هذه التيارات إلى اختبار قدرة المؤسسات الدينية في البلاد على الصمود، وإلى تصديع التوافق الأخلاقي الوطني.
وهنا تتجلى دلالة تذكير صاحب الجلالة الملك بأحكام النظام، وما ينطوي عليه من صرامة، في مواجهة هذه الانحرافات والهجمات التخريبية. فبإعلانه «الحق المشروع للمغاربة في الاعتزاز بهويتنا الدينية الأصيلة»، يقيم جلالة الملك سداً مؤسسياً منيعاً في وجه من يظنون، من الداخل أو الخارج، أنهم قادرون على النيل من عقيدة المواطنين. وفي مواجهة هذه الأقلية المنقطعة عن قيم الأمة، تؤكد إمارة المؤمنين دورها بوصفها مرتكزاً دستورياً لا غنى عنه، لضمان ألا تتحول حرية الفكر إلى حصان طروادة لعدم الاحترام والإساءة المعنوية إلى قدسية النبوة.
وفي هذا المنظور، تبدو الصرامة المرتقبة في مداولات إصلاح القانون الجنائي، ولا سيما عبر التطبيق الدقيق للنصوص التي تجرّم المساس بالأديان، ومن بينها الفصل 267-5، ترجمةً قانونية لازمة لحماية «الأمن الروحي» للمغاربة من كل مسعى لزعزعة هويتهم.
4 – الخلاصة المغربية : التعدد الحضاري والصرامة في صون الهوية
يجمع المقتطف بين مفهومين متكاملين: «الهوية الدينية الأصيلة» و«الهوية الحضارية المتميزة، الغنية بتعدد مكوناتها».
الانفتاح لا يعني التنكر للأصل: يعتز المغرب بتنوعه، المتمثل في روافده العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية، وما أغناها من روافد إفريقية وأندلسية وعبرية. غير أن الخطاب يضع هذا التعدد في إطاره: فهو ثراء ثقافي وسياسي، ولا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتذويب القيم الأخلاقية والدينية الأصيلة.
ضمانة في مواجهة الاستقطاب: من خلال التشديد على الثوابت، يقدّم جلالة الملك نفسه حكماً أعلى قادراً على احتواء الانحرافات المتطرفة من الجانبين: التطرف العقدي من جهة، والتقدمية المنفصلة عن الحقائق الثقافية للبلاد من جهة أخرى. وخلاصة القول إن هذا المحور من الخطاب يؤكد أن أي تطور تشريعي أو مجتمعي في المغرب ينبغي أن ينتظم حتماً حول محور الهوية الإسلامية، تحت حماية إمارة المؤمنين، بما يستبعد أي قطيعة جذرية مع أسس الفقه الإسلامي في مجال الأخلاق.
إن التأطير الصارم الذي ذكّر به صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه يرسم خطاً توجيهياً واضحاً من شأنه أن يؤثر تأثيراً حاسماً في الصياغة النهائية والاختيارات التشريعية المتعلقة بالإصلاح المقبل للقانون الجنائي. ومن خلال مقابلة المبادئ العقدية التي تضمنها الخطاب بواقع الصياغة القانونية، نعرض، وفق تقديرنا، الكيفية التي ينبغي أن يوجّه بها هذا التأطير النصوص القانونية المقبلة بصورة عملية:
أ ـ الإبقاء على مبدأ التحريم الوارد في الفصل 490، مع تعديل كيفية تطبيقه
إن الخطاب الملكي يستبعد، بحكم مقتضاه، إلغاء الفصل 490 إلغاءً تاماً أو إضفاء المشروعية الصريحة على العلاقات الجنسية الرضائية خارج الزواج، لأن ذلك سيصطدم مباشرة بوظيفة حماية الثوابت الدينية المنوطة بإمارة المؤمنين. ومن ثم، يُرجّح أن تتجه الاختيارات التشريعية إلى صيغة توافقية:
الإبقاء على التكييف القانوني: ينبغي أن يظل الفعل ذاته مصنفاً جريمةً جنائية، حفاظاً على انسجام النص مع أحكام الشريعة.
تشديد نظام الإثبات: لمواجهة انتقادات المجتمع المدني بشأن المساس بالحياة الخاصة، من دون انتهاك الحكم الديني، يمكن للمشرّع أن يفرض قيوداً صارمة على وسائل الإثبات المقبولة، كاشتراط التلبس الصريح في الفضاء العام أو الإقرار الذي يصدر عن إرادة حرة لا لبس فيها. ويمكن الاستئناس في ذلك بشروط الفقه الإسلامي التقليدي التي تجعل الإدانة شديدة الصعوبة عملياً.
تعديل العقوبات: قد يتخذ التوافق صورة استبدال العقوبات السالبة للحرية، أي السجن، بعقوبات بديلة، مثل الغرامات أو العمل لفائدة المصلحة العامة؛ بما يخفف الضغوط الدولية والجمعوية من دون التخلي عن المبدأ الأخلاقي المستمد من الفقه الإسلامي.
ب ـ إعادة صياغة المصطلحات بدقة لتجنب «الفراغات القانونية» والاستقطاب
إن الخطاب، بما يؤكده من حماية للهوية في مواجهة من يريدون «انتهاكها أو تدميرها»، يقتضي من وزارة العدل ولجنة التشريع التحلي بأقصى درجات الدقة في الصياغة.
رفض مفهوم «الحريات الفردية المستقلة» ذي المنحى الغربي: إن حقوق الفرد، في التقليد القانوني المغربي، لا تنفصل عن واجباته تجاه الجماعة والأسرة. لذلك ستُستبعد المفاهيم الملتبسة التي قد تفتح المجال أمام اجتهاد قضائي ليبرالي غير منضبط، لصالح صيغ أكثر صوناً لـ«النظام العام الأخلاقي».
التحصين التشريعي للأسرة: ستشدد ديباجات القانون الجنائي المعدل وأحكامه العامة على حماية الأسرة والزواج والقاصرين، بما يضفي المشروعية على الإبقاء على الضوابط القانونية المتعلقة بالأخلاق.
ج ـ التحكيم من خلال اجتهاد مؤطر
كثيراً ما شدد جلالة الملك على أهمية الاجتهاد المنفتح والمنضبط في آن. وفي ما يتعلق بالقانون الجنائي، يعني ذلك أن التحديث لن يتحقق باستنساخ نصوص أجنبية، بل بإعادة قراءة تقدمية لمصادر الشريعة الإسلامية نفسها.
ترتيب أولويات مقاصد الشريعة: سيؤكد واضعو النص على حفظ العرض والتماسك الاجتماعي لتبرير الاختيارات المحافظة في مجال الأخلاق، مع إقرار إصلاحات حديثة في مجالات أخرى، مثل الجرائم الإلكترونية والعنف ضد النساء والجرائم الاقتصادية.
د ـ تحييد الفتنة السياسية في الساحة البرلمانية
بخطابه أمام البرلمان مباشرة، يرسخ جلالة الملك موقعه حكماً أعلى من الأحزاب. ومن الناحية العملية، من شأن التحكيم الملكي أن يضع حداً للمزايدات الأيديولوجية:
نص يحظى بتوافق حكومي: سيتعين على أحزاب الأغلبية، ذات التوجهات الليبرالية أو المحافظة، الاصطفاف خلف صيغة حكومية وسطية. ولن يكون بوسع أي تعديل برلماني جذري، سواء صدر عن اليسار التقدمي أو المعارضة الإسلامية التقليدية، أن يخل بالتوازن الذي يرسمه الإطار الملكي.
تيسير إقرار النص: سيُقدَّم النص في صيغته النهائية باعتباره ترجمة أمينة لتوجيهات إمارة المؤمنين، بما يقلص هامش الاعتراض أو احتدام النقاش داخل مجلسي البرلمان.
وخلاصة القول إن الأثر العملي للخطاب في القانون الجنائي لن يتمثل في الجمود التام، بل في تحديث يخضع لمراقبة صارمة حفاظاً على الهوية: فالمغرب سيكيّف أدوات العدالة الجنائية مع مقتضيات القرن الحادي والعشرين، مع رفض التنازل عن مبدأ التجريم الرمزي للأفعال التي تُعد مخالفة لهويته الدينية الأصيلة.
ثانياً ـ بين الالتزامات الدولية وأحكام الإسلام: مرتكزات التوافق القانوني المغربي
قد يعترض بعضهم، بدافع فكري أو اعتباطي أو استخفافي، مستنداً إلى كثرة المعاهدات والاتفاقيات ذات الصلة التي التزم بها المغرب. وليس أيسر من الرد على ذلك رداً علمياً، بالاستناد إلى مبادئ القانون الدستوري والقانون الدولي معاً. فلننظر إذن في كيفية تموضع هذا التوافق القانوني، الذي أطلقه عاهل المغرب، إزاء التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، مع احترام أحكام الإسلام. إن موقف المغرب من التزاماته الدولية في مجال حقوق الإنسان، مع الحفاظ على الاحترام الدقيق لأحكام الإسلام، يستند إلى نهج دستوري ودبلوماسي خاص، كثيراً ما يوصف بأنه «طريق ثالث» أو «كونية مؤطرة». ويأتي التوافق القانوني المشار إليه في صلب هذه المعادلة المعقدة، التي نظّمتها وأرست أسسها دستور سنة 2011 والخطب الملكية.
1 – مبدأ السمو الدستوري المؤطر
يقرر دستور المغرب لسنة 2011، في ديباجته، مبدأ أساسياً، وهو التزام المملكة بمنح الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها أسبقية على التشريع الداخلي. غير أن النص الدستوري يقيد هذه الأسبقية بقيد جوهري، إذ يجعل ممارستها «في نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة».
الإسلام بوصفه معياراً لمراقبة مطابقة الاتفاقيات: يرى المشرّع المغربي أن المعاهدات الدولية، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لا تطبق على نحو مطلق إذا تعارضت أحكامها تعارضاً مباشراً مع الهوية الإسلامية للدولة، التي يضمنها الملك دستورياً بموجب الفصل 41.
اللجوء إلى التحفظات والإعلانات التفسيرية: عالجت الدبلوماسية المغربية، تاريخياً، هذا التوازن الصعب بإبداء تحفظات، ولا سيما على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، بشأن المساواة التامة في الإرث أو الزواج، أو بإصدار إعلانات تفسيرية توضح أن تطبيق بعض المواد لا يجوز أن يخالف أحكام الشريعة.
2 – التوفيق من خلال مقاربة « الأمن الروحي “
للتوفيق بين المتطلبات الدولية، التي تدعو إلى حماية الحياة الخاصة والاستقلال الفردي حماية مطلقة، وأحكام الإسلام، يستند التوافق التقني في القانون الجنائي إلى مفهوم صون النظام العام والأمن الروحي للمجتمع.
احترام الخصوصية في مقابل المجاهرة: من خلال التوجه نحو فرض قيود صارمة على وسائل إثبات الجريمة المنصوص عليها في الفصل 490، كاشتراط التلبس في الفضاء العام أو الإقرار الطوعي، يتمكن القانون المغربي من احترام روح المعايير الدولية المتعلقة بحرمة المسكن والحياة الخاصة على نحو غير مباشر، عملاً بالفصل 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
المرتكز الإسلامي لمبدأ عدم التجسس: يجد هذا التوافق مسوغه الديني في المبدأ القرآني الرافض للتجسس على الزلات الخاصة: «ولا تجسسوا». فالإسلام يدين المجاهرة بالمعصية والاستفزاز، لكنه يصون سرّ الضعف الإنساني إذا وقع في نطاق الحياة الخاصة المحض. وهكذا، لا يلغي هذا التوافق التجريم الأخلاقي للفعل، لكنه يحدّ من قدرة الدولة على التدخل في الحياة الحميمة للمواطنين، مستجيباً بذلك، جزئياً، لمطالب لجان الأمم المتحدة.
3 – العقيدة المغربية القائمة على ” الكونية ذات الخصوصية “
يدافع المغرب أمام هيئات الأمم المتحدة، ومنها مجلس حقوق الإنسان، عن مقاربة لا تنظر إلى حقوق الإنسان بوصفها نتاجاً ثقافياً مستورداً حصرياً، بل قيماً كونية ينبغي أن يراعي تطبيقها الخصوصيات الحضارية والاجتماعية الوطنية.
خصوصية إمارة المؤمنين: تمنح هذه المؤسسة المغرب خصوصية تمكّنه من رد اتهامات الجمود أو الأصولية. وتؤكد المملكة أنها تنجز إصلاحاتها بنفسها، مثل إصلاح مدونة الأسرة والعدالة الانتقالية، من خلال اجتهاد داخلي متجدد وبدفع ملكي، لا تحت وطأة الإملاءات الخارجية.
مخاطر التباعد بين النصوص: يكمن التحدي الذي يواجه هذا التوافق في كيفية تلقيه دولياً. فبالنسبة إلى الهيئات المشرفة على تنفيذ المعاهدات، يظل الإبقاء على عقوبات، ولو كانت مخففة أو رمزية كالغرامات، بسبب علاقات جنسية رضائية بين بالغين، انتهاكاً للحقوق الأساسية. ويقبل المغرب بهذا التوتر، معتبراً أن السلم الاجتماعي واستقرار نموذجه الديني يتقدمان على الامتثال المطلق للمعايير الغربية الخاصة بالحرية الفردية.
وخلاصة القول إن التوافق القانوني المغربي يسعى إلى تحويل التناقض الأيديولوجي إلى انسجام إجرائي. فهو يرمي إلى توفير الضمانات للمجتمع الدولي بشأن حماية الحياة الخاصة وتناسب العقوبات، مع إعادة تأكيد السلطة الرمزية والمعيارية للشريعة الإسلامية على النظام العام الأخلاقي أمام الأمة، وفقاً للتأطير الملكي.
وللدفاع عن هذا التوافق القانوني أمام هيئات الأمم المتحدة المعنية بالمعاهدات، مثل اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أو اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة، يمكن للمغرب أن يقدم حججاً قانونية دقيقة. ويتمحور هذا الدفاع حول التوفيق بين القانون الدولي والقانون الدستوري الوطني وفلسفة القانون الإسلامي. وفي ما يلي خمسة مرتكزات قانونية محددة يمكن للمغرب، في تقديرنا، الاستناد إليها:
1 – استثناء النظام العام والآداب العامة (المادتان 12 و19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية صراحة على جواز إخضاع ممارسة بعض الحقوق والحريات لقيود يقررها القانون، وتكون ضرورية لحماية «الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة».
الحجة التقنية: يمكن للمغرب أن يدفع بأن التجريم الرمزي للعلاقات الجنسية خارج الزواج لا يستهدف التدخل في الحياة الحميمة للأفراد، بل صون «الآداب العامة» بوصفها عنصراً من عناصر النظام العام غير المادي. كما أن حماية التماسك الاجتماعي والوقاية من الاضطرابات الكبرى في مجتمع محافظ في غالبيته تشكلان غاية مشروعة في نظر القانون الدولي.
2 – التوافق الإجرائي مع حظر «التجسس» وعدم التدخل في الحياة الخاصة
في مواجهة الاتهامات بانتهاك الفصل 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المتعلق بالحماية من التدخل التعسفي في الحياة الخاصة، يمكن للمغرب أن يحتج بوجود توافق بين المسطرة الجنائية بعد إصلاحها وأحكام الفقه الإسلامي الأرثوذكسي.
الحجة التقنية: يمكن للمشرّع المغربي أن يبيّن أن تقييد وسائل الإثبات تقييداً صارماً، واستبعاد الأدلة الإلكترونية غير المأذون بها، ومنع التحقيقات المتطفلة داخل المنازل، واشتراط التلبس في الفضاء العام، كلها إجراءات تطبق عملياً المبدأ القرآني القاضي بتحريم التجسس على الزلات الخاصة: «ولا تجسسوا». ومن الناحية القانونية، تمتنع الدولة عن أي تدخل تعسفي في الحياة الخاصة، فتجعل ممارستها متوافقة مع المعايير الأممية، مع احترام روح الشريعة التي تصون حرمة البيوت.
3 – نظرية «هامش التقدير الوطني» واحترام التعدد الثقافي
يعترف القضاء الدولي، ولا سيما اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الذي يُستأنس به كثيراً على سبيل المقارنة لدى الأمم المتحدة، للدول بهامش تقدير وطني في المسائل المتعلقة بالأخلاق والدين والأسرة، عند غياب توافق عالمي بشأنها.
الحجة التقنية: يمكن للوفد المغربي أن يؤكد أن تطبيق حقوق الإنسان ينبغي أن يراعي التنوع الثقافي والتاريخي، استناداً إلى مبدأ السيادة وإعلان فيينا لسنة 1993.
4 – مبدأ التناسب من خلال استبدال العقوبات
من أهم معايير التقييم لدى الأمم المتحدة التحقق مما إذا كان القيد المفروض على أحد الحقوق متناسباً مع الغاية المنشودة.
الحجة التقنية: إن استبدال العقوبات السالبة للحرية، أي السجن، بعقوبات بديلة أو غرامات رمزية في حال خرق النظام الأخلاقي العام، من شأنه أن يثبت قانونياً احترام المغرب لمبدأ التناسب. كما يبرهن على أن الدولة تسعى إلى الإبقاء على التحريم الديني في مستواه المعياري، من دون الانزلاق إلى قمع غير متناسب أو ماسّ بالكرامة الإنسانية.
5 – مطابقة التراتبية الداخلية للقواعد (التحفظ الدستوري)
يطبق المغرب مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية ضمن قيود يحددها الدستور.
الحجة التقنية: يمكن للحقوقيين المغاربة أن يذكّروا خبراء الأمم المتحدة بالكتلة الدستورية، إذ تجعل ديباجة دستور 2011 أسبقية الاتفاقيات الدولية مشروطة باحترام «الهوية الوطنية الراسخة». وأي تسوية تشريعية ترفع التجريم كلياً عن فعل تحرمه صراحة النصوص المقدسة للإسلام ستكون، من حيث المبدأ، مخالفة للدستور. ومن ثم، يُقدّم التوافق التقني باعتباره المخرج القانوني الوحيد الذي يحترم تراتبية القواعد الداخلية، مع مواصلة الحوار مع الأمم المتحدة.
ومن جهة أخرى، تؤكد المملكة المغربية أن كونية حقوق الإنسان تزداد ثراءً بتنوع المسارات الثقافية والتاريخية للأمم. ويتحقق تطور التشريع المغربي عبر مسار داخلي سيادي يستند إلى اجتهاد متجدد بدفع ملكي. وترفض المملكة أي مقاربة تساوي بين صون هويتها الروحية الأصيلة والتراجع القانوني، وتؤكد استعدادها لمواصلة حوار بنّاء مع هيئات الأمم المتحدة، في إطار الاحترام المتبادل للسيادات الدستورية.
خاتمة
يذكّر المقتطف الملكي الذي تناولناه بمقومات مترابطة: فالهوية الدينية للمغاربة تندرج في ظل إمارة المؤمنين، فيما اغتنت الهوية الحضارية للمملكة بتعدد مكوناتها. ويمنح هذا التلازم الخطاب دلالته الوطنية والدستورية، ويدعونا إلى النظر معاً في الوفاء للإسلام، والدور المؤسسي للملك بصفته أمير المؤمنين، والتنوع الذي يشكل جزءاً من تاريخ المغرب.
ويُعدّ النقاش حول العلاقات الجنسية خارج الزواج والفصل 490، في هذا السياق، من أكثر المسائل حساسية. فهو يضعنا أمام قضايا متداخلة من دون أن تكون متطابقة: القاعدة الدينية، ومكانتها في الوعي الجماعي، ومسؤولية الدولة، ونوع العقوبات الجنائية. لذلك لا يعفي الدفاع عن رسوخ القناعة الدينية من بحث سبل ترجمتها قانونياً بدقة؛ كما أن مناقشة هذه السبل لا تعني بالضرورة إنكار المكانة الدستورية للإسلام.
وفي نهاية المطاف، يتجاوز التأطير الملكي فخ الاستقطاب ليرسم معالم طريق كوني ذي خصوصية. فالمملكة المغربية، بعيداً عن الجمود أو التنكر للثوابت، تثبت، على غرار النجاح التاريخي لمدونة الأسرة، قدرتها على تقنين التقدم من خلال الاجتهاد الداخلي. ومن خلال المواءمة بين صرامة الإجراءات القانونية وصون الحياة الخاصة من التدخل، يحافظ هذا التوافق على العقيدة من دون التضحية بحداثة العدالة الجنائية. وأمام الهيئات الدولية، لا تدافع هذه المذكرة عن استثناء ثقافي جامد، بل تؤكد المشروعية السيادية لملكية تحمي نظامها العام الأخلاقي، مع بقائها منخرطة في المجتمع الدولي.
