سبتة ومحكمة مدريد: حين تطرق الهجرة باب السيادة المغربية، من يحاكم من؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ليست قضية سبتة مجرد ملف قضائي يتصل بتدفق جماعي للمهاجرين، وليست كذلك مواجهة قانونية عابرة بين مؤسسات إسبانية وأطراف مغربية. إنّها، في جوهرها السياسي والاستراتيجي، اختبار جديد لطبيعة العلاقة بين البلدين، وللحد الفاصل بين التعاون القضائي المشروع ومحاولات تحميل الوقائع أبعادا تتجاوز ما تثبته الأدلة. فحين تتحول الهجرة من قضية إنسانية وأمنية إلى موضوع تتداخل فيه مفاهيم السيادة والأمن القومي وسلامة التراب، يصبح ضروريا التمييز بين ما تقرره المحاكم، وما تقترحه التحقيقات من فرضيات، وما تذهب إليه القراءات السياسية من تأويلات. ذلك أن خطورة الملف لا تبرر استباق نتائجه، كما أن احترام القضاء لا يقتضي التسليم بكل فرضية يطرحها في مرحلة التحقيق. في السابع من سبتمبر 2026، تولت المحكمة الوطنية الإسبانية التحقيق في أحداث التدفق الجماعي للمهاجرين إلى سبتة يومي 30 و31 يوليو، على أساس شبهات جنائية وصفتها الجهة القضائية بأنها تمس، وفق تقديرها الأولي، أمن الدولة وسلامة أراضيها. وهذه تبقى فرضيات تحقيق وليست أحكاما نهائية تثبت المسؤولية الجنائية لأي طرف.

ثم جاءت خطوة أخرى في منتصف سبتمبر، حين طلبت القاضية ماريا تاردون من الشرطة والحرس المدني تحديد هوية عناصر مغربية بالزي الرسمي ظهرت في الصور والتسجيلات المضمومة إلى الملف، مع بيان انتمائهم المهني ووحداتهم ورتبهم ووظائفهم وطبيعة تدخلهم في الوقائع. وهنا تكمن ضرورة الدقة: طلب تحديد الهوية في إطار التحقيق لا يعني، في حد ذاته، استدعاء مسؤولين مغاربة للمثول أمام القضاء الإسباني، ولا يثبت أن السلطات المغربية متهمة بحكم قضائي. إن الفارق بين الإجراء التحقيقي والاتهام الرسمي والإدانة القضائية ليس بلاغة لغوية، بل قاعدة أساسية في دولة القانون. لكن الدقة القانونية لا تمنع طرح السؤال السياسي: إلى أي حد يمكن لملف قضائي داخلي أن يتحول إلى مساحة لإعادة تعريف مسؤوليات دولة أخرى، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتدبير الحدود والهجرة، وهما مجالان تتشابك فيهما الاعتبارات الأمنية والإنسانية والدبلوماسية؟

لا يملك المغرب، مثل أي دولة ذات سيادة، أن يقبل بأن تتحول علاقات التعاون إلى مجال للمساءلة السياسية خارج القنوات القانونية المتفق عليها. وفي المقابل، لا تعني السيادة تعطيل التعاون القضائي المشروع أو رفضه بصورة تلقائية؛ بل تعني أن يتم هذا التعاون وفق الاتفاقيات النافذة، واحتراما للقانون الوطني والاختصاصات المؤسسية لكل طرف. وتقدم اتفاقية المساعدة القضائية في المادة الجنائية الموقعة بين المغرب وإسبانيا في الرباط يوم 24 يونيو 2009 إطارا واضحا لهذه العلاقة. فهي تقرر مبدأ المساعدة المتبادلة الواسعة في المسائل الجنائية، لكنها تنص أيضا على إمكان رفض المساعدة إذا كان تنفيذ الطلب من شأنه الإضرار بسيادة الدولة المطلوبة أو أمنها أو نظامها العام. كما تشترط تعليل الرفض وإبلاغه إلى الطرف الطالب، وتدعو إلى النظر، قبل الرفض، في إمكان تقديم المساعدة وفق شروط محددة.

وعليه، فإن المسألة ليست اختيارا بين الخضوع والقطيعة، بل اختبار لقدرة الطرفين على احترام قواعد التعاون من دون تحويلها إلى وسيلة ضغط أو توظيف سياسي. فالاتفاقيات لا تلغي السيادة، والسيادة لا تعني الانسحاب من الالتزامات؛ وإنما تضع لكل منهما حدوده القانونية. وفي هذا السياق، اكتسب الخطاب الملكي ليوم 9 أكتوبر 2026 دلالة سياسية خاصة. فقد شدد الملك محمد السادس -نصره الله- على أن التعاون بين المغرب وإسبانيا لا ينبغي أن يخضع للضغط أو التهديد أو الابتزاز، معتبرا أن النموذج القائم للتعاون في مجال الهجرة أصبح متجاوزا، وداعيا إلى تصور استراتيجي جديد يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية والاستقرار الإقليمي.

ولا ينبغي اختزال هذا الموقف في رد فعل على مسار قضائي بعينه، كما لا يصح التعامل معه بوصفه إعلانا عن القطيعة. إنه، في قراءته السياسية، تأكيد على أن الشراكة لا تستقيم إذا اختل ميزان الاحترام المتبادل، وأن تدبير الهجرة لا يمكن أن يظل رهينا بمنطق الطوارئ، أو أن يتحول إلى ورقة ضغط كلما تصاعدت الخلافات الداخلية أو احتدمت المنافسة السياسية. فالمغرب ليس مجرد حاجز جغرافي في مواجهة تدفقات الهجرة نحو أوروبا، ولا يمكن اختزال دوره في وظيفة أمنية تختزلها الأرقام ومؤشرات الاعتراض والإعادة. إنّه دولة تتحمل مسؤوليات إقليمية، وتدبر تحديات اجتماعية وإنسانية وأمنية، وتنتظر، في المقابل، شراكة عادلة تعترف بتكاليف هذه المسؤوليات وبالمصالح المشتركة التي تجعل التعاون ضرورة للطرفين.

وفي المقابل، فإن إسبانيا تملك حق التحقيق في الوقائع التي تقع ضمن اختصاص قضائها، مثلما يملك المغرب حق صون سيادته وضمان احترام الضوابط القانونية في أي تعاون عابر للحدود. ولا تناقض بين الأمرين ما دام القضاء لا يستبق الأدلة، والسياسة لا تحل محل القانون، والدبلوماسية لا تستخدم لتجاوز الالتزامات المتبادلة. السؤال، إذن، ليس من يحاكم من بالمعنى الانفعالي الذي قد توحي به العناوين، بل كيف يمكن منع التحقيق القضائي من التحول إلى أزمة ثقة بين دولتين تجمعهما الجغرافيا والمصالح والروابط الإنسانية. وكيف يمكن ضمان ألا تصبح الهجرة، وهي قضية تحتاج إلى تنسيق مستمر، أداة لتبادل الاتهامات أو اختبار الإرادات السيادية؟

إن قوة الدول بقدرتها على حماية مصالحها من دون الانزلاق إلى التوتر غير المحسوب، وعلى الدفاع عن سيادتها مع الوفاء بالتزاماتها، وعلى تحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء قواعد الشراكة. فلا تستقيم العلاقة بين المغرب وإسبانيا بمنطق طرف يفرض شروطه وآخر ينتظر الإذن، بل بشراكة بين دولتين تعرف كل منهما حقوقها، وتدرك أن المصالح المشتركة لا تستقيم إلا بالاحترام المتبادل وسيادة القانون. أما ملف سبتة، مهما اتسعت ظلاله السياسية، فينبغي أن يبقى خاضعا للأدلة والإجراءات والضمانات القانونية، لا للأحكام المسبقة ولا لحسابات التصعيد. فالسيادة ليست شعارا يرفع عند الخلاف، والتعاون ليس امتيازا يمنح من طرف واحد. كلاهما التزام متبادل، وأي شراكة لا تستوعب هذه الحقيقة ستظل معرضة لأن تتحول من جسر للمصالح المشتركة إلى ساحة لاختبار القوة.

هاشتاغات:

#المغرب #إسبانيا #سبتة #السيادة_المغربية #العلاقات_المغربية_الإسبانية #الهجرة #التعاون_القضائي #الدبلوماسية_المغربية #سيادة_القانون #محمد_السادس #المصالح_المشتركة #المغرب_وإسبانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *