بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة لصوص لا يقتحمون الأبواب، ولا يتركون آثار أقدامهم على السجاد، ولا يحتاجون إلى كسر نافذة كي يدخلوا حياتنا. يكفيهم أن يعثروا على رقم هاتف، أو عنوان بريدي، أو معلومة صحية، ثم يتركون بقية الجريمة للزمن، وللخوارزميات، وللإنسان حين يتحول، من حيث لا يدري، إلى ضحية تحمل مفتاح منزلها في جيبها. في العاشر من أكتوبر 2026، نقلت الصحف الفرنسية عن الجنرال أندريه بيتيّو، المسؤول الثاني في قيادة الدرك الفرنسي، قوله إن بيانات نحو 80 في المائة من الفرنسيين معروضة للبيع على الدارك ويب، بدرجات متفاوتة من الاكتمال والخطورة. لم يعد الأمر، إذن، حكاية عن قراصنة يختبئون في أقبية معتمة، ولا مشهدا سينمائيا تتراقص فيه شاشات زرقاء على وجوه مجهولة؛ إنه وصف لاقتصاد خفي يتغذى من بقايا حياتنا اليومية، ويحوّل ما نظنه ملكا شخصيا إلى بضاعة تتداولها أيد لا نعرفها.
لكن الرقم، على فداحته، يحتاج إلى قراءة حذرة. فهو تصريح من مسؤول أمني نقلته الصحيفة، وليس في المادة المنشورة ما يكفي لإثبات أن أربعة أخماس الفرنسيين خضعوا لتعداد مستقل شامل، أو أن بياناتهم جميعا معروضة بالكثافة نفسها. هناك فرق بين تسريب عنوان إلكتروني، وسرقة ملف طبي، وتجميع هوية كاملة تصلح للاحتيال. غير أن هذا التحفظ الإحصائي لا يخفف من عمق المسألة؛ بل ينقلنا من فزع الرقم إلى السؤال الذي يستحق الفزع فعلا: كيف صار الإنسان قابلا للبيع، من دون أن يُستشار، ومن دون أن يعرف أحيانا أنه أصبح سلعة؟
لقد اعتدنا أن نفهم المِلكية بوصفها شيئا يمكن لمسه: بيتا، أو أرضا، أو كتابا، أو محفظة نقود. أما في العصر الرقمي، فقد نشأت ملكية من نوع غريب؛ نحن ننتجها كل يوم، ونمنحها للتطبيقات والمؤسسات والمنصات، ثم نفقد السيطرة عليها من دون أن نفقد الإحساس بأنها لا تزال لنا. نترك آثارنا في كل مكان، كأننا نمشي في العالم حاملين وراءنا ظلالا قابلة للنسخ، ثم نندهش حين تعود تلك الظلال في هيئة قرض احتيالي، أو مكالمة ابتزاز، أو رسالة تعرف عنا أكثر مما ينبغي لرسالة أن تعرف.
الدارك ويب ليس، في ذاته، مرادفا للجريمة؛ فهو جزء من فضاء الإنترنت لا تصل إليه محركات البحث التقليدية، وتُستخدم أدواته لأغراض مشروعة أيضا، من بينها حماية الخصوصية وتجاوز الرقابة. لكن هذه المساحة التي يصعب تعقب بعض أنشطتها أصبحت كذلك سوقا لبيانات مسروقة، حيث يمكن للمعلومة الصغيرة أن تنتظر المعلومة الأكبر، حتى تكتمل صورة شخص لم يقدّم نفسه يوما إلى أحد بوصفه ملفا للبيع. هناك، لا تُباع البيانات باعتبارها أرقاما جامدة، بل باعتبارها احتمالات: احتمال خداع مصرف، أو انتحال هوية، أو استدراج ضحية، أو معرفة متى تكون وحدها، وأين تعيش، وما الذي تخشاه.
وتزداد الصورة قتامة حين نربطها بالوقائع التي أشار إليها التقرير الفرنسي. فقد شهدت فرنسا اختراقات طالت مؤسسات عامة وخاصة، من بينها، وفق المادة المنشورة، هجمات على أنظمة مرتبطة بالإدارة الضريبية، وتسريب بيانات من الاتحاد الفرنسي للرماية ارتبطت بمخاوف من استغلال المعلومات لتحديد منازل بعض حاملي الأسلحة واستهدافها بالسرقة. هنا تغادر الجريمة حدود الشاشة؛ تصبح البيانات جسرا بين العالم الافتراضي والباب الحقيقي، بين معلومة مخزنة في خادم بعيد وخطوات تتحسس عتبة بيت. لم تعد المسألة أن أحدهم يعرف عنوانك، بل أن عنوانك قد يصل إلى شخص يبحث عنك لسبب لا تعرفه.
وتشير الأرقام التي أوردتها الصحف، استنادا إلى دراسة لشركة «سيرفشارك» نُشرت في يوليو 2026، إلى اختراق 43.4 مليون حساب في فرنسا خلال النصف الأول من العام، مع ارتفاع يتجاوز 62 في المئة مقارنة بالنصف الثاني من 2025. وهي أرقام تستدعي الانتباه، لكنها تحتاج إلى سياق: الحسابات المخترقة ليست بالضرورة أشخاصا فريدين، ووقوع حساب في تسريب لا يعني تلقائيا أن صاحبه تعرض للاحتيال، كما أن ترتيب الدول يتوقف على منهجية القياس والفترة المعتمدة. ففي زمن تُستعمل فيه البيانات للتلاعب بالعقول، ينبغي ألا نسمح للخوف نفسه بأن يتلاعب بالحقيقة.
ومع ذلك، فإن السؤال الأعمق لا يتعلق بعدد الحسابات المسروقة، بل بهشاشة العالم الذي أنشأناه. كيف أصبحت مؤسسات تحفظ ضرائبنا وصحتنا وهوياتنا عاجزة أحيانا عن صيانة ما أودعناه لديها؟ ولماذا يطلب منا النظام الرقمي أن نكون حاضرين في كل مكان، بينما لا يضمن لنا أن نكون آمنين في أي مكان؟ لقد بنينا حضارة تؤمن بأن كل شيء ينبغي أن يكون متصلا، قابلا للقياس، سريعا ومتاحا، ثم اكتشفنا أن الاتصال نفسه قد يتحول إلى ثقب، وأن سهولة الوصول قد تكون الوجه المهذب للهشاشة. إنها مفارقة الحداثة: كلّما ازدادت قدرتنا على تخزين الحياة، ازداد خطر اختزالها في ملف؛ وكلما اتسعت وسائل التواصل، اتسعت الطرق التي يمكن أن يُساء بها استخدام ما نتواصل من أجله. لم تعد الذاكرة الإنسانية وحدها هي التي تتذكر؛ الخوادم تتذكر أيضا، لكنها لا تنسى، ولا تسامح، ولا تعرف دائما متى يجب أن تمحو. وما يبدو اليوم معلومة عابرة قد يصبح غدا مفتاحا لابتزاز لا ينتهي، لأن البيانات لا تعيش في الحاضر وحده؛ إنها تنتظر مستقبلا قد يتغير فيه معنى المعلومة وقيمتها وخطرها.
ولعل أخطر ما في هذا الاقتصاد الخفي أنه يزعزع مفهوم الخصوصية من أساسه. فالخصوصية ليست رغبة في إخفاء الأسرار فحسب، كما يردد خطاب تبسيطي؛ إنها شرط من شروط الحرية. الإنسان الذي يعرف أنه مراقب، أو الذي يتوقع أن تُستعمل تفاصيل حياته ضده، قد يبدأ في تعديل سلوكه قبل أن يتدخل أحد. عندئذ لا تعود السيطرة بحاجة إلى شرطي يقف أمام الباب؛ يكفي احتمال المراقبة كي يصبح الباب داخل الرأس. وهنا تلتقي القرصنة بالتأمل الفلسفي: من يملك بيانات الإنسان لا يملك جسده، بالضرورة، لكنه قد يمتلك بعض الطرق التي يُستدرج بها، ويُصنّف، ويُخيف، ويُدفع إلى قرار لم يكن ليتخذه في ظروف أخرى.
ليس من العدل، لذلك، أن نحمّل الفرد وحده مسؤولية حماية نفسه. نعم، ينبغي استعمال كلمات مرور قوية وفريدة، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، والحذر من الروابط والرسائل المشبوهة، وتقليل المعلومات المنشورة علنا، وتغيير كلمات المرور التي تضررت في تسريب مؤكد. لكن هذه الاحتياطات لا تستطيع وحدها إصلاح بنية مؤسساتية ضعيفة، ولا تعويض نقص الاستثمار في الأمن السيبراني، ولا إلغاء سوق كاملة تستفيد من سرقة ما يجمعه الآخرون. لا يمكن مطالبة المواطن بأن يحمل قفلا إضافيا لكل باب، بينما تُترك مفاتيح المدينة في يد من لا يحسن حراستها.
المسؤولية، إذن، موزعة، لكنّها ليست متساوية. على المؤسسات أن تقلل البيانات التي تجمعها، وتحميها، وتحدد مدة الاحتفاظ بها، وتكشف الاختراقات بوضوح، وتتحمل تبعات الإهمال. وعلى السلطات أن تطور أدوات التحقيق والتعاون الدولي، لأن الجريمة الرقمية لا تعترف بالحدود التي ما زالت الإجراءات القانونية تعبرها ببطء. أما الشركات، فعليها أن تتوقف عن التعامل مع الأمن بوصفه تكلفة مؤجلة لا تظهر أهميتها إلا بعد وقوع الكارثة. فالثقة الرقمية لا تُبنى بالإعلانات، بل بما لا يحدث حين يحاول أحدهم اختراق النظام. ومع ذلك، قد يكون علينا أن نذهب أبعد من سؤال الحماية إلى سؤال الرغبة: لماذا سلّمنا كل هذا القدر من تفاصيلنا مقابل الراحة والسرعة والتخصيص؟ لماذا نقبل أن تعرف المنصات عاداتنا ومخاوفنا وتحركاتنا، ثم نعامل اختفاء تلك المعلومات إلى جهة مجهولة كأنه حادث خارج منطق النظام نفسه؟ لا يعني ذلك أن كل جمع للبيانات سرقة، ولا أن التكنولوجيا مؤامرة، بل إن الراحة المجانية كثيرا ما تخفي ثمنا لا يظهر عند الدفع؛ ثمنا قد يكون حقنا في ألا نُختزل إلى توقع إحصائي، وألا تصبح حياتنا قابلة للاستغلال لمجرد أنها قابلة للتسجيل.
ربما لم تعد العتمة هي المكان الذي تختبئ فيه الجريمة، بل المكان الذي لا نرى فيه مصير الأشياء التي نكشفها عن أنفسنا. نحن نعيش في ضوء رقمي دائم، ومع ذلك تتسع المناطق المعتمة في حياتنا: لا نعرف من يحتفظ ببياناتنا، ولا أين تنتقل، ولا من يشتريها، ولا أي نسخة منها ستنهض يوما من نومها الإلكتروني لتؤذينا. كأن لكل إنسان نسخة أخرى تسير في سوق لا يزورها، تحمل اسمه وعنوانه وبعض أسراره، وتفاوض العالم على حياته من دون أن تسمع صوته. فإذا كان ما يقارب أربعة أخماس الفرنسيين، وفق التصريح الذي نشر في الصحف، قد ظهرت بيانات لهم بدرجات متفاوتة على الدارك ويب، فهل نحن أمام أزمة أمن معلومات فحسب، أم أمام تحول تاريخي في معنى الشخص نفسه؟ وهل تكفي كلمة مرور جديدة لحماية إنسان باتت أجزاء من حياته موزعة بين مؤسسات لا يراها، وأسواق لا يعرفها، وخوارزميات لا يفهم قراراتها؟
ربما لا تكمن الكارثة في أن بياناتنا قد تُسرق، بل في أننا بدأنا نعتاد احتمال سرقتها حتى صار جزءا من الحياة اليومية. وحين يصبح الانتهاك أمرا متوقعا، لا يعود الخطر مقتصرا على ما يُؤخذ منا؛ يمتد إلى ما نتوقف عن المطالبة به. عندها، لا يكون الدارك ويب سوقا مظلمة للبيانات وحدها، بل مرآة معتمة لحضارة كشفت كل شيء تقريبا، ثم نسيت أن تسأل سؤالها الأول: ما الذي ينبغي أن يبقى للإنسان، كي يظل إنسانا، لا مجرد ملف مفتوح في يد العالم؟
