بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
من سين إيه مارن إلى عمق المجتمع الفرنسي… الشراء الجماعي محاولة لاسترداد شيء من القدرة على العيش في زمن تتآكل فيه القدرة الشرائية. في فرنسا، حيث اعتاد المواطن أن يقيس استقرار حياته بانتظام دخله وقدرته على الوفاء بالتزاماته، باتت الفواتير تتحول، شيئا فشيئا، إلى ضيوف ثقيلة لا تغادر البيوت. لم تعد الكهرباء مجرد ضوء يبدد العتمة، ولا الغاز وسيلة للتدفئة، ولا الوقود تفصيلاً من تفاصيل التنقل؛ لقد أصبحت جميعها بنودا في معركة يومية يخوضها الفرنسيون دفاعا عن قدرتهم على العيش بكرامة. وفي مشهد يختزل جانبا من التحولات التي يعرفها المجتمع الفرنسي تحت ضغط غلاء المعيشة، اختارت بلدية سان مار فيو ميزون (Saint-Mars-Vieux-Maisons)، بإقليم سين إيه مارن، أن تواجه ارتفاع تكاليف الطاقة بسلاح غير مألوف في تدبير الشأن المحلي: توحيد المستهلكين بدل ترك كل واحد منهم يواجه السوق منفردا. فمنذ 26 أكتوبر 2026، أطلقت البلدية مبادرة «دار التوفير» (Maison des économies)، وهي خدمة مجانية صممتها شركة «Achetons groupé»، تقوم على جمع طلبات السكان وتوحيد قوتهم الشرائية من أجل التفاوض مع موردي الطاقة والحصول على أسعار أكثر ملاءمة. وتشمل المبادرة الغاز والكهرباء والفيول والحطب، في محاولة لتخفيف العبء الذي بات يثقل ميزانيات الأسر.
قد تبدو الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها دلالة اجتماعية واقتصادية تتجاوز حدود بلدة صغيرة في ريف فرنسا. فحين يعجز المستهلك الفرد عن انتزاع سعر أفضل، يصبح اجتماع المستهلكين وسيلة لاستعادة شيء من التوازن المفقود بين المواطن ومقدمي الخدمات. إنها عودة إلى منطق التضامن الاقتصادي، حيث تتحول الجماعة من مجرد مجموعة زبائن متفرقين إلى قوة تفاوضية لها وزنها. واللافت في هذه المبادرة ليس فقط سعيها إلى خفض فواتير الطاقة، وإنما ما تكشف عنه من تبدل في علاقة الفرنسيين بالاستهلاك نفسه. فالمواطن الذي كان يختار المورد وفق شروط السوق، أصبح يبحث عن آليات جماعية تحمي ميزانيته من تقلب الأسعار. والأسرة التي كانت تنظر إلى فاتورة التدفئة باعتبارها مصروفا موسميا، باتت تتعامل معها باعتبارها استحقاقا يفرض إعادة ترتيب أولويات الحياة.
إنها صورة لفرنسا أخرى، لا تظهر دائما في واجهات المدن الكبرى ولا في المؤشرات الاقتصادية العامة؛ فرنسا الأسر التي تحسب نفقاتها بدقة، والمتقاعدين الذين يوازنون بين التدفئة وبقية الاحتياجات، والعائلات التي تبحث عن منافذ صغيرة للنجاة من اتساع الهوة بين الدخل وتكاليف المعيشة. ولا يمكن اختزال هذه الظاهرة في مبادرة بلدية أو اتفاق جماعي مع موردي الطاقة. فالمسألة أعمق من ذلك: إنها تعبير عن حاجة متزايدة إلى ابتكار أشكال جديدة من الحماية الاقتصادية المحلية، في وقت لم تعد فيه الحلول الفردية كافية لمواجهة أعباء تتجاوز قدرة الكثير من الأسر.
ومع ذلك، فإن الشراء الجماعي، مهما بلغت أهميته، لا يمثل حلا شاملا لأزمة القدرة الشرائية. فنجاحه يظل رهينا بحجم التخفيضات الفعلية، وشفافية العقود، وجودة العروض، وقدرة الأسر على الاستفادة منها دون شروط تثقل كاهلها. لكنه، في الحد الأدنى، يمنح المواطن فرصة للتفاوض الجماعي في سوق لا يملك فيها، منفردا، سوى هامش محدود للمناورة. إن المفارقة التي تختصر المشهد الفرنسي اليوم أن المواطن الذي بنى رفاهيته طويلا على وفرة الاختيارات الفردية، بات يبحث عن الخلاص في قوة الجماعة. وحين يصبح اجتماع الجيران وسيلة لمواجهة فاتورة الكهرباء، فإن الأمر لا يتعلق بالطاقة وحدها، بل بصورة مجتمع يحاول أن يحمي ما تبقى من قدرته على العيش. في سان مار فيو ميزون، لا تعد البلدية سكانها بمعجزة اقتصادية، لكنها تفتح أمامهم بابا صغيرا في جدار الغلاء. وربما تكمن أهمية المبادرة في هذا المعنى تحديدا: حين تضيق الخيارات أمام الأفراد، يصبح التضامن شكلا من أشكال الاقتصاد، وتتحول الوحدة، في مواجهة السوق، إلى قوة تفاوضية.
ا
