بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست أخطر المعارك السياسية تلك التي تتبادل فيها الأحزاب الاتهامات؛ بل تلك التي تدور في أعماق جيل لم يعد يثق تماما باللغة التي يتحدث بها المتنافسون، ومع ذلك يجد نفسه مطلوبا من الجميع. جيل يقف عند حافة المستقبل، ينظر إلى الأبواب المغلقة، ويسأل سؤالا بسيطا في ظاهره، مرعبا في عمقه: هل المستقبل حقا ما ينتظرنا، أم ما قرر الآخرون أن يتركوه لنا؟ في العاشر من أكتوبر 2026، أشع مشهد سياسي يتجاوز حدود المنافسة الانتخابية المعتادة: غابرييل أتال في ليون، وجان لوك ميلانشون في كليرمون-فيران، وكلاهما يسعى إلى استمالة الشباب في الطريق إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2027. ظاهريا، نحن أمام اجتماعين انتخابيين تفصل بينهما المسافة والبرامج والخطابات؛ أما في العمق، فنحن أمام معركة على امتلاك المعنى: من يستطيع أن يقنع جيلا بأن السياسة ليست اسما آخر للعجز، وأن صوته ليس مجرد قطعة نقدية تُلقى في صندوق الاقتراع ثم تختفي؟
إن الشباب الفرنسي، في هذا المشهد، ليس جمهورا ينتظر خطيبا أكثر بلاغة، ولا كتلة بشرية يمكن استدراجها إلى المستقبل بوعود مصقولة. إنه مرآة تكشف ما تحاول السياسة أحيانا إخفاءه عن نفسها: اتساع المسافة بين ما تقوله المؤسسات وما يختبره الناس، بين لغة تكاد تجعل الفرص متاحة للجميع، وواقع يشعر فيه بعض الشباب بأن الطريق إلى الاستقرار أطول من أعمارهم، وأن الاستحقاق لا يكفي دائما لفتح الأبواب.
يأتي أتال من معسكر الوسط المرتبط بإرث إيمانويل ماكرون، حاملا خطاب التحديث والاستمرارية والقدرة على إدارة المؤسسات. أما ميلانشون، المخضرم في اليسار الراديكالي، فيحاول تحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة اعتراض على قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية. وبين الرجلين يقف جيل لا يجوز اختزاله في صورة الناخب المتردد، لأنه قد يكون، في الحقيقة، صاحب السؤال الأكثر حسما: ما قيمة النظام الذي يعدني بالفرص إذا كنت لا أرى في حياتي اليومية ما يكفي من الأدلة على عدالة توزيعها؟
لقد أعادت التحركات المرتبطة بالمدارس الثانوية والطلاب الشباب إلى قلب النقاش السياسي الفرنسي، في لحظة يسعى فيها المتنافسون إلى قراءة الغضب واستثماره. لكن وصف هذا الجيل بأنه «منزوع التسييس» يحتاج إلى مراجعة. فالابتعاد عن الأحزاب لا يعني بالضرورة الابتعاد عن السياسة، ورفض الشعارات لا يعني موت الوعي. قد يكون الشاب الذي لا يحضر اجتماعا حزبيا أكثر التصاقا بالسياسة من شخص يحفظ البرامج عن ظهر قلب؛ فهو يلتقي بها كل يوم في ثمن الإيجار، وفي شروط القبول الجامعي، وفي هشاشة العقود المهنية، وفي المسافة بين ما يحلم به وما يستطيع تحمله.
السياسة، في نهاية المطاف، ليست ما يقوله السياسيون عن المجتمع فحسب؛ إنها أيضا ما يضطر المجتمع إلى احتماله بسبب قراراتهم. ومن هنا تكتسب قضية «باركورسوپ»، منصة التوجيه إلى التعليم العالي، دلالتها الرمزية. فقد حمّل ميلانشون أتال مسؤولية سياسية عن جانب من غضب الشباب، مستندا إلى دور أتال السابق مقررا للقانون الذي أنشأ المنصة. لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين المسؤولية التشريعية، والسياسات الحكومية اللاحقة، وآليات التنفيذ، والاختلالات البنيوية في توزيع الفرص والمقاعد الجامعية. فاختزال أزمة التعليم في اسم واحد قد يخدم السجال الانتخابي، لكنه لا يفسر وحده تعقيدات منظومة تتداخل فيها الموارد المحدودة، والتفاوتات الاجتماعية، والاختيارات العامة. السؤال الأشد إزعاجا ليس من كتب القانون، بل لماذا يشعر بعض الطلاب بأن مستقبلهم معلق على شاشة، وأن قرارات تمس حياتهم قد تصلهم في صيغة إدارية باردة، بينما تظل الأسئلة التي تقلقهم أكبر من أن تختصرها رسالة إلكترونية. حين يصبح الانتقال إلى الجامعة امتحانا للكرامة، لا مجرد مرحلة تعليمية، نكون أمام خلل يتجاوز التقنية إلى تصور المجتمع لنفسه: هل التعليم حق يفتح أبواب الحراك الاجتماعي، أم ممر ضيق يتنافس الجميع على عبوره، ثم يُطلب ممن تعثر أن يتقبل النتيجة باسم الحياد؟
إن الشاب لا يطلب بالضرورة إعفاءه من المنافسة، بل يريد أن يعرف أن قواعدها عادلة، وأن جهده ليس تفصيلا صغيرا في معادلة غامضة. فالمساواة لا تعني أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها، وإنما أن تكون فرص الوصول إلى النتيجة أقل ارتهانا للظروف الاجتماعية والجغرافية التي يولد فيها الإنسان. أما أن تتحول الامتيازات الموروثة إلى علامات على التفوق الفردي، ثم يُطلب من المحرومين أن يفسروا إخفاقهم بنقص الاجتهاد، فتلك ليست عدالة؛ إنها طريقة أنيقة لإخفاء التفاوت خلف ستارة الاستحقاق. من هنا يبدو الخطاب السياسي الذي يخاطب الشباب من دون أن يواجه أسئلة السكن والعمل والتعليم والحراك الاجتماعي أشبه بمن يوزع خرائط فاخرة على مسافرين لا يملكون ثمن التذكرة. إنه يمنحهم صورة الطريق، لكنه لا يزيل الحواجز التي تعترضه.
لكن الإنصاف السياسي يقتضي ألا تتحول مساءلة غابرييل أتال إلى محاكمة تختزل أزمة الشباب الفرنسي في شخص واحد، كما لا ينبغي أن تتحول معارضة جان لوك ميلانشون إلى شهادة براءة تمنحه حق احتكار الغضب الاجتماعي. فالمسؤولية هنا متعددة المستويات، ولا تتوزع بالتساوي لمجرد أن الخصمين يقفان على طرفي السجال. يتحمل أتال مسؤولية سياسية تستدعي النقاش بسبب دوره السابق مقررا للقانون الذي أنشأ منصة «باركورسوپ»، وبسبب موقعه داخل المعسكر السياسي الذي شارك في صياغة الخيارات الحكومية خلال السنوات الماضية. غير أن تحديد هذه المسؤولية يقتضي التمييز بين دوره التشريعي، والقرارات التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة، وكيفية تطبيق المنصة، والاختلالات التي تتجاوزها إلى بنية التعليم العالي وتفاوت الفرص الاجتماعية. فالمحاسبة الجادة لا تعني تعليق أزمة معقدة على كتف رجل واحد، بل تحديد ما قرره، وما دافع عنه، وما كان يملك تغييره، وما ينبغي أن يُسأل عنه فعلا.
أما ميلانشون، فلا يكفي أن يرفع صوته باسم الطلاب والمهمشين كي يصبح بمنأى عن المساءلة. فالمعارضة ليست موقعا أخلاقيا معصوما، والغضب الاجتماعي لا يتحول تلقائيا إلى برنامج قابل للتنفيذ لمجرد أن لغته أكثر حدة. ومن حق الجمهور أن يسأل عن واقعية البدائل المطروحة، وعن قدرتها على معالجة مشكلات التعليم والسكن والعمل، وعن المسافة بين الوعود الانتخابية وإمكانات تحقيقها. كما أن استثمار الاحتجاجات سياسيا لا يمنح أي طرف حق الادعاء بأنه الممثل الوحيد للشباب أو المالك الشرعي لغضبهم. هنا ينبغي أن يستعيد النقاش توازنه: أتال يُسأل عن خيارات الحكم التي شارك في صياغتها وعن نتائجها وحدودها، وميلانشون يُسأل عن البدائل التي يقترحها وعن قابليتها للتحول إلى سياسات فعالة. الأول لا يُدان لمجرد انتمائه إلى السلطة، والثاني لا يُبرّأ لمجرد وقوفه في المعارضة. فالمعيار الديمقراطي ليس موقع السياسي في المشهد، بل ما يمكن إثباته بشأن قراراته ومواقفه، وما يقدمه من حلول، ومدى استعداده لتحمل تبعاتها.
ولعل الخلل الأعمق يبدأ حين تتحول المسؤولية السياسية إلى لعبة لتبادل الاتهامات: يرد الحكم إخفاقاته إلى تعقيدات الواقع، وترد المعارضة كل تعقيدات الواقع إلى أخطاء الحكم، بينما يظل الشاب عالقا بين تفسيرين متنافسين لحياة لا تنتظر انتهاء السجال. عندئذ تصبح السياسة بارعة في توزيع اللوم، عاجزة عن توزيع الفرص. ليس المطلوب مساواة مصطنعة بين الطرفين، ولا افتراض أن مسؤولياتهما متطابقة؛ فالمسؤولية تتحدد بحسب السلطة الفعلية، والدور الذي أداه كل منهما، والقرارات التي اتخذها أو دافع عنها، والقدرة التي امتلكها على التأثير. المطلوب هو تطبيق المعيار نفسه على الجميع، مع مراعاة اختلاف مواقعهم. فالحكم يتحمل مسؤولية مباشرة عن سياساته ونتائجها، والمعارضة تتحمل مسؤولية الصدق في النقد والجدية في تقديم البدائل. بهذا المعنى، لا ينبغي أن يكون الشباب موضوعا لمحاكمة بين أتال وميلانشون، بل أن يكونا هما، معا، موضع مساءلة أمام أسئلتهم. ليس من يملك الخطاب الأكثر إقناعا، بل من يستطيع أن يقدم تفسيرا أدق للأزمة، وحلولا أكثر قابلية للتنفيذ، وضمانات أقوى لئلا يدفع الجيل الجديد ثمن إخفاقات لم يشارك في صنعها. فالديمقراطية لا تقتضي أن تتساوى الأحزاب في المسؤولية، بل أن تتساوى في الخضوع للمساءلة. وحين يصبح هذا المبدأ قاعدة لا استثناء، تتوقف المنافسة عن كونها صراعا على امتلاك الشباب، وتصبح امتحانا سياسيا أمامهم: من يستطيع أن يبرهن، بالفعل لا بالبلاغة وحدها، أنه جدير بثقتهم؟
فالسياسة بارعة في استعارة مفردات الأجيال الجديدة. تتحدث عن الحرية والمناخ والعدالة والابتكار، وتستدعي أحلام الشباب ببلاغة قد تحسدها عليها الرواية، ثم تعود أحيانا إلى عاداتها القديمة: صناعة الخصوم، وتضخيم المخاوف، وتحويل القلق الاجتماعي إلى رأسمال انتخابي. وهكذا قد يصبح الشباب أكثر حضورا في الخطب، من دون أن يصبحوا أكثر تأثيرا في القرارات؛ وقد تتحول معاناتهم إلى مركز المشهد الإعلامي، فيما يظلون على هامش صناعة الحلول. لكن الشباب ليسوا قبيلة سياسية واحدة تنتظر زعيما يوحدها. ثمة طالب يخشى أن يخسر مكانه في الجامعة، وعامل لا يكفيه راتبه حتى نهاية الشهر، وخريج يتنقل بين العقود المؤقتة، وشابة ترى أن طموحها يصطدم بعوائق لا تظهر في البيانات الرسمية. تختلف مصالح هؤلاء، وتتباين رؤاهم، وقد تتعارض اختياراتهم الانتخابية. لذلك فإن ادعاء امتلاك صوت الشباب جميعا ليس سوى شكل آخر من أشكال مصادرة أصواتهم. إن أخطر ما يمكن أن تفعله السياسة بجيل كامل هو أن تختزله في فئة إحصائية، ثم تتحدث باسمه كما لو أنها تعرفه أكثر مما يعرف نفسه.
ولعل هنا تكمن المفارقة الفلسفية الأعمق: الديمقراطية تمنح المواطن حق اختيار من يحكمه، لكنها لا تضمن، بمجرد الاقتراع، أن يشعر المواطن بقدرته على التأثير في حياته. فالحرية السياسية تفقد بعض معناها حين تتسع المسافة بين الصوت والنتيجة، وحين يبدو المستقبل كأنه مشروع يُدار في مكان آخر، بأدوات لا يستطيع المواطن فهمها أو مساءلتها. عندئذ لا يعود الخطر مقتصرا على خسارة مرشح أو فوز آخر؛ بل يمتد إلى تآكل الإيمان بأن المشاركة نفسها قادرة على تغيير الواقع. فهل يكفي أن نمنح الشباب حق الاختيار إذا كانوا يشعرون بأن الخيارات المطروحة لا تمس جوهر أزماتهم؟ وهل تستطيع الديمقراطية أن تستعيد ثقة جيل لا يطلب بالضرورة عالما مثاليا، بل يريد فقط أن يرى علاقة معقولة بين الجهد والنتيجة، وبين المواطنة والكرامة، وبين الوعد السياسي والحياة التي يعيشها؟
ربما لا يحتاج الشباب الفرنسي إلى من يتحدث بصوت أعلى باسمهم، بل إلى مؤسسات تتعلم كيف تصغي من دون أن تحول الإصغاء إلى حملة دعائية. يحتاجون إلى برامج قابلة للمحاسبة، وقرارات قابلة للفهم، وفرص لا تتحول فيها الخلفية الاجتماعية إلى حكم مسبق على المصير. يحتاجون إلى أن يروا أن السكن والتعليم والعمل ليست ملفات منفصلة عن الديمقراطية، بل من صميم معناها؛ لأن المواطن الذي يعجز عن بناء حد أدنى من الاستقرار لا يفقد موردا ماديا فحسب، بل قد يفقد أيضا إحساسه بأنه شريك كامل في المجتمع. ومهما كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية لعام 2027، فإن فوز أتال أو ميلانشون لن يكون وحده مقياس النجاح أو الإخفاق. هناك امتحان أقل صخبا وأكثر عمقا: هل سيشعر الشباب بأن أصواتهم لا تُستدعى مرة كل بضع سنوات ثم تُعاد إلى الصمت؟ هل ستصبح مشاركتهم جزءا من صناعة السياسات، أم ستظل مناسبة موسمية تتجدد فيها الوعود وتُستهلك فيها الآمال؟
إن المستقبل ليس غنيمة انتخابية، والشباب ليسوا أرضا سياسية يتنازع المتنافسون حدودها. إنهم أصحاب ذلك المستقبل، حتى حين تختلف آراؤهم حول الطريق إليه. وإذا كانت السياسة تريد استعادة ثقتهم، فعليها أن تكف عن معاملتهم بوصفهم خزانا للأصوات، وأن تبدأ في رؤيتهم باعتبارهم شركاء في تقرير ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع. فأخطر ما قد يحدث للديمقراطية ليس أن يرفض الشباب مرشحا بعينه، بل أن يقتنعوا بأن المستقبل سيحدث من دونهم، وأن الوجوه ستتغير بينما تبقى حياتهم محكومة بالمسافة نفسها بين القرار والواقع. عندئذ لن تكون الخسارة خسارة حزب في انتخابات، بل خسارة السياسة قدرتها على إقناع جيل كامل بأن صوته يستحق أن يُسمع. وحين يصل المجتمع إلى هذه العتبة، لا يعود السؤال: من سيربح أصوات الشباب في 2027؟ بل يصبح أكثر قسوة وعمقا: من سينقذ المستقبل من أن يتحول إلى وعد انتخابي آخر، ومن سينقذ الديمقراطية من جيل لم يعد يرى فيها انعكاسا لحياته؟
