حين طلب كيرا الصابون من مستحم في حمام السعادة

الحلقة الخامسة عشرة من طرائف أسطورة النكتة في الحي المحمدي (المرحوم كيرا)

بقلم عبد الله شوكا، كاتب وصحافي- المغرب.

كان كيرا، رحمه الله، رجلا إذا دخل مكانا أدخل الضحك معه، وإذا نطق حوّل أبسط الوقائع إلى نادرة تتناقلها الألسن. لم يكن يحتاج إلى إعداد نكتة، فالحياة نفسها كانت تمده بمادتها، وكان لسانه يتولى الباقي. ومن طرائفه التي حفظها أبناء الحي المحمدي، ما وقع له ذات مساء في حمام السعادة. دخل كيرا الحمام لتسخين عظامه، فإذا بالمستحمين يفرحون بقدومه، وكأن الفرجة قد دخلت عليهم من الباب قبل أن ينزع الرجل ثيابه. وبينما هو منهمك في غسل جسده، أخذ يتفقد لوازمه، فاكتشف أنه نسي الصابون. ولم يجد بدا من طلبه من أحد المستحمين في الجهة المقابلة. ناداه كيرا وطلب منه صابونة، فما كان من الرجل إلا أن دفع إليه قطعة ضخمة، من ذلك النوع الذي يشبه كف اليد، حتى انزلقت على أرض الحمام، وتدحرجت في اتجاه كيرا، قبل أن تستقر عند قدميه. انحنى كيرا والتقطها، ثم وقف يتأملها.

ولعل الرجل الذي أعاره الصابون لم يكن يرى في الأمر ما يستحق الوقوف عنده؛ فقد طلب منه الرجل صابونة، وها هي ذي الصابونة بين يديه، فما المشكلة؟ ولكن كيرا لم يكن ينظر إلى الأشياء بعين المستحم العادي، وإنما بعين رجل لا تفوته المفارقة، ولا تمر أمامه واقعة إلا فتش في ثناياها عن شيء يضحك الناس. قلب الصابونة بين يديه، ونظر إلى حجمها، ثم رفع رأسه نحو صاحبها، وعاد ببصره إلى الصابونة مرة أخرى. وكأنه يقيس المسافة بين ما طلبه وما أعطيه، أو يقارن بين الصابونة التي يحتاج إليها وتلك التي انتهت إلى قدميه، وكأن الرجل لم يعِره صابونا للاستحمام، بل سلمه قطعة من مؤونة حمام بأكمله! ثم حدث ما لم يكن في حسبان أحد. رد كيرا الصابونة إلى صاحبها، وقال له بلهجة أهل الحي المحمدي، مستنكرا هذا الحجم الذي نزل عليه به:

«تْمالي أنا دانكري، عاطيني هاد الصابونة كَدّ هَكّ؟!»

وهنا انفجرت النكتة من موضع لم يكن أحد ينتظره. فكيرا لا يعترض على الصابون من حيث هو صابون، ولا يرفض عارية الرجل لأنه لا يريد أن يستحم، وإنما يعترض على الحجم، ثم يستدعي إلى ساحة الاعتراض سروال الدانكري! وكأن الصابون، قبل أن يسلم إلى صاحبه، ينبغي أن يمر على لجنة لتقدير المقاسات، فتؤخذ فيها ملابس المستحم بعين الاعتبار، ويمنع فيها كل تجاوز بين حجم الصابونة وحجم ما يلبسه الرجل! يا لها من محاكمة عجيبة! الرجل يطلب صابونا، فيعطى صابونا، ثم يرده لأن مقاسه لا يتناسب مع سروال الدانكري! فأي علاقة أقامها كيرا بين الأمرين؟ وأي قانون من قوانين الحمام اكتشفه في تلك اللحظة؟ ذلك هو سر النكتة؛ أن يأتيك الجواب من جهة لم تكن تنتظرها، وأن يجمع المتكلم بين شيئين لا يبدو بينهما رابط، ثم يلقيهما في وجهك ببراءة تجعل الاعتراض نفسه مدعاة للضحك.

ولم يكن كيرا بحاجة إلى أن يشرح كلامه، أو يضيف إليه كلمة واحدة؛ فقد كانت العبارة، بلهجتها المحلية، وبإيقاعها العفوي، وبالمفارقة التي تحملها، كافية لأن تشعل المكان. ولو أنه أخذ يفسر للمستحمين وجه العلاقة بين الصابونة وسروال الدانكري، لربما أفسد ما صنعه في لحظة؛ فالنكتة عنده لم تكن تحتاج إلى شرح، وإنما كانت تحتاج إلى أذن تلتقطها، ومخيلة تستوعب مباغتتها، ثم تترك للضحك أن يتولى بقية الأمر. أما المستحمون، فما إن سمعوا العبارة حتى انطلقت قهقهاتهم من كل ناحية. ضحك هذا وهو ينظر إلى صاحب الصابونة، وضحك ذاك وهو يستعيد العبارة في ذهنه، وكأن كل واحد منهم يحاول أن يفهم كيف انتقل كيرا، في لمح البصر، من طلب صابونة عادية إلى الاعتراض على مقاسها بلغة الدانكري. وأما صاحب الصابونة، فقد وجد نفسه متهما في قضية لم يكن يعلم بوجودها؛ جاءه رجل يطلب منه صابونا، فأجابه بما عنده، فإذا به يفاجأ بأن صابونته أكبر من اللازم، وأن كرمه قد تجاوز الحدود المسموح بها في ميزان كيرا! ولعله لو كان يعلم أن الصابونة ستجر عليه كل هذه المحاكمة، لفتش عن أصغر قطعة عنده، حتى لا يجد نفسه متهما بتضخيم أدوات النظافة في حمام السعادة.

وكانت الضحكات تزداد كلما استعاد المستحمون العبارة، أو نظروا إلى الصابونة التي عادت إلى صاحبها بعد أن رفضت لأسباب لا تخطر على بال. فالصابونة التي دخلت المشهد أداة للنظافة، خرجت منه موضوعا للسخرية، وصاحبها الذي أراد أن يسدي خدمة بسيطة صار طرفا في نادرة ستعيش أطول من الصابونة نفسها. ومن شدة الضحك، لم يعد بعض الحاضرين قادرا على الوقوف. وكان فيهم من أضنته حرارة الحمام، فزادته نكتة كيرا إنهاكا، حتى انحنى بجسده، ثم هوى إلى الأرض من فرط الضحك، وكأن حرارة البخار لم تعد شيئا يذكر أمام الحرارة التي أطلقتها تلك العبارة القصيرة. وهنا تظهر براعة كيرا في التقاط اللحظة؛ فلم يلق نكتة محفوظة جاء بها من الشارع، ولم يستدع حكاية سمعها في المقهى، وإنما صنع من موقف عابر مشهدا كاملا. صابونة ضخمة، ورجل يطلبها، ومستحم يعيرها، ثم اعتراض لا يخطر على بال، وسروال دانكري يدخل على الخط من غير استئذان؛ فإذا بالحمام كله يتحول إلى مسرح للضحك.

رحم الله كيرا، فقد كان ابن الحي المحمدي الذي عرف كيف يستخرج من تفاصيل الحياة اليومية ما يعجز غيره عن رؤيته. بقيت الصابونة مع صاحبها، وانتهى الاستحمام، وغادر الناس الحمام، لكن النكتة ظلت تتناقلها الألسن، لأن كيرا لم يكن يترك وراءه كلاما عابرا، بل كان يترك حكاية تستيقظ كلما تذكرها الناس. طلب كيرا صابونا ليغسل جسده، فلما جاءته أكبر مما أراد، غسل بها حمام السعادة من صمته، وأغرق المستحمين في الضحك؛ أما سروال الدانكري، فقد دخل التاريخ من باب الصابونة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *