بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة شيء يثير القلق في المجتمعات التي لا يعود شبابها يطرقون أبواب المستقبل، بل يطرقون أبواب المؤسسات بغضب؛ ليس لأن الغضب فضيلة في ذاته، ولا لأن كل احتجاج يحمل الحقيقة في جيبه، بل لأن اللحظة التي يتحول فيها الاحتجاج إلى أزمة متكررة تكشف أن شيئا ما تعثّر في المسافة بين من يحكمون الواقع ومن يُطلب منهم أن يعيشوا داخله. في فرنسا، ومع تجدّد تحركات طلاب الثانويات والجامعات، خرجت منظمة «فرانس أونيڤيرسيتي» (France Universités)، التي تمثل رؤساء الجامعات الفرنسية، لتستنكر ما وصفته بالاستهداف المنهجي لرؤساء المؤسسات الجامعية، وبما يتعرض له بعضهم من إهانات ومضايقات، قد تبلغ، وفق بيانها، حد التهديدات بالقتل والإساءات العنصرية أو المعادية للسامية. كما أدانت تخريب مبان جامعية، مشيرة إلى أن الأضرار التي لحقت ببعضها قد تحول دون استئناف الدروس لأسابيع. وكان موقفها واضحا: لا يمكن قبول تحويل رؤساء الجامعات إلى متهمين دائمين، بين من يصفهم بالتساهل ومن يتهمهم بالتسلط.
لكن وراء هذا البيان، الذي صدر يوم الأحد 11 أكتوبر 2026، سؤال أكبر من حدود الحرم الجامعي: متى يصبح المسؤول الذي يطلب احترام المؤسسة عاجزا عن إقناع من يفترض أنهم ينتمون إليها؟ ومتى يصبح الشاب الذي يطالب بأن يُسمع صوته مستعدا لإسكات الآخرين باسم صوته؟ ليس من الحكمة أن نمنح الغضب صكّ البراءة، كما ليس من العدل أن نمنح السلطة صكّ الحقيقة. فتخريب الجامعة ليس فعلا تحرريا لمجرد أن مرتكبيه غاضبون، وتهديد المسؤول لا يصبح مشروعا لأن صاحبه يشعر بالتهميش. غير أن إدانة العنف، على ضرورتها، لا تجيب وحدها عن السؤال الذي أنجبه؛ إذ يمكن إصلاح نافذة محطمة في ساعات، بينما يستغرق إصلاح الثقة سنوات، وقد لا تكفيه ميزانيات كاملة.
الجامعة، في معناها الأعمق، ليست مبنى تُلقى فيه المحاضرات، بل عقد غير مكتوب بين المجتمع ومستقبله. يدخلها الشاب وفي ذهنه وعد مبهم بأن المعرفة ستمنحه قدرة أكبر على فهم العالم وتغيير موقعه فيه. فإذا أخذت الشهادة تفقد قدرتها على ضمان الكرامة، وإذا بدا المستقبل مثل باب إلكتروني لا يستجيب مهما تكررت المحاولة، فإن السؤال لا يعود متعلقا بمقاعد الدراسة وحدها، بل بقيمة الوعد الذي تقدمه المؤسسات للأجيال الجديدة. هنا تكمن المفارقة: الشباب يريدون أن يُعاملوا بوصفهم فاعلين في المجال العام، فيما تبدو بعض المؤسسات وكأنها لا تراهم إلا حين يعطلون انتظامها. وقد دعت «فرانس أونيڤيرسيتي» نفسها، في موقف سابق خلال الأسبوع ذاته، إلى تنظيم «مؤتمر عام للشباب»، معتبرة أن الاعتراف بالشباب بوصفهم فاعلين في النقاش العام أصبح أمرا ملحّا. وهذه الدعوة، بصرف النظر عن نتائجها، تفتح نافذة على اعتراف ضمني بأن الأزمة لا تختزل في سلوك المحتجين، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين الأجيال وصنّاع القرار.
لكن ثمة فخّا ينبغي الحذر منه: أن تتحول كل أزمة داخلية إلى مسرح لإسقاط خصومات خارجية عليها، أو أن تستدعى التوترات الجيوسياسية لتفسير ما لا تفسره الأدلة. وإذا كان الحديث عن الاستفزازات الإسبانية حاضرا في بعض السجالات السياسية، فإن إدخالها في قراءة الاحتجاجات الفرنسية يقتضي التمييز بين الوقائع الموثقة والتأويلات، وبين التنافس السياسي والتدخل الفعلي. لا يتضمن الخبر المنشور ما يثبت وجود صلة بين التحركات الطلابية وأي استفزاز إسباني؛ ومن ثم فإن اختلاق هذه الصلة لن يكون تحليلا عميقا، بل قفزة فوق الحقيقة. أما إذا وُجدت وقائع محددة عن تدخل أو تحريض خارجي، فمكانها البحث والتوثيق، لا الإيحاء الذي يتخفى في هيئة يقين.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب العقل السياسي هو أن يرى يدا أجنبية خلف كل اضطراب، فيعفي نفسه من مساءلة الأسباب الداخلية؛ مثلما أن أخطر ما يصيب الحركة الاحتجاجية أن تعتبر كل نقد لها مؤامرة لإسكاتها. بين هذين العمين تضيع الحقيقة، وتتحول السياسة إلى مرآة لا يرى كل طرف فيها إلا الصورة التي يريدها. ولعل السؤال الأكثر إزعاجا ليس لماذا يحتج الشباب، بل لماذا لا تصبح المؤسسات قادرة على استيعاب احتجاجهم قبل أن يتحول إلى مواجهة؟ ولماذا يختلط أحيانا الدفاع عن هيبة المؤسسة بالدفاع عن قرارات القائمين عليها؟ وهل تستطيع الجامعة أن تظل فضاء للنقد إذا كان النقد يستقبل بوصفه إهانة، أو أن تحمي حرية التعبير إذا سمحت للتهديد والتخريب بأن يتنكرا في ثياب النضال؟
إن العقلانية لا تعني الوقوف في المنتصف بين الحق والباطل، بل تعني رفض الكذب حتى حين يخدم الموقف الذي نفضله. ولذلك ينبغي أن يدان الاعتداء على الأشخاص، وأن يرفض التخريب الذي يحرم الطلاب من حقهم في التعلم، وأن تُحمى حرية الاحتجاج السلمي في الوقت نفسه. فالمؤسسة التي لا تحمي حق الاختلاف تتحول إلى جهاز للطاعة، والحركة التي لا تحترم حق الآخرين تتحول إلى سلطة مصغرة تطالب المجتمع بما ترفض أن تمنحه له. ربما لا تحتاج فرنسا اليوم إلى أن تنتصر الجامعة على شبابها، أو أن ينتصر الشباب على جامعاتهم، بقدر ما تحتاج إلى كسر هذه الثنائية العقيمة. فليس كل مسؤول خصمًا، وليس كل محتج ضحية، وليس كل هدوء دليلا على الرضا، كما أن الضجيج ليس برهانا على العدالة.
إن المجتمع الذي يسمع أبناءه فقط حين يكسرون الزجاج يكون قد تأخر كثيرا في الإصغاء، لكن المجتمع الذي يسمح لهم بتحطيم الزجاج كلما أرادوا الكلام يكون قد أخفق أيضًا في تعليمهم معنى الحرية. وبين الصمت والانفجار، ثمة مساحة ثالثة لا تُبنى بالخطب ولا بالاتهامات: مساحة الاعتراف المتبادل، والمساءلة، والقدرة على تحويل الغضب إلى اقتراح، والاحتجاج إلى إصلاح، والجامعة من ساحة صراع على السلطة إلى مختبر للسؤال. فهل نحن أمام أزمة شباب لا يعرفون كيف يطلبون المستقبل، أم أمام مؤسسات لم تتعلم بعد كيف تجيب عن أسئلتهم؟ أم أن الحقيقة الأشد إزعاجًا تكمن في أن الطرفين يتحدثان اللغة نفسها، لكن كلًّا منهما لم يعد يسمع الآخر؟ حين يحدث ذلك، لا تكون الجامعة وحدها في خطر؛ يكون المستقبل نفسه قد بدأ يفقد لغته.
