بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة حروب لا تكتفي بقتل الأجساد؛ إنها تريد، أيضا، قتل الرواية التي تنجو من الركام. وحين يعجز الدخان عن حجب المشهد، تبدأ معركة أخرى لا تقل ضراوة عن المعركة فوق الأرض: معركة من يملك حق تسمية الموت، ومن يقرر أي شهادة تستحق الحياة، وأي صوت ينبغي أن يظل محبوسا في حنجرة الخوف. في هذه المنطقة المعتمة من السياسة، يأتي طلب بنيامين نتنياهو فتح تحقيق في المشاركين في الفيلم الوثائقي «NAZA» وملاحقتهم قضائيا، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية يوم 11 أكتوبر 2026. لم يعد السؤال، في هذه الحالة، مقتصرا على ما يقوله الفيلم عن الحرب في غزة، بل امتد إلى مصير الذين قرروا الكلام، وإلى الحدود التي تستطيع السلطة رسمها بين الشهادة والخيانة.
يعتمد الفيلم، الحائز جائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقية، على شهادات مجهلة لـ24 شخصا من أفراد الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. ويعرض، بحسب مضمونه كما نقلته التقارير الصحفية، روايات عن آليات اتخاذ القرار في الضربات العسكرية، وعن سقوط مدنيين يقول الشهود إن قتل كثيرين منهم كان متعمدا. وهي اتهامات خطيرة تستوجب التحقيق المستقل والتحقق من الأدلة، لا التعامل معها باعتبارها أحكاما قضائية نهائية، ولا إسكاتها لمجرد أنها تمس مؤسسة عسكرية. لقد رفض الجيش الإسرائيلي، وفق التقرير، الاتهامات الواردة في الفيلم، وشكك في موثوقية الشهادات. ومن حق أي مؤسسة أن تدافع عن نفسها وأن تطعن في الأدلة المقدمة ضدها، لكن الحق في الدفاع لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز يمنع الآخرين من السؤال. فالفارق شاسع بين تفنيد شهادة وإخضاع صاحبها للترهيب، وبين محاكمة الوقائع ومحاكمة من يجرؤ على روايتها.
هنا تبدأ الفلسفة عملها الحقيقي: ماذا تكون الحقيقة حين يصبح الوصول إليها مخاطرة؟ وهل يمكن للدولة أن تحمي صورتها بإحاطة صورتها بسياج من العقوبات؟ إن الحقيقة لا تتحول إلى كذب لأن قائلها مجهول، كما أنها لا تصبح حقيقة مكتملة لمجرد أن قائلها خاطر بحياته. المعيار هو الأدلة، وإمكان التحقق، واستقلال التحقيق، وحق الدفاع. غير أن السلطة التي تخشى الشهادة أكثر مما تخشى احتمال كذبها تضع نفسها أمام سؤال لا تستطيع الإجابة عنه بالقوة وحدها: لماذا يبدو الصوت أخطر من الواقعة التي يرويها؟
إن الاسم العسكري الذي يتناوله الفيلم، «NAZA»، يحيل، بحسب التقرير، إلى تقديرات الأضرار الجانبية قبل تنفيذ الضربات. وفي هذه العبارة البيروقراطية يكمن أحد أكثر تناقضات الحرب رعبا: كيف يمكن للموت أن يدخل جداول الحساب، وكيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى رقم متوقع في معادلة عسكرية؟ حين يصبح سقوط المدنيين بندا في تقدير مسبق، لا يعود السؤال أخلاقيا فقط، بل قانونيا أيضا: ما الذي كان معروفا قبل الهجوم؟ وما الاحتياطات التي اتخذت؟ وهل كانت الخسائر المتوقعة متناسبة مع الميزة العسكرية المرجوة؟ وهل جرى التمييز بين المدنيين والمقاتلين؟
هذه أسئلة لا يحسمها فيلم، ولا بيان حكومي، ولا خطاب تعبوي. إنها تحتاج إلى أدلة قابلة للفحص وتحقيق مستقل، في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني. فحماية المدنيين ليست مكافأة تمنحها الجيوش حين تسمح الظروف، بل التزام قانوني لا يسقط تحت ضغط الحرب، كما أن استهداف المدنيين عمدا، إذا ثبتت عناصره القانونية، ليس مجرد خطأ في الحساب، بل انتهاك بالغ الخطورة. وبحسب الأرقام التي أوردها التقرير نقلا عن وزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد القتلى 74 ألفا، وهي حصيلة قالت الأمم المتحدة إنها موثوقة. ومع ذلك، فإن كل رقم، مهما ارتفع، يخفي عالما كاملا: اسما لم يعد أحد يناديه، وبيتا فقد مركزه، وطفلا لم يعد المستقبل بالنسبة إليه زمنا مفتوحا. الأرقام ضرورية لفهم حجم الكارثة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنقل معناها الإنساني. وربما كانت إحدى وظائف الشهادة أن تعيد إلى الرقم وجهه، وأن تمنع الموت من التحول إلى خبر عابر بين نشرتين.
لقد اتهم نتنياهو الفيلم بأنه مضلل ومتحيز ويسيء إلى إسرائيل وجيشها، بينما سبق لوزير الثقافة الإسرائيلي أن دعا، بحسب التقرير، إلى سحب الجنسية من مخرجيه، يوڤال أبراهام وراشيل شور. وهنا يطل سؤال المواطنة من نافذة أكثر ظلمة: هل الجنسية رابطة قانونية وحقوقية بين الإنسان ودولته، أم امتياز مشروط بمدى انسجامه مع الرواية الرسمية؟ إذا صار النقد سببا محتملا للتجريد من الانتماء، فمن يملك عندئذ حق تعريف الوطن؟ وهل يكون الولاء للدولة هو الصمت عن أخطائها، أم منعها من التحول إلى سلطة لا تخضع للمساءلة؟
ليست البطولة أن نصدق كل شاهد، ولا العدالة أن نكذب كل مؤسسة. البطولة الفكرية أن نترك الأدلة تتكلم، حتى حين تزعجنا، وأن نمنح المتهم حق الدفاع، والشاهد حق الحماية، والضحايا حق ألا تتحول مأساتهم إلى مادة للمزايدة السياسية. فالدولة القوية ليست تلك التي تمنع صورتها من التشقق، بل تلك التي تستطيع النظر في شقوقها من دون أن تحطم المرآة. وفي النهاية، ربما لا تكون المعركة الحقيقية حول فيلم «NAZA» وحده، بل حول الحق في رواية الحرب بعد وقوعها، وحول ما إذا كان العالم يريد معرفة ما جرى أم يريد فقط رواية يمكنه احتمالها. فحين يصبح الشاهد متهما قبل أن تفحص شهادته، وحين يسبق الاتهامُ التحقيقَ، لا تعود المشكلة في صورة الدولة وحدها؛ إنها تمتد إلى معنى العدالة نفسها. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للحقيقة ليس أن ينكرها الأقوياء، بل أن يصبح الخوف من قولها أقوى من الرغبة في معرفتها.
