فرنسا واختبار الشارع: حين تصبح حماية الحقوق امتحانا للدولة

ليست الديمقراطية مرآة لا تشوبها الشقوق، بل قدرة متجددة على النظر في تلك الشقوق من دون إنكارها. ولعل قيمة الدول التي جعلت حقوق الإنسان جزءا من هويتها السياسية لا تكمن في افتراض أنها بمنأى عن الأخطاء، وإنما في امتلاكها مؤسسات تستطيع كشفها ومراجعتها ومنعها من التحول إلى ممارسة عادية. من هذا المنظور، تبدو الاحتجاجات الطلابية في فرنسا مناسبة للتأمل في المسافة الدقيقة بين ضرورة حفظ النظام وواجب صون الحريات. وفق ما أوردته صحيفة «20 مينوت»، نقلا عن وكالة الصحافة الفرنسية، في 12 أكتوبر 2026، أعلن المدافع عن الحقوق تلقيه 28 إخطارا فرديا منذ بداية الحراك الطلابي، مشيرا إلى ضرورة التوفيق بين الأمن وحماية الحقوق والحريات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالقاصرين. والرقم في حد ذاته لا يثبت وقوع انتهاكات، ولا يسمح بإدانة مسبقة لقوات الأمن، فالإخطار ليس حكما قضائيا. لكنه يفتح بابا مشروعا للسؤال: ما طبيعة الوقائع التي دفعت أصحابها إلى طلب تدخل مؤسسة مستقلة؟ وهل جرى احترام التناسب والضوابط القانونية في كل حالة؟

في المجتمعات الديمقراطية، لا يمثل وجود مثل هذه الأسئلة دليلا تلقائيا على انهيار النموذج، بل قد يكون علامة على حيويته. ففرنسا، بما تملكه من مؤسسات رقابية وآليات قانونية لحماية الحقوق، لا تختزل في حادثة أو مجموعة شكاوى، كما لا ينبغي أن تعفى مؤسساتها من الفحص لمجرد انتمائها إلى تقليد جمهوري عريق. إن قوة المؤسسات لا تتجلى في غياب الشبهات وحده، بل في قدرتها على التعامل معها بجدية وشفافية، من دون تحويل المساءلة إلى خصومة مع الدولة. ومع ذلك، تظل المفارقة قائمة: كيف يمكن التوفيق بين حق السلطات في حماية الأشخاص والممتلكات وضمان استمرار الحياة العامة، وحق الشباب في التعبير والاحتجاج؟ ليس الشارع فضاء بلا قواعد، وليست السلطة مطالبة بالتفرج على كل ما قد يهدد السلامة العامة. لكن الضرورة الأمنية نفسها تستدعي حدودا واضحة، لأن القوة المشروعة ليست تلك التي تستطيع التدخل فحسب، بل تلك التي تستطيع تبرير تدخلها وإثبات تناسبه مع الخطر الفعلي.

هنا تبرز أهمية الفلسفة السياسية. فقد جعل جون لوك مشروعية السلطة مرتبطة بحماية الحقوق، فيما تذكرنا أفكار ميشيل فوكو بأن المؤسسات لا تكتفي بتنظيم السلوك، بل تؤثر أيضا في الطريقة التي يفهم بها الأفراد علاقتهم بالطاعة والحرية. ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى احتجاج التلاميذ باعتباره مجرد اضطراب ينبغي احتواؤه، ولا إلى كل تدخل أمني باعتباره قمعا بالضرورة. الأهم هو فهم الوقائع، والتمييز بين ما تفرضه حماية النظام وما قد يتجاوز حدودها. ويكتسب هذا التمييز أهمية إضافية عندما يتعلق الأمر بالقاصرين. فحداثة السن لا تعني إعفاء مطلقا من المسؤولية، لكنها تفرض عناية أكبر في أساليب التدخل، وفي مراعاة الكرامة، وفي ضمان إمكان الاعتراض على أي تجاوز. فالمدرسة لا تعد الشباب للامتحانات وحدها، بل للمواطنة أيضا؛ والمواطنة لا تعني الطاعة العمياء، كما لا تعني رفض القواعد، وإنما فهمها والمشاركة في مساءلة كيفية تطبيقها.

ومن الخطأ، في المقابل، تحويل الوقائع المعلنة إلى حكم شامل على فرنسا أو على أجهزتها الأمنية. فالدول الديمقراطية ليست نماذج مكتملة، بل تجارب تتفاوت فيها الممارسة عن المبادئ، وتختبر فيها فعالية المؤسسات كلما ظهر تناقض بين النص القانوني والواقع. وإعلان حقوق الإنسان والمواطن، المرتبط بالثورة الفرنسية سنة 1789، ليس ضمانة آلية تمنع الأخطاء، بل مرجعية تسمح بتحديدها ومراجعتها. وتكمن أهمية هذه المرجعية في أنها تتيح للمجتمع أن يطالب مؤسساته بالاتساق مع القيم التي تستمد منها شرعيتها. لذلك، فإن الخطوة الأكثر أهمية اليوم ليست إطلاق أحكام نهائية قبل اتضاح التفاصيل، بل التحقق من كل إخطار، وفحص ملابساته، وضمان حق المعنيين في الإنصاف، واحترام قرينة البراءة، سواء تعلق الأمر بأفراد من قوات الأمن أو بطلاب شاركوا في الاحتجاجات. فالحقيقة لا تخدم طرفا واحدا؛ إنها تحمي الحقوق، وتمنح المؤسسات فرصة تصحيح الأخطاء، وتمنع الاتهامات غير المثبتة من أن تتحول إلى أحكام جماعية.

لعل السؤال الأعمق ليس ما إذا كانت فرنسا قد أخفقت في امتحان حقوق الإنسان، بل كيف ستتعامل مؤسساتها مع هذا الامتحان. فالديمقراطية لا تقاس فقط بما تعلنه من مبادئ، ولا بما تواجهه من اضطرابات، وإنما بما تفعله عندما تصبح مبادئها موضع اختبار فعلي. قد يهدأ الشارع، وقد تعود المدارس إلى إيقاعها المعتاد، لكن الأثر الأهم سيبقى في الطريقة التي يفهم بها الشباب علاقتهم بالدولة: هل يرون فيها سلطة تحمي النظام وتقبل المساءلة في الوقت نفسه، أم مؤسسة يصعب عليهم الوصول إلى آليات الاعتراض داخلها؟ إن نضج الدولة لا يظهر في قدرتها على تجنب كل خطأ، بل في قدرتها على الاعتراف بما يثبت منه، وتصحيحه، وضمان ألا يتحول الاستثناء إلى قاعدة. وهذه ليست محاكمة لفرنسا، بل دعوة إلى أن تظل القيم الديمقراطية ممارسة يومية، لا مجرد إرث تاريخي تستمد منه الدول اعتزازها بنفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *