بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست الحكومات ما يتشكل خلف الأبواب المغلقة، بل ما يتغير في حياة الناس حين تفتح الأبواب. وما بين إعلان فاطمة الزهراء المنصوري، يوم 12 أكتوبر 2026، عن توافق رباعي لتشكيل أغلبية حكومية، وبين مغربي ينتظر مدرسة لا تهين طموح طفله، ومستشفى لا يؤجل ألمه، وعملا لا يحول شبابه إلى كائنات معلقة على حافة الغد، تمتد مسافة شاسعة؛ مسافة لا تقاس بالكيلومترات، وإنما بمقدار الثقة التي تستطيع السياسة استعادتها من قلب المجتمع. إن المغرب لا يحتاج اليوم إلى حكومة تجيد هندسة المقاعد فحسب، بل إلى حكومة تجيد هندسة الأمل. فالأغلبية التي تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، بألوانها ومرجعياتها وتجاربها المتباينة، تمتلك فرصة سياسية لإعادة تركيب العلاقة بين الدولة والمواطن، لكنها ترث، في الوقت نفسه، أسئلة لا تجيب عنها البلاغات الرسمية، مهما بلغت أناقتها: كيف يتحول النمو إلى خبز، والاستثمار إلى شغل، والحق الدستوري إلى كرامة ملموسة؟ وكيف نقنع شابا يراقب المستقبل من خلف زجاج مغلق بأن الغد ليس امتيازا محجوزا لغيره؟
إن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة يحمل دلالة تاريخية ورمزية لا ينبغي تبديدها في الاحتفاء الشكلي. فعبور امرأة إلى قيادة الجهاز التنفيذي يكسر صورة نمطية طال استقرارها في المخيال السياسي، لكنه يضعنا أيضا أمام سؤال أكثر عمقا: هل يكفي أن تتغير هوية من يجلس في قمة السلطة كي تتغير القواعد التي تنتج التفاوت في أسفل المجتمع؟ إن قيمة هذا التحول لن تقاس بكون امرأة دخلت التاريخ السياسي، بل بمدى قدرتها على فتح أبواب التاريخ أمام نساء ما زلن يصارعن الهشاشة، والبطالة، والعنف، والتهميش، والتمييز في الفرص. فالمرأة التي تقود الحكومة لا ينبغي أن تكون استثناء لامعا في مشهد جامد، بل بداية لتغيير يجعل الاستثناء قاعدة للإنصاف.
أما التحالف الجديد، فليس مجرد جمع حسابي لأربعة أحزاب؛ إنه التقاء لتجارب ومخزونات سياسية مختلفة. الأصالة والمعاصرة، الذي تقود منه المنصوري مسار تشكيل الحكومة، مطالب بإثبات أن حداثة الخطاب يمكن أن تصبح حداثة في الإدارة والنتائج. والاستقلال، بقيادة نزار بركة، يستحضر رصيدا تاريخيا وطنيا، ويجد نفسه أمام امتحان ترجمة مرجعيته الاجتماعية إلى سياسات تنصف الفئات الوسطى والهشة، وتعيد التوازن بين المركز والأطراف. والاتحاد الاشتراكي، بقيادة إدريس لشكر، يدخل تجربة الحكم حاملا إرثا يساريا ارتبط تاريخيا بالعدالة والحقوق والحريات؛ وهي قيم لا تستعيد بريقها بالذاكرة وحدها، وإنما بقدرتها على مقاومة كل ما يجعل الفوارق الاجتماعية قدرا موروثا. أما نبيل بنعبد الله والتقدم والاشتراكية، فيحملان إلى الأغلبية رصيدا من الخطاب الاجتماعي والتقدمي، وخبرة سياسية تتيح للحكومة الاستفادة من حس نقدي لا ينبغي أن يذوب في إغراء السلطة.
وتستحق هذه القيادات الإشادة بقدر ما تتيحه لها اللحظة من إمكانات لتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. فنزار بركة مطالب بأن يجعل الاقتصاد في خدمة المجتمع، لا أن يكتفي المجتمع بالتكيف مع قسوة المؤشرات الاقتصادية؛ وإدريس لشكر أمام فرصة لإثبات أن المشاركة الحكومية لا تعني التخلي عن الأسئلة الاجتماعية التي صنعت تاريخ اليسار؛ فيما يستطيع نبيل بنعبد الله أن يجعل من المشاركة رافعة للدفاع عن العدالة الاجتماعية والحريات، لا مجرد انتقال من مقاعد المعارضة إلى مقاعد التدبير. لكن الإنصاف يقتضي ألا نمنح أحدا شهادة نجاح قبل بدء الامتحان؛ فالإشادة السياسية الحقيقية هي التي تفتح باب المساءلة، لا التي تغلقه بالمجاملة.
وتفيد المعطيات المعلنة بأن الأحزاب الأربعة تتوفر على 207 مقاعد من أصل 395 في مجلس النواب، أي أغلبية تتجاوز عتبة 198 مقعدا اللازمة للأغلبية المطلقة. أما بلوغ 232 نائبا، فيظل مرتبطا بالمساندة النقدية المنتظرة من الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، وهي مساندة لا ينبغي الخلط بينها وبين الانضمام الرسمي إلى الحكومة. وهذه الأرقام، على أهميتها، تخبرنا بعدد الأصوات الممكنة داخل البرلمان، ولا تخبرنا بعدد المدارس التي ستتحسن، أو المستشفيات التي ستستعيد قدرتها على العلاج، أو فرص الشغل التي ستخلق، أو الأسر التي ستخرج من قلق السكن إلى طمأنينته. هنا بالضبط ينبغي أن يبدأ التفكير، لا أن ينتهي. ما معنى أغلبية قوية إذا ظل المواطن ضعيفا أمام الإدارة؟ وما جدوى الانسجام الحكومي إذا لم ينعكس انسجاما بين السياسات العمومية وحاجات الناس؟ وهل تكون الحكومة منسجمة لأنها تتفق على توزيع المسؤوليات، أم لأنها تتفق على ترتيب الأولويات وتتحمل معا كلفة القرارات الصعبة؟ إن الانسجام ليس غياب الاختلاف، بل القدرة على إدارة الاختلاف من دون أن يدفع المواطن ثمنه.
ولعل الاختبار الأكثر إلحاحا يبدأ من أربعة أبواب متجاورة: التعليم، والصحة، والشغل، والسكن. في التعليم، لا نحتاج إلى إصلاح يبدل أسماء البرامج ويترك الفوارق بين المدرسة في القرية والمدرسة في المدينة على حالها؛ نحتاج إلى مدرسة تصنع المعرفة والثقة والقدرة على التفكير. وفي الصحة، لا يجوز أن يظل العلاج معركة إضافية يخوضها المريض ضد الانتظار وبعد المسافة وكلفة الدواء. وفي الشغل، لا بد من اقتصاد يفتح للشباب أبواب الإنتاج والمبادرة، لا أن يتركهم أسرى شهادات معلقة وانتظارات طويلة. أما السكن، فليس جدرانا وسقفا فحسب، بل حق في الاستقرار والانتماء وبناء حياة لا تلتهم كلفتها معظم الدخل.
إن الشباب ليسوا ملفا قطاعيا يستدعى في الخطابات الاحتفالية، ولا رقما في جداول البطالة؛ إنهم السؤال الذي يضع شرعية السياسات أمام مرآتها. والنساء لسن فئة مستفيدة تضاف إلى نهاية البرامج، بل شريكات في صنع الاقتصاد والقرار والمعرفة. وإذا لم تستطع الحكومة أن تجعل تكافؤ الفرص واقعا، فإن الحديث عن مغرب صاعد قد يتحول إلى استعارة جميلة لبلد يصعد بعض أبنائه فيما ينتظر آخرون عند أسفل السلم. ومن هنا تستمد الفلسفة معناها السياسي كأداة لزعزعة ما اعتدنا اعتباره طبيعيا. أليس من الغريب أن يصبح الحصول على خدمة عمومية جيدة حلما، بينما يفترض أن يكون حقا؟ وأليس من المفارقات أن نطلب من الشباب الإيمان بالمستقبل، من دون أن نمنحهم أسبابا حقيقية للإيمان به؟ إن أرسطو ربط السياسة بفكرة الخير المشترك، فيما جعل جون رولز العدالة في قلب تنظيم المؤسسات؛ وبين الفكرتين يقف المغرب أمام سؤال عملي لا يحتاج إلى مزيد من التجريد: لمن تنتج الثروة، وكيف توزع الفرص، ومن يتحمل كلفة الاختلالات؟
إن الحكومة المرتقبة لا تبدأ من صفحة بيضاء؛ إنها تبدأ من واقع مثقل بالانتظارات، ومن تجارب حكومية سابقة ينبغي استيعاب دروسها، ومن مجتمع لم يعد يكتفي بوعد مؤجل كلما اقترب موعد المحاسبة. ولذلك، فإن قوتها الحقيقية لن تكون في عدد وزرائها أو صلابة أغلبيتها، بل في قدرتها على بناء برنامج واضح، بأهداف قابلة للقياس، وآجال معلنة، وآليات للمساءلة، وتوزيع عادل للاستثمار والخدمات بين الجهات. كما أن اختيار الوزراء والوزيرات ينبغي أن يكون انتصارا للكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، لا مكافأة على الولاء أو تسوية لحسابات التفاوض.
إن التاريخ لا يمنح الحكومات مكانتها لأنها وصلت، بل لأنها غيرت شيئا بعد وصولها. وقد تكون هذه الأغلبية أمام فرصة لإعادة الاعتبار للعمل السياسي، شرط ألا تخلط بين امتلاك السلطة وامتلاك الحقيقة، وألا تعتبر النقد خصومة، أو الاختلاف تهديدا، أو الاحتجاج صخبا خارج النص الرسمي. فالحكومة التي لا تسمع إلا صدى صوتها تشبه من يبني قصرا في صحراء ثم يعلن انتصاره على العطش. ليست المسألة أن تتفق أربعة أحزاب على حكومة، بل أن يجد ملايين المواطنين سببا جديدا للثقة في السياسة. ليست المسألة أن تتقدم الأسماء إلى المناصب، بل أن تتقدم المدرسة والمستشفى ومصنع الشغل والسكن اللائق إلى صدارة الأولويات. وليس التحدي أن تصنع فاطمة الزهراء المنصوري أغلبية قادرة على البقاء، بل أن تقود حكومة تجعل البقاء السياسي نتيجة للإنجاز، لا بديلا عنه.
فهل تنجح هذه الأغلبية في تحويل اختلافاتها إلى قوة، وأرقامها إلى عدالة، وبرنامجها إلى حياة أفضل؟ أم ستكتشف، بعد انطفاء أضواء التشكيل، أن السياسة تستطيع أن ترتب المقاعد بدقة مذهلة، لكنها تعجز أحيانا عن ترتيب أحلام الناس؟ ذلك هو الامتحان الذي لا تمنح صناديق الاقتراع شهادة نجاح نهائية فيه، ولا تحسمه البلاغات، ولا تكفي فيه النوايا الحسنة. امتحان يبدأ حين تنتهي المفاوضات، وتغلق أبواب القاعات، ويعود المواطن إلى بيته، حاملا السؤال نفسه: هل ستتغير حياتي هذه المرة؟ ولعل السؤال الأكثر إزعاجا الذي ينبغي أن يلاحق هذه الحكومة ليس: ماذا ستفعل للمغاربة؟ بل: لماذا ما زال المغاربة، بعد كل هذه التجارب والبرامج والوعود، مضطرين إلى انتظار حكومة جديدة كي يطالبوا بأبسط حقوقهم؟ أليس في الأمر خلل أعمق من أن تعالجه أغلبية برلمانية، مهما اتسعت قاعدتها أو حسنت نوايا مكوناتها؟ وأي معنى لسياسة تنتصر في حساب المقاعد، بينما يظل المواطن منشغلا بحساب ثمن الدواء، وإيجار البيت، ومصاريف المدرسة، والأيام التي تفصل شابا عن فرصة قد لا تأتي؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في فشل حكومة بعينها، بل في أن يصبح الفشل مألوفا إلى درجة يفقد معها المجتمع قدرته على الدهشة والغضب والمطالبة بالتغيير. حينها لا تعود السياسة عاجزة فحسب، بل يصبح العجز نفسه جزءا من النظام اليومي للحياة. والأسوأ أن يتحول الأمل إلى عادة موسمية، يظهر مع كل تشكيل حكومي، ثم ينكمش تدريجيا حتى يصبح المواطن هو المتهم لأنه صدق، لا المسؤول هو المساءل لأنه وعد. لذلك، لا تحتاج فاطمة الزهراء المنصوري ورفاقها في الأغلبية إلى إقناع المغاربة بأن حكومتهم مختلفة؛ عليهم أن يجعلوا الاختلاف واقعة يمكن لمسها، لا عبارة يمكن ترديدها. فالتاريخ لا يصفق لمن يجلس على الكرسي، بل يسأل ماذا فعل به، ولمن فتح أبوابه، ومن تركه ينتظر خلفها.
قد تنجح الحكومة في جمع الأحزاب حول طاولة واحدة، لكن هل تستطيع جمع المواطن حول أمل واحد؟ هنا تسقط الأقنعة البلاغية، وتفقد الأرقام قدرتها على الإبهار، ويبدأ الامتحان الذي لا تنفع فيه التحالفات ولا تنقذ منه الخطب. فإذا انتهت ولاية هذه الحكومة وبقي الشاب يبحث عن عمل، والمريض عن علاج، والأسرة عن سكن، والمرأة عن إنصاف، فمن الذي يكون قد فشل حقا: الحكومة التي لم تحقق وعودها، أم السياسة التي أقنعت الناس مرة أخرى بأن الغد قادم، من دون أن تحدد لهم متى؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يقلق السلطة أكثر من ضجيج المعارضة؛ لأن المعارضة قد تخسر مقاعدها، أما المواطن حين يخسر ثقته، فقد لا يعود إلى السياسة أصلا. وعند تلك اللحظة، لن تكون المشكلة أن المغرب يحتاج إلى حكومة جديدة، بل أن الحكومة، أيا كان اسمها، ستجد نفسها أمام مواطن لم يعد ينتظر منها شيئا. وتلك ليست علامة استقرار، بل أخطر أشكال الخيبة: أن يصبح الصمت دليلا على انطفاء الأمل، لا على الرضا.

جميل. مقال يضع النقط على الحروف.