سبتة: هل تخشى مدريد الخرائط؟

قراءة جيوسياسية في مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ليست زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى المنطقة، ولا ما رافقها من تقارير إعلامية عن تحركات بحرية مغربية قرب سبتة، مجرد تفاصيل فقط في أجندة سياسية مزدحمة؛ فحين يتعلق الأمر بسبتة ومليلية، تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة، والبحر إلى مساحة تتقاطع فيها السيادة بالتاريخ، وتصبح كل إشارة قابلة لقراءات تتجاوز حدود الخبر العادي. في المغرب، لا تختزل سبتة ومليلية في نقطتين على الخريطة، بل تحضران في الوعي الوطني بوصفهما ملفا تاريخيا وسياسيا لم يطو نهائيا. وفي المقابل، تدير إسبانيا المدينتين ضمن منظومتها الإدارية والسياسية، وتتعامل مع وضعهما باعتباره جزءا من واقعها السيادي القائم. وبين الموقفين، تظل الحقيقة الأهم أن الخلاف لا يحسم بالشعارات ولا بمجرد استدعاء الماضي، بل بقدرة السياسة والدبلوماسية على مواجهة الملفات الحساسة بعقل بارد وإرادة واضحة.

إن التقارير المتداولة عن تحركات بحرية مغربية قرب سبتة تستحق القراءة، لكن من الضروري التمييز بين ما ثبت رسميا، وما نقلته وسائل الإعلام، وما قد يكون مجرد تأويل سياسي. فلا يجوز تقديم التحليلات باعتبارها حقائق مؤكدة، ولا الجزم بأن كل تحرك بحري يحمل رسالة مباشرة إلى مدريد، ما لم تتوافر أدلة موثوقة أو توضيحات رسمية. فالمبالغة قد تمنح الحدث حجما لا يستحقه، كما أن تجاهله تماما قد يحجب دلالات تستحق المتابعة. لكن السؤال الأعمق يبقى قائما: لماذا تظل سبتة ومليلية حاضرتين بقوة كلما ارتفعت حرارة النقاش بين الرباط ومدريد؟ لأن العلاقة المغربية الإسبانية، مهما بلغت مستويات التعاون فيها، لا تنفصل عن ملفات الذاكرة والتاريخ والحدود والمصالح الاستراتيجية. وقد أثبتت التجربة أن الجوار الجغرافي لا يلغي الخلافات، مثلما أن الخلافات لا تمنع بناء شراكة متينة حين تتوفر الإرادة السياسية والاحترام المتبادل.

إن قوة المغرب لا تكمن في رفع نبرة الخطاب وحدها، ولا في تحويل كل خبر إلى مواجهة، بل في امتلاك موقف وطني ثابت، ودبلوماسية تعرف متى تتكلم ومتى تترك الوقائع تتحدث. فالدفاع عن الذاكرة الوطنية لا يتعارض مع الواقعية السياسية، والمطالبة بمناقشة الملفات التاريخية لا تستوجب الانجرار إلى التوتر أو إطلاق أحكام لا تسندها الأدلة. بل إن الموقف الأكثر قوة هو الذي يجمع بين وضوح المبدأ ودقة الحجة وحسن تقدير موازين المصالح. أما مدريد، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله هو إدراك أن استقرار العلاقة مع المغرب لا يتحقق بتجاهل حساسية الملفات العالقة، بل بالحوار المسؤول واحترام تطلعات الجار ومصالحه. فالجغرافيا قد ترسم خطوطا على الخرائط، لكنها لا تمحو الذاكرة، كما أن الذاكرة وحدها لا تكفي لصناعة تسوية؛ إذ تحتاج الملفات المعقدة إلى شجاعة سياسية ورؤية تتجاوز حسابات اللحظة. فلا ينبغي أن يتحول البحر قرب سبتة إلى مسرح للمزايدات، ولا أن تصبح الزيارة الملكية أو التحركات البحرية مناسبة لبناء روايات لا تؤيدها الوقائع. الأجدر هو متابعة التطورات بدقة، والتمييز بين الخبر والتحليل، مع الحفاظ على حق المغاربة في التعبير عن موقفهم التاريخي والوطني من سبتة ومليلية.  

سبتة ليست مجرد مدينة عند مدخل البحر الأبيض المتوسط، بل عنوان لقضية تاريخية وسياسية تتقاطع فيها الجغرافيا بالهوية، والواقع الإداري بالموقف الوطني، والمصالح الاستراتيجية بحسابات السيادة. من هنا، فإن السؤال الذي يطرحه عنوان هذا المقال، «هل تخشى مدريد ما لا تستطيع الخرائط محوه؟»، لا ينبغي التعامل معه بوصفه حكما مسبقا على النيات الإسبانية، بل مدخلا إلى تحليل أعمق: كيف تتعامل الدول مع الملفات التي يظل حاضرها السياسي قائما، بينما يظل ماضيها موضع خلاف؟ وكيف يمكن للمغرب أن يدافع عن موقفه بشأن سبتة ومليلية بثقة وطنية عالية، من دون أن يقع في فخ المبالغة أو يخلط بين المطالبة السياسية والحسم القانوني؟ إن قيمة هذا السؤال لا تكمن في افتراض أن مدريد تخشى بالضرورة تحركا مغربيا، بل في إدراك أن القضايا التاريخية لا تختفي بمجرد خروجها من جدول الأعمال اليومي. فقد تتراجع في فترات التقارب، وتعود إلى الواجهة حين تتغير الظروف الإقليمية أو تتجدد النقاشات المتعلقة بالهوية والحدود وموازين القوة.

سبتة ومليلية.. أكثر من جغرافيا، وأعمق من خلاف سياسي

في الوعي الوطني المغربي، لا تُختزل سبتة ومليلية في نقطتين على الخريطة، بل تحضران ضمن قضية تاريخية وسياسية متصلة بذاكرة البلاد وتصورها لوحدتها الترابية ومصالحها الاستراتيجية. وهذه المكانة لا تحتاج إلى المبالغة في التعبير عنها، بل إلى فهم أسباب استمرارها في الوجدان السياسي المغربي، حتى في الفترات التي تتقدم فيها ملفات التعاون الاقتصادي والأمني على سواها. فالجغرافيا هنا ليست عنصرا محايدا. تقع سبتة عند مدخل مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، فيما تحتل مليلية موقعا استراتيجيا على الساحل المتوسطي لشمال إفريقيا. ويجعل هذا الموقع المدينتين جزءا من مجال جيوسياسي تتقاطع فيه حركة التجارة والملاحة والأمن والهجرة والعلاقات بين أوروبا وإفريقيا.

لكن الأهمية الجغرافية لا تعني، بمفردها، حسم أي مسألة قانونية. فالموقع الاستراتيجي يفسر جانبا من أهمية القضية، ولا يحل محل البحث التاريخي أو القانوني. وكذلك الحال بالنسبة إلى الذاكرة الوطنية: إنها تفسر استمرار المطالبة المغربية ومكانتها السياسية، لكنها لا تعفي من ضرورة تقديم الحجج والوثائق كلما انتقل النقاش من مستوى الموقف الوطني إلى مستوى الادعاء القانوني. وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين ثلاثة مستويات: الموقف المغربي بشأن سبتة ومليلية، والوضع الإداري والسياسي القائم في ظل الإدارة الإسبانية، والأسس التاريخية والقانونية التي يستند إليها كل طرف. فهذا التمييز لا يضعف الموقف المغربي، بل يمنحه وضوحا أكبر، ويحول دون اختزال قضية معقدة في عبارات انفعالية لا تضيف إلى الحجة شيئا.

أين تبدأ السياسة وأين ينتهي القانون؟

تؤكد إسبانيا سيادتها على سبتة ومليلية، وتديرهما ضمن نظام الحكم الذاتي في إطار الدولة الإسبانية. وفي المقابل، يتمسك المغرب بموقفه بشأن المدينتين، ويظل ملفهما حاضرًا في الذاكرة الوطنية وفي النقاش المتعلق بالعلاقات الثنائية. هذا التباين لا ينبغي اختزاله في مواجهة خطابية بين طرفين، بل يتطلب فهما للفارق بين واقع قائم، وموقف سياسي، وحجة قانونية. فالإدارة الفعلية للمدينتين حقيقة مؤسسية وسياسية قائمة، لكنها لا تعفي الباحث من دراسة طبيعة الخلاف وأسانيده. وفي الاتجاه المقابل، فإن المطالبة المغربية بإعادة فتح النقاش بشأن الوضع التاريخي والسياسي للمدينتين تظل موقفا سياسيا ينبغي عرضه بوضوح، من دون تقديمه باعتباره حكما قضائيا دوليا نهائيا ما لم يوجد مرجع محدد يثبت ذلك.

إن أحد أخطاء التحليل السياسي الشائعة هو الاعتقاد بأن تكرار الموقف يكفي لإثباته قانونيا، أو أن استمرار واقع إداري لعقود يجعل كل نقاش بشأنه مستحيلا. فكلا التصورين يخلط بين مستويات مختلفة من المسألة. والأجدى للمغرب أن يواصل التعبير عن موقفه بثقة، وأن يجعل المعرفة التاريخية والبحث القانوني والتراكم الدبلوماسي أدوات متكاملة في الدفاع عن مصالحه. فالدولة التي تعرف ما تريد، وتحدد بدقة ما تستطيع إثباته، تكون أقدر على بناء موقف متماسك من دولة تترك مساحة واسعة بين خطابها السياسي وحججها المعلنة. ومن منظور استراتيجي، قوة الموقف الوطني هو بقدرته على الاستمرار، وبوضوح أهدافه، وبما يمتلكه من أدوات سياسية وقانونية ودبلوماسية.

التحركات البحرية قرب سبتة.. ماذا تقول الوقائع؟

أعادت التقارير الإعلامية الإسبانية عن تحركات بحرية مغربية قرب سبتة، في سياق أحداث مرتبطة بالهجرة خلال أواخر يوليو 2026، طرح أسئلة تتجاوز تفاصيل الحركة البحرية ذاتها. لكن التحليل الجاد يقتضي البدء من التمييز بين الخبر المنشور، والواقعة التي يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، والتفسير السياسي الذي يُبنى عليها. فإذا كانت التحركات قد وقعت وفق الرواية الإسبانية المنشورة، فإن ذلك لا يثبت تلقائيا أنها كانت رسالة سيادية مقصودة، أو أنها استهدفت اختبار رد الفعل الإسباني، أو أنها ارتبطت مباشرة بملف سبتة ومليلية. قد تكون هناك فرضيات تتصل بالاعتبارات الأمنية أو بالسياق الإقليمي أو بطبيعة النشاط البحري، لكن تحديد الدوافع يتطلب أدلة تتجاوز مجرد التزامن.

كما أن تحديد طبيعة المياه التي جرت فيها التحركات يظل مسألة مستقلة. لذلك، فإن اعتماد عبارة «المياه المحيطة بسبتة» أكثر دقة ما لم تتوافر معلومات موثوقة تحدد الموقع الدقيق والتوصيف القانوني للمياه المعنية. وهنا تظهر نقطة مهمة في التحليل الجيوسياسي: ليست كل حركة عسكرية رسالة سياسية، لكن الحركات العسكرية في المناطق الحساسة يمكن أن تكتسب دلالات سياسية بفعل السياق الذي تقع فيه، وكيفية تفسير الأطراف لها، وما يصاحبها من تصريحات واتصالات وإجراءات. فالمعنى الاستراتيجي لأي تحرك لا يتحدد بنيّة مفترضة وحدها، بل بمجموعة من العناصر: موقعه، وتوقيته، وحجمه، وطبيعته، وردود الفعل عليه، والمعلومات المتاحة بشأنه. وفي غياب هذه العناصر، يصبح الجزم بالدوافع أقرب إلى صناعة رواية منه إلى تقديم تحليل. ومن هنا، فإن الموقف المغربي الأقوى ليس الذي يسارع إلى تحميل كل تحرك معنى سياسيا كبيرا، بل الذي يميز بين ما هو ثابت وما هو محتمل، ويترك للأدلة دورها في تحديد الاستنتاجات.

لماذا تكتسب سبتة أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية؟

لفهم حساسية قضية سبتة، ينبغي وضعها في سياق أوسع من العلاقة الثنائية بين الرباط ومدريد. فمضيق جبل طارق ليس مجرد ممر مائي، بل عقدة جيوسياسية تربط بين أوروبا وإفريقيا، وتؤثر في حركة التجارة والملاحة والأمن البحري والتواصل بين ضفتي المتوسط. ويمنح هذا الموقع المغرب أهمية استراتيجية واضحة في حسابات غرب المتوسط. فالمملكة ليست مجرد جار جنوبي لأوروبا، بل دولة إفريقية ومتوسطية وأطلسية، تمتلك علاقات اقتصادية وأمنية متشابكة مع شركاء أوروبيين، وفي مقدمتهم إسبانيا. كما أن دورها في التعاون الإقليمي يجعل استقرار العلاقات معها مصلحة تتجاوز الحسابات الثنائية الضيقة.

ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الأهمية الاستراتيجية للمغرب وبين افتراض أن هذه الأهمية تحسم تلقائيا أي خلاف يتعلق بالسيادة. فالجغرافيا تمنح الدول عناصر قوة وفرصا للتأثير، لكنها لا تعفيها من العمل الدبلوماسي أو من ضرورة تحديد أهدافها ووسائل تحقيقها. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى قضية سبتة ومليلية بوصفها ملفا يتقاطع فيه التاريخ بالاستراتيجية. فالموقع الجغرافي يفسر حساسية المدينتين، بينما تفسر الذاكرة الوطنية المغربية استمرار حضورهما في النقاش السياسي. أما مستقبل الملف، فيرتبط بكيفية إدارة الخلاف ضمن منظومة أوسع من المصالح والتوازنات والعلاقات الدولية.

هل تخشى مدريد ما لا تستطيع الخرائط محوه؟

السؤال جذاب أدبيا، لكنه يحتاج إلى تفكيك سياسي. فلا يمكن الجزم بأن مدريد تخشى الذاكرة المغربية أو أن زيارة ملكية إلى المدينتين جاءت ردا على تحرك بحري، ما لم تتوافر أدلة موثوقة تثبت هذه العلاقة. لكن يمكن طرح سؤال أكثر عمقا: لماذا تحرص الدول على تأكيد حضورها المؤسسي والسياسي في المناطق التي تحمل حساسية تاريخية أو رمزية؟ في العلاقات الدولية، قد تؤدي الزيارات الرسمية وظيفة تتجاوز التواصل البروتوكولي. فهي تتيح للدولة إظهار استمرارية مؤسساتها، وتأكيد ارتباطها بمناطق تعتبرها جزءا من منظومتها السياسية، وتوجيه رسائل إلى جمهورها الداخلي وإلى شركائها الخارجيين. غير أن هذه الوظائف العامة لا تثبت وحدها أن زيارة بعينها تحمل رسالة موجهة إلى المغرب أو تستهدف الرد على موقف مغربي محدد.

ومن وجهة النظر الإسبانية، يمكن قراءة زيارة ملكية إلى سبتة ومليلية باعتبارها تأكيدا للحضور المؤسسي للدولة وارتباطها بالمدينتين وسكانهما. ومن وجهة النظر المغربية، قد تثير الزيارة حساسية سياسية وتعيد إلى الواجهة قضية لم تحسم في الموقف الوطني المغربي. وهنا تتجاور قراءتان مختلفتان للحدث، من دون أن تكون إحداهما دليل كافيا على نيات الطرف الآخر. أما على المستوى الاستراتيجي، فإن استمرار قضية سبتة ومليلية في الذاكرة المغربية يعني أن الملف لا يمكن اختزاله في إدارته اليومية أو في مستوى التعاون القائم بين البلدين. فالعلاقات الدولية لا تقوم على المصالح الآنية وحدها؛ إذ تؤثر فيها أيضا تصورات الدول عن تاريخها ومكانتها ومصالحها بعيدة المدى. لكن ذلك لا يعني أن مدريد تعيش بالضرورة حالة خوف، أو أن كل خطوة إسبانية تُتخذ تحت ضغط المطالبة المغربية. فالتحليل الرصين يفسر السلوك بقدر ما تسمح به الأدلة، ولا يحوّل الاستعارة الأدبية إلى حقيقة سياسية. لذلك، قد يكون السؤال الأكثر فائدة هو: هل يدرك الطرفان أن إدارة العلاقة بينهما تحتاج إلى التعامل مع الخلافات التاريخية والسياسية بقدر ما تحتاج إلى تنمية المصالح المشتركة؟

المغرب وإسبانيا.. شراكة المصالح وحدود الخلاف

تتميز العلاقات المغربية الإسبانية بازدواجية واضحة: تعاون واسع في ملفات حيوية، يقابله استمرار قضايا تاريخية وسياسية حساسة. وهذه الازدواجية ليست استثناءً في العلاقات الدولية؛ فالدول كثيرًا ما تتعاون في ملفات، بينما تختلف في ملفات أخرى تمس تصوراتها للسيادة أو الذاكرة أو المصالح الاستراتيجية. فالتجارة والاستثمار والتعاون الأمني ومكافحة الجريمة المنظمة وإدارة الهجرة والتنسيق الإقليمي مصالح متبادلة لا يمكن تجاهلها. كما أن الاستقرار في غرب المتوسط يخدم الطرفين، لأن أي توتر غير محسوب قد يرفع تكاليف التعاون ويخلق انعكاسات تتجاوز المجال السياسي إلى الاقتصاد والمجتمع والأمن.

غير أن أهمية الشراكة لا تعني أن على المغرب إسكات موقفه بشأن سبتة ومليلية، كما لا تعني أن استمرار الخلاف يفرض تعطيل بقية مجالات التعاون. فالدبلوماسية الناجحة هي التي تستطيع الفصل بين الملفات بقدر الإمكان، وتمنع الخلاف في قضية من التحول إلى أزمة شاملة، من دون أن تتخلى عن المصالح الوطنية أو تمنع مناقشة المسائل العالقة. وهنا تكمن قيمة مفهوم «إدارة الخلاف». فهو لا يعني التنازل عن الموقف المغربي، ولا الاعتراف المسبق بصحة موقف الطرف الآخر، بل يعني تنظيم العلاقة بحيث تبقى قنوات الاتصال مفتوحة، ويظل الحوار ممكنًا، ولا يتحول كل اختلاف إلى مواجهة تضر بمصالح الطرفين.

ومن منظور مغربي، لا تكمن الحكمة في الاختيار بين السيادة والتعاون وكأنهما نقيضان بالضرورة. بل تكمن في الدفاع عن الموقف الوطني، وفي الوقت نفسه حماية المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية التي ترتبط باستقرار العلاقة مع إسبانيا. فالقوة السياسية الحقيقية لا تتجلى فقط في القدرة على الاعتراض، بل في القدرة على جعل الاعتراض جزءا من استراتيجية مستمرة وواضحة.

من جزيرة تورة إلى سبتة

تقدم أزمة جزيرة تورة، المعروفة أيضا باسم جزيرة ليلى، في يوليو 2002، مثالا على سرعة تحول الخلافات المحدودة جغرافيا إلى أزمات دبلوماسية وعسكرية حين تتداخل الرموز السيادية مع الحسابات الأمنية. وتكشف هذه التجربة عن درس أساسي: قد يكون حجم الموقع الجغرافي صغيرًا، لكن المعنى السياسي الذي تمنحه له الدول يمكن أن يكون كبيرا. وعندما تتباين التصورات بشأن السيادة أو الوجود العسكري أو حدود التحرك المقبول، تصبح إدارة الاتصالات وتقدير ردود الفعل عنصرين حاسمين في منع التصعيد. ولا يعني استحضار هذه الأزمة أن الظروف الحالية مطابقة لظروف عام 2002، أو أن تكرار السيناريو نفسه أمر محتوم. فلكل واقعة سياقها السياسي والأمني، ولكل مرحلة توازناتها الخاصة. لكن التاريخ يوفر أدوات لفهم المخاطر، لا أحكامًا جاهزة لتفسير الحاضر.

والدرس الذي يمكن استخلاصه هو أن الحزم وضبط النفس ليسا متعارضين. فقد تحتاج الدولة إلى توضيح موقفها والدفاع عن مصالحها، لكنها تحتاج أيضًا إلى ضمان ألا يؤدي سوء التقدير إلى توتر أوسع مما يستدعيه الحدث الأصلي. ومن هنا، فإن أي تطور بحري قرب سبتة ينبغي أن يُقرأ وفق الوقائع المتاحة، لا عبر استدعاء تلقائي لأزمات سابقة. فالتاريخ يساعد على رفع مستوى اليقظة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى عدسة تجعل كل حادثة تكرارًا لما سبقها.

ما الذي يستطيع المغرب فعله؟

إذا كان الهدف هو الدفاع عن الموقف المغربي بشأن سبتة ومليلية، فإن المسألة لا تتعلق فقط بكيفية توصيف الحدث أو الرد على زيارة رسمية، بل ببناء مقاربة طويلة الأمد تجمع بين وضوح الموقف وفعالية الأدوات.

– ترسيخ الحجة التاريخية والقانونية. يتطلب ذلك تشجيع البحث المتخصص، وتوثيق الوقائع التاريخية، والتمييز بين المصادر الأصلية والتفسيرات اللاحقة، وتحديد الأسس القانونية التي يمكن الاستناد إليها عند تناول القضية. فالحجة المدروسة أكثر قدرة على الصمود من الخطاب الذي يكتفي بتكرار المطالبة.

– الحفاظ على وضوح الخطاب الرسمي. عندما تقع أحداث بحرية أو تصدر تصريحات تتعلق بالمدينتين، فإن دقة المعلومات وتحديد ما هو مؤكد وما هو غير محسوم يساعدان على منع التضارب والتأويل المفرط. كما أن وضوح الرسائل الدبلوماسية يتيح عرض الموقف المغربي دون الانجرار إلى سجال إعلامي قد يطغى فيه الانفعال على المضمون.

– الفصل بين المطالبة الوطنية وإدارة المصالح المشتركة. يستطيع المغرب الحفاظ على موقفه بشأن سبتة ومليلية، مع مواصلة التعاون في التجارة والأمن والهجرة والطاقة وسائر الملفات التي تخدم مصالحه. وليس في ذلك تناقض؛ بل هو تعبير عن القدرة على التعامل مع علاقات متعددة المستويات.

– توظيف العلاقات الأوروبية والمتوسطية بصورة استراتيجية. فالعلاقات المغربية الأوروبية أوسع من العلاقة الثنائية مع إسبانيا، كما أن مصالح دول المنطقة ليست متطابقة في جميع الملفات. ومن ثم، فإن بناء شراكات مستقرة وتعزيز مكانة المغرب الاقتصادية والدبلوماسية يمكن أن يوسعا هامش حركته، من دون افتراض أن أي شريك خارجي سيتبنى تلقائيا الموقف المغربي بشأن المدينتين.

– تجنب تحويل القضية إلى أداة للتعبئة الانفعالية وحدها. فالخطاب الوطني يؤدي دورا مهما في إبقاء القضايا التاريخية حاضرة، لكنه يكون أكثر فاعلية عندما يقترن بالمعرفة والدقة والتصور الاستراتيجي. أما المبالغة في تصوير كل حدث باعتباره انتصارا أو هزيمة، فقد تخلق توقعات لا تتناسب مع طبيعة المسألة وتعقيدها. إن هذه الأدوات لا تضمن نتيجة سياسية بعينها، لكنها تعزز قدرة المغرب على إدارة ملف حساس بطريقة أكثر اتساقا مع مصالحه بعيدة المدى.

ماذا عن سكان سبتة ومليلية؟

لا يكتمل أي تحليل جيوسياسي إذا اختزل المدن في رموز السيادة وحدها. فسبتة ومليلية فضاءان يعيشان فيهما أشخاص لهم مصالح يومية وارتباطات اجتماعية واقتصادية، وتؤثر في حياتهم طبيعة العلاقة بين المغرب وإسبانيا. ومن المهم ألا يتحول السكان إلى مجرد عناصر في خطاب المواجهة، أو أن تُنسب إليهم مواقف جماعية من دون أدلة. فالاختلافات السياسية والهوياتية والاجتماعية داخل المجتمعات المحلية لا تختفي لمجرد أن المدينتين تقعان في قلب قضية حساسة.

كما أن استقرار العلاقات بين المغرب وإسبانيا ينعكس على الحركة الاقتصادية والتواصل الاجتماعي وإدارة الحدود. ولهذا، فإن أي مقاربة مسؤولة ينبغي أن تراعي آثار التوتر على السكان، وأن تبتعد عن التحريض أو تحويل الانتماءات الشخصية إلى موضع للاتهام. ولا ينتقص هذا الاعتبار من الموقف المغربي؛ بل يضعه ضمن رؤية أوسع ترى أن الدفاع عن المصالح الوطنية ينبغي أن يقترن بالمسؤولية السياسية والإنسانية. فالدولة الواثقة من موقفها لا تحتاج إلى تحويل السكان إلى خصوم، ولا إلى التعامل مع المجتمعات المحلية باعتبارها مجرد امتداد للمواقف الرسمية.

مستقبل القضية.. بين الذاكرة والواقعية السياسية

لا يمكن الجزم بمسار مستقبلي لقضية سبتة ومليلية استنادا إلى زيارة رسمية أو تحركات بحرية وردت بشأنها تقارير إعلامية. فالمسائل المرتبطة بالسيادة والتاريخ تتأثر بعوامل متعددة، منها المواقف الرسمية، وتوازنات القوة، والعلاقات الثنائية، والسياق الأوروبي والمتوسطي، ومدى استعداد الأطراف لإدارة خلافاتها.

وقد تستمر القضية في إطار المواقف السياسية القائمة، مع مواصلة التعاون في المجالات الأخرى. وقد تتجدد النقاشات بشأنها في سياقات مختلفة. أما الوصول إلى تسوية سياسية ودبلوماسية، فهو احتمال يرتبط بظروف وإرادات ومفاوضات لا يمكن افتراض تحققها مسبقا. ومن هنا، فإن الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن المطالب الوطنية، كما أن التمسك بها لا يقتضي تجاهل موازين القوة أو طبيعة العلاقات الدولية. فالواقعية هي القدرة على الجمع بين وضوح الغاية وحسن تقدير الوسائل، وبين الثبات على الموقف والاستعداد للتعامل مع تغير الظروف.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن الرهان لا ينحصر في إبقاء قضية سبتة ومليلية حاضرة في الخطاب الوطني، بل يشمل تطوير المعرفة بها، وتعزيز أدوات الدفاع الدبلوماسي عن الموقف المغربي، وحماية المصالح الاستراتيجية للمملكة، مع تجنب التصعيد الذي لا يخدم أهدافا واضحة. أما إسبانيا، فإن استمرار التعاون مع المغرب يجعل إدارة الملفات العالقة مسألة ذات أهمية استراتيجية، حتى عندما تختلف رؤيتها بشأن المدينتين عن الرؤية المغربية. فالجوار الدائم يفرض على الدول البحث عن سبل للتعامل مع الخلاف، سواء انتهى إلى تفاهمات أوسع أم بقي موضع اختلاف. وهنا تكمن المفارقة: قد لا يتفق الطرفان على تفسير التاريخ أو الوضع السياسي، لكنهما يظلان مطالبين بالتعامل مع الواقع المشترك وبناء قنوات تمنع الخلاف من التحول إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار.

الذاكرة المغربية قوة حين تتحول إلى رؤية

ليست سبتة مجرد اسم على خريطة، وليست قضية سبتة ومليلية مجرد ملف يمكن قياس أهميته بما يثيره من سجال في لحظة سياسية معينة. إنها قضية تتصل بالذاكرة الوطنية المغربية، وبالعلاقة بين التاريخ والواقع، وبقدرة الدولة على الدفاع عن موقفها ضمن عالم تحكمه المصالح والتوازنات والقواعد والمؤسسات. لكن الذاكرة، مهما كانت راسخة، لا تتحول وحدها إلى سياسة ناجحة، كما أن الجغرافيا، مهما كانت ثابتة على الخريطة، لا تختصر وحدها كل أبعاد التاريخ. وبينهما تتحرك الدبلوماسية، بما تتطلبه من معرفة وصبر وتقدير دقيق للفرص والمخاطر.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن يتحول البحر المحيط بسبتة إلى مسرح لاستعراض القوة، ولا أن تُقرأ الزيارات الرسمية أو التحركات البحرية باعتبارها أدلة قاطعة على نيات لم تثبت. المطلوب هو متابعة الوقائع بدقة، وفهم سياقاتها، والحفاظ على وضوح الموقف المغربي، مع إبقاء الحوار بشأن الملفات العالقة ضمن إطار سياسي ودبلوماسي مسؤول. إن الروح المغربية العالية لا تحتاج إلى المبالغة كي تثبت حضورها. فهي تظهر في الثقة بالتاريخ، والقدرة على الدفاع عن المصالح الوطنية، والوعي بأن الدولة التي تفكر في مستقبلها لا تترك قراراتها رهينة لردود الفعل الآنية. وتظهر أيضًا في الإيمان بأن القوة ليست صخبًا دائمًا، وأن الحكمة ليست تراجعا، وأن الدبلوماسية ليست نقيضا للكرامة الوطنية. أما السؤال: «هل تخشى مدريد ما لا تستطيع الخرائط محوه؟»، فيبقى سؤالا أدبيا وسياسيا مفتوحا، لا حقيقة مثبتة بشأن النيات الإسبانية. وربما يكون السؤال الأعمق هو: هل يستطيع الطرفان التعامل مع إرث التاريخ بقدر كاف من الواقعية، بحيث لا يتحول الاختلاف إلى قطيعة، ولا يصبح التعاون ذريعة لإسكات الملفات العالقة؟

بالنسبة إلى المغرب، لا يكمن التحدي في الاختيار بين الذاكرة والمستقبل، بل في تحويل الذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى حجة، والحجة إلى عمل دبلوماسي متواصل يخدم المصالح الوطنية. فالتاريخ لا يُمحى بمجرد تجاهله، لكنه لا يتحول تلقائيا إلى تسوية لمجرد استدعائه. والجغرافيا لا تتغير بالشعارات، لكن السياسة تستطيع أن تحدد كيف تتعامل الدول مع خلافاتها. وبين ذاكرة لا تتنازل عن حضورها، وعقل استراتيجي لا يستسلم للانفعال، تتحدد قدرة المغرب على الدفاع عن موقفه بثبات، وصناعة مستقبله بثقة، والحفاظ على مصالحه بوعي وحكمة. المغرب لا يحتاج إلى رفع صوته في كل لحظة كي يثبت حضوره؛ يحتاج إلى أن يكون موقفه واضحا، وحجته راسخة، ودبلوماسيته فاعلة، ورؤيته أبعد من اللحظة. فالوطنية التي تصمد أمام الزمن ليست مجرد عاطفة عالية، بل وعي تاريخي، وانضباط سياسي، وثقة في القدرة على تحويل التحديات إلى خيارات تخدم المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *