أغان مغربية خلف القضبان: سؤال عن حرية الفن والذاكرة

بقلم عبد الله شوك, كاتب وصحافي-المغرب

ليست كل الأغاني التي تغيب عن الإذاعات والشاشات قد فقدت قدرتها على الحياة، وليست كل الأعمال الفنية التي يتراجع حضورها في المشهد الإعلامي قد استنفدت رصيدها لدى الجمهور. فبعض الأغاني تظل حاضرة في الذاكرة الجماعية، تستعيدها الأجيال وتتداولها الألسن، رغم أن أبواب البث الرسمي لا تبدو مفتوحة أمامها بالقدر الذي تستحقه قيمتها الفنية والتاريخية. وفي المغرب، حيث تشكل الأغنية جزءا من الذاكرة الثقافية والاجتماعية، يبرز سؤال قديم يتجدد باستمرار: من يقرر ما يسمعه المغاربة، وما الذي يجعل بعض الأعمال الفنية تحظى بحضور متواصل في وسائل الإعلام، بينما تتوارى أعمال أخرى عن المشهد، حتى تكاد تتحول إلى شواهد صامتة على مرحلة من تاريخ الأغنية المغربية؟

إن المسألة لا تتعلق بالأغاني وحدها، بل تمتد إلى واقع الإنتاج الثقافي، وإلى علاقة المؤسسات الإعلامية بالفنانين، وإلى المعايير التي تحكم اختيار الأعمال المعروضة على الجمهور. فحين يتكرر حضور أسماء بعينها على الشاشات، في مقابل محدودية ظهور أسماء أخرى، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى تكافؤ الفرص، وعن الحدود الفاصلة بين الاختيارات التحريرية المشروعة ومظاهر الإقصاء التي قد تحرم الجمهور من تنوع فني وثقافي غني. وتتخذ هذه الإشكالية بعدا أكثر دلالة حين يتعلق الأمر بأغان لم تفقد قيمتها الفنية، وإنما ارتبطت بموضوعات سياسية أو اجتماعية حساسة، أو أثارت، في مرحلة من المراحل، نقاشا تجاوز حدود اللحن والكلمة إلى فضاء العلاقات الدولية والحسابات السياسية.

«مونبارناس» و«البترول»: أغنيتان تثيران أسئلة أكبر من زمنهما

من بين الأعمال التي تستحق العودة إليها أغنية «مونبارناس» للفنان المغربي الراحل عبد الوهاب الدكالي، وأغنية «البترول» لمجموعة لمشاهب، إحدى المجموعات التي تركت بصمة واضحة في مسار الأغنية المغربية الحديثة. فعبد الوهاب الدكالي ليس مجرد صوت طربي ارتبط بوجدان أجيال من المغاربة؛ إنه أحد الأسماء التي أسهمت في تطوير الأغنية المغربية، جامعا بين الأداء المتميز والقدرة على التعبير عن تجارب إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان. ومن هذا المنطلق، فإن استحضار أغنية «مونبارناس» يفتح الباب أمام التساؤل عن موقع الأعمال الأقل تداولا في الذاكرة الإعلامية، وعن مدى حرص المؤسسات الثقافية على صيانة مختلف مراحل تجربة الفنانين الكبار.

أما مجموعة لمشاهب، فقد ارتبط اسمها بمرحلة شهدت تحولا مهما في الأغنية المغربية، حين لم يعد اللحن مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح أيضا أداة للتعبير عن التحولات الاجتماعية والسياسية، وعن تطلعات الشباب وأسئلتهم بشأن العدالة والكرامة والتضامن. وفي هذا السياق تبرز أغنية «البترول»، التي يتداول عشاق المجموعة مقطعا منها يحمل عتابا واضحا على التفاوت بين الوفرة الاقتصادية والتضامن الإنساني: «جاكم البترول وسمحتو فينا». إن قوة هذا التعبير تكمن في بساطته؛ فهو يضع المستمع أمام مفارقة أخلاقية بين الثروة التي تتيحها الموارد الطبيعية، وبين المسؤولية التي تفرضها روابط الدين والتاريخ والمصير المشترك. وهنا تتجاوز الأغنية حدود المناسبة التي قيلت فيها لتطرح سؤالا أوسع عن التضامن العربي، وعن العلاقة بين الإمكانات الاقتصادية والالتزامات الإنسانية. ولعل هذا البعد هو ما يجعل العودة إلى مثل هذه الأعمال ضرورية اليوم، لا من باب الحنين إلى الماضي فحسب، بل من باب إعادة قراءة مرحلة من تاريخ المجتمع المغربي، حين كانت الأغنية قادرة على التعبير عن أسئلة كبرى بلغة يفهمها الجمهور ويتفاعل معها.

هل تعرضت الأغنيتان للمنع فعلا؟

غير أن الحديث عن غياب بعض الأغاني عن البث الرسمي يستدعي التمييز بين واقعتين مختلفتين: المنع الصريح بقرار مؤسساتي، والتراجع عن البث أو محدودية التداول نتيجة اختيارات تحريرية أو اعتبارات إنتاجية أو تغيرات في السياسات الإعلامية. فليس كل غياب دليلا على الرقابة، كما أن عدم وجود قرار معلن بالمنع لا ينفي احتمال وقوع تقييد غير رسمي أو عزوف مؤسساتي عن بث عمل معين. والحسم في هذه المسألة يقتضي العودة إلى الأرشيف الإذاعي والتلفزيوني، وإلى شهادات الفنانين والمنتجين والمسؤولين الذين عاصروا تلك المرحلة.

وقد رافقت أغنية «البترول» روايات متداولة بشأن احتجاجات خليجية قيل إنها وجهت إلى الملك الراحل الحسن الثاني عقب صدورها. وهي رواية تستحق البحث والتوثيق، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى حقيقة تاريخية محسومة ما لم تسندها مراسلات رسمية أو شهادات مستقلة موثوقة. وتزداد أهمية هذا التدقيق حين نعلم أن الذاكرة الفنية كثيرا ما تختلط فيها الوقائع بالتأويلات، وأن الحكايات التي تنتقل من جيل إلى آخر قد تحتفظ بجوهر الحدث، لكنها قد تفقد بعض تفاصيله أو تبالغ في تفسير أسبابه. لذلك، فإن الإنصاف لهذه الأعمال لا يتحقق بترديد روايات غير موثقة، بل بفتح الأرشيف أمام الباحثين، وإتاحة الفرصة أمام الصحافة الثقافية للتحقيق في تاريخها، وتحديد الظروف التي أسهمت في تراجع حضورها الإعلامي.

الإعلام العمومي ومسؤولية صيانة الذاكرة الوطنية

إن الإذاعة والتلفزة العموميتين ليستا مجرد منصتين لتقديم البرامج والأغاني؛ إنهما مؤسستان تضطلعان بمسؤولية ثقافية تتصل بحفظ الذاكرة الوطنية، وصيانة التراث الموسيقي، وضمان وصوله إلى الأجيال الجديدة. ومن الطبيعي أن تخضع البرمجة لمعايير فنية وتحريرية، وأن تتغير الأذواق وتتبدل أشكال الإنتاج. لكن هذه الاعتبارات لا ينبغي أن تؤدي إلى اختزال المشهد الفني في مجموعة محدودة من الأسماء، أو إلى تهميش تجارب تركت أثرا ملموسا في تاريخ الأغنية المغربية. إن المطلوب ليس فرض بث كل عمل فني، ولا إلغاء سلطة التحرير في المؤسسات الإعلامية، وإنما ضمان قدر من الشفافية والتنوع والإنصاف، وإتاحة الفرصة أمام الأعمال التي تحمل قيمة فنية أو تاريخية أو توثيقية لتجد طريقها إلى الجمهور.

كما أن مسؤولية صيانة الذاكرة لا تقع على عاتق المؤسسات الرسمية وحدها، بل تشمل المنتجين والفنانين والباحثين والجامعات والمهرجانات الثقافية. فالأغنية التي تختفي من البث اليوم قد تكون وثيقة اجتماعية ثمينة غدا، والشريط الذي يهمل في الأرشيف قد يحمل صورة حية عن تطلعات جيل كامل. ومن هنا، فإن رقمنة الأرشيف الموسيقي المغربي وفهرسته وإتاحته وفق ضوابط قانونية واضحة لم تعد ترفا ثقافيا، بل ضرورة لحماية الذاكرة الفنية من الضياع، ولتمكين الباحثين والجمهور من استعادة الأعمال التي أسهمت في تشكيل الوجدان المغربي.

الفن لا يعيش بالمنع ولا يموت بالصمت

لقد غيرت الثورة الرقمية طبيعة العلاقة بين الأغنية والجمهور. فلم تعد الإذاعة أو التلفزة البوابة الوحيدة للوصول إلى العمل الفني، ولم يعد غياب أغنية عن البرمجة الرسمية كافيا لإخراجها من التداول. فبفضل الإنترنت والمنصات الرقمية، استطاعت أعمال كثيرة أن تعود إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب، وأن تكتشفها أجيال لم تعاصر زمن إنتاجها. غير أن هذا التحول، على أهميته، لا يعفي المؤسسات الثقافية والإعلامية من مسؤوليتها؛ فإمكانية العثور على أغنية عبر الإنترنت ليست بديلا عن الاعتراف بقيمتها، ولا عن إدراجها في الذاكرة الرسمية للفن المغربي.

كما أن الحضور الرقمي لا يضمن وحده حفظ الحقوق، أو سلامة النسخ المتداولة، أو استمرارية الأرشيف. ولذلك تظل الحاجة قائمة إلى مبادرات مؤسساتية تجمع بين التوثيق والإتاحة والتعريف، وتعيد الاعتبار للأعمال التي تستحق أن تسمع وتدرس وتناقش. إن الأغاني لا تطالب بالامتياز، بل بحقها في أن تقيم وفق قيمتها الفنية والتاريخية، وألا تختفي من الذاكرة لمجرد أن موضوعاتها طرحت أسئلة محرجة أو عكست مواقف نقدية من واقع اجتماعي أو سياسي.

خاتمة

إن السؤال الذي تطرحه أغنيتا «مونبارناس» و«البترول» يتجاوز مصير عملين فنيين. إنه سؤال عن علاقة الفن بالسلطة، وعن دور الإعلام العمومي في حفظ الذاكرة، وعن حق الجمهور في الاطلاع على تراثه الفني بكل تنوعه واختلافه. فإذا ثبت أن عملا فنيا تعرض لمنع صريح بسبب مضمونه، فإن من حق الرأي العام أن يعرف أسباب ذلك القرار وسنده. وإذا كان الأمر يتعلق بمجرد تراجع في البث أو إهمال برامجي، فإن الحل يبدأ بمراجعة معايير الاختيار وتوسيع مساحة التنوع الثقافي. أما إذا كانت الروايات المتداولة بشأن أسباب الغياب غير دقيقة، فإن التحقيق والتوثيق يظلان الطريق الأفضل لتصحيحها، لا لتكريسها.

إن الإنصاف للفنانين لا يكون بالمجاملة، كما أن الدفاع عن حرية الفن لا يقتضي تحويل كل غياب إلى مؤامرة. المطلوب هو إعلام يحترم ذاكرة الجمهور، ومؤسسات تتيح الوصول إلى الأرشيف، ونقاش ثقافي يميز بين الرقابة المثبتة والاختيارات التحريرية، وبين الوقائع التاريخية والحكايات المتداولة. فالأغنية المغربية ليست مجرد لحن يرافق لحظة عابرة؛ إنها جزء من تاريخ المجتمع، ومرآة لتحولاته، وشهادة على أفراحه وأسئلته وانكساراته. وحين تحجب هذه الذاكرة أو تهمل، فإن الخاسر ليس الفنان وحده، بل الجمهور أيضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *