بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة مغرب يلمع تحت الأضواء، ومغرب آخر يظلّ في عتمة البيوت الطينية، يضرب على جلد البندير كي لا تنام الذاكرة. الأول يعرف كيف يرتّب صورته أمام العالم: قفطان مطرّز، زليج هندسي، بلوزة أنيقة، ومنتجات تقليدية تعرف كيف تتحدث بلغة المعارض. أما الثاني، فيحمل كنوزه على كتفيه، ويعبر الأزقة والحقول والجبال دون أن يدري أن ما يحمله قد يكون أثمن من كل ما يعرض في الواجهات. إنه المغرب الذي لا يصنع كلّه في الورشات، بل يولد في الحناجر، وفي أكفّ النساء، وفي إيقاع البندير حين يوقظ الليل من سباته. من منا لم توقظه، في طفولته، تلك الضربات الدائرية التي كانت تتسرّب من بيت إلى بيت، فتجعل الحيّ كله رحما واحدا؟ في الأعراس، وعند ازدياد مولود، وفي حفلات الختانة، كانت النساء يجتمعن في ما يُعرف، محليا، بصفّ النساء؛ تتجاور الأكتاف، وتتلاقى الأكفّ، وينهض الزجل من أفواه لا تحتاج إلى شهادة جامعية كي تعرف كيف تصيب المعنى في مقتل. كانت الأهازيج تتوالد ارتجالا، وتتناقلها الذاكرة كما تتناقل الأرض بذورها. بيت يثير الضحك، وآخر يلمّح إلى الحب، وثالث يبارك الوليد، ورابع يحمل من الحكمة ما تعجز عنه صفحات من التنظير.
هناك، في تلك المجالس التي لم تكن تحتاج إلى خشبة مسرح، كان الفن يحدث بلا إعلان، وكانت الثقافة تُمارَس قبل أن تتحول إلى ملف إداري. وكانت المرأة، وهي تضرب على البندير أو تجيب عن زغرودة بأخرى، تمارس سلطة رمزية نادرة: سلطة حفظ الكلام، وإعادة صياغته، ومنح الجماعة صوتا مشتلركا. لم يكن البندير مجرد آلة إيقاعية؛ كان ساعة شعبية لا تقيس الزمن بالدقائق، بل بالمناسبات، ومفتاحا لباب لا تفتحه المفاتيح المعدنية، بل تستجيب له الذاكرة. وحين يمتزج إيقاعه بالعلاوي والعرفة، في المناطق التي تحتضن هذه التقاليد، لا يعود الجسد جسدا منفردا، بل يصير أرشيفا يتحرك. في خطوات الراقصين، وانتظام الصفوف، والحوار بين الطبل والقدم، تختزن الجماعة تاريخا لا يُقرأ دائمًا في الكتب، لكنه يظل مكتوبا على عضلاتها، وفي طريقة وقوفها، وفي المسافة التي تتركها بين ضربة وأخرى. لكن من أين جاء هذا التراث؟ وأيّ طرق سلكها حتى استقر في وجداننا؟
ليس من الدقة أن نبحث عن أصل واحد ونهائي لكل هذه الفنون؛ فالمغرب فضاء تاريخي تفاعلت فيه روافد أمازيغية وعربية وأندلسية وإفريقية وصحراوية، وتباينت فيه الأشكال الإيقاعية واللغوية من منطقة إلى أخرى. وقد تشترك مناطق مغربية وجزائرية في بعض التقاليد والأسماء، كما في العلاوي، دون أن يعني ذلك أن تاريخها قابل للاختزال في حدود سياسية حديثة. أما أهازيج النساء المرتبطة بالولادة والختانة والزواج، فقد تشكلت داخل الحياة الجماعية، وحملتها الذاكرة الشفوية جيلا بعد جيل، مع ما عرفته من تحولات واختلافات محلية. ولعل عظمة هذا التراث تكمن في أنه لم ينتظر إذنا من أحد كي يعيش. لم يكن يحتاج إلى لجنة لتقرر أنه جدير بالبقاء، ولا إلى خبير أجنبي يمنحه شهادة القيمة. كان يكفي أن تحل مناسبة، وأن تُمدّ الأيدي نحو البندير، وأن تبدأ امرأة بيتًا من الزجل، فتتلقفه أخرى وتغيّر قافيته أو تقلب معناه، حتى يصبح الكلام ملكا للجميع. هنا كانت المعرفة تنقل من دون سبورة، وكانت الذاكرة مدرسة بلا جدران، وكان الإبداع فعلا يوميا لا مهنة منفصلة عن الحياة.
وإذا كان المغرب قد أحسن، بحق، تسويق القفطان والزليج والبلوزة، فإن السؤال ليس لماذا نعرض هذه الصناعات، بل لماذا يبدو أحيانا أننا لا نعرف كيف نرى ما عداها؟ أليست هناك خطورة في أن نختزل حضارة كاملة في الأشياء التي يسهل تعليقها على جدار، أو ارتداؤها أمام عدسة، أو وضعها في صندوق أنيق؟ ماذا عن الصناعات التي لا تكتمل إلا حين تُستعمل، ولا تكشف أسرارها إلا حين يلمسها الإنسان ويصغي إليها؟
لنخأذ, قارئي العزيز, البندير مثلا. قطعة خشب وجلد، وربما حلقات معدنية بحسب نوعه، لكنها في حقيقتها هندسة للصوت ومعرفة بالمادة وخبرة تتوارثها الأيدي. وراءه صانع يعرف كيف يختار الخشب، وكيف يشد الجلد، وكيف يستخرج من الدائرة نبضًا قادرا على جمع عشرات الأجساد في إيقاع واحد. فلماذا لا يصبح هذا الصانع، في حد ذاته، سفيرا ثقافيا؟ لماذا لا نأخذه إلى باريس أو بروكسل أو مدريد، ونمنحه الخشبة والأدوات والوقت، ليصنع أمام الجمهور بنديرا من بدايته إلى نهايته، ثم يضرب عليه فتخرج من مادته الصامتة موسيقى لم تكن مرئية قبل لحظة؟ إن عرض البندير مكتمل الصنع ليس كعرض ولادته. الأول يقدّم منتجا، والثاني يكشف عقلا ويدا وتاريخا. والفرق بينهما هو الفرق بين متحف يعرض عظام طائر، وسماء تسمح له بالطيران. ولماذا لا نعرض الأكواب والقداح الطينية التي احتفظت بها بعض البيئات المحلية، بما فيها من معرفة بالطين والماء والحرارة، وبعلاقة الإنسان البسيطة بأشيائه؟ ولماذا لا نبحث عن الأواني وطرائق استعمالها التقليدية، وعن أوعية الماء والعسل الكحلة وغيرها من الممارسات المحلية، مع التحقق من أسمائها واستعمالاتها بحسب المناطق، بدل أن نتركها تتوارى من الذاكرة؟ ليس المطلوب اختراع ماض مثالي، بل اكتشاف ما كان موجودا فعلا، وتوثيقه قبل أن تنقطع السلسلة التي تربط الصانع بمتعلمه.

والمشكلة لا تقف عند الصناع. أين الزجالون الذين نضجت مواهبهم في الأسواق والحقول والأعراس؟ أين أولئك الذين ربما لم يدخلوا مدرسة لتعلّم كتابة الشعر، لكنهم تعلموا من الحياة وزن الكلمة، ومن المجالس فن المفاجأة، ومن خصومات الناس ومصالحاتهم معرفة النفس البشرية؟ ليس كل من لم يتعلم في مؤسسة جاهلا، وليس كل من حمل شهادة قادرا على قراءة العالم. غير أن الإنصاف يقتضي أيضا ألا نجعل الأمية وساما فنيا، أو نضع أبناء القرى في قفص الفرجة باسم الأصالة. هؤلاء فنانون لهم أسماء وحقوق وأعمال تستحق التوثيق والمقابل المادي والتقدير، لا مجرد الاستدعاء العابر لالتقاط الصور معهم. إن التراث الشفهي المغربي ليس حنينا شخصيا فحسب؛ فالأهازيج النسائية في مدينة وجدة مثلا (ما يسمى بالصف) ، بما تحمله من تعبيرات مرتبطة بالزواج والختانة والحداد والأفراح، تشكل جزءا من الذاكرة الاجتماعية التي تناقلتها النساء عبر الأجيال. وقد شهدت مناطق مغربية مبادرات بحثية وثقافية لإحياء هذه الممارسات وصونها من التراجع. لكن التوثيق وحده لا يكفي إذا ظل التراث حبيس الأرشيف، وإذا لم يجد حاملوه مكانا لائقا في الفضاء الثقافي المعاصر.

ولعل أيام الثقافة المغربية التي احتضنتها باريس في محيط حديقة لوكسمبورغ، من 27 يونيو إلى 6 يوليوز 2026، وأخرى تتيح لنا أن نطرح السؤال من داخل تجربة واقعية، لا من برج التأمل المجرد. فقد قُدّمت التظاهرة باعتبارها نافذة على تنوع التراث المغربي، من الصناعة التقليدية إلى فنون الطهي والأزياء والأنشطة الفنية. لكن السؤال الذي يستحق أن يتجاوز لغة البلاغات الاحتفالية هو: أيّ مغرب خرج فعلا من هذه النافذة؟ المغرب الذي نعرف كيف نعرضه، أم المغرب الذي لم نتعلم بعد كيف نريه للعالم؟
من خلال ما لفت انتباهي في المعروضات، بدا لي أن ثمة فرصة ثمينة لم تُستثمر بما يكفي: فرصة الانتقال من عرض المنتجات إلى الكشف عن العقول والأيدي والذاكرات التي صنعتها. لم يكن اعتراضي على الحلي أو منتجات الزينة في ذاتها، ولا على الحرفيين الذين يعرضونها؛ بل على احتمال أن نختزل التمثيل الثقافي في أشياء يمكن العثور على نظائر لها في أسواق كثيرة، بينما نترك ما يمنح التجربة المغربية فرادتها في الظل. فهل تكفي الأواني والحلي والمنسوجات والأزياء لكي نختصر حضارة أنتجت، إلى جانب الأشياء، موسيقى وذاكرة شفوية وطقوسا جماعية وطرائق خاصة في التعبير عن الفرح والحزن والانتماء؟ كان يمكن لهذه التظاهرة أن تتحول إلى مختبر حي للثقافة المغربية: صانع يشكّل البندير أمام الجمهور، ثم يكشف كيف يتحول الخشب والجلد إلى نبض؛ وزجّال يرتجل أبياته في حوار مع الحاضرين؛ ونساء يستعدن أهازيج الولادة والختانة والأفراح، مع شرح سياقاتها الاجتماعية وتنوعها الجهوي؛ وخزّاف يروي قصة الطين والماء والنار، لا باعتبارها مواد خاما فحسب، بل باعتبارها معرفة تشكلت عبر أجيال من التجربة. أليس هذا, قارئي الكريم, أقدر على إحداث الدهشة من الاكتفاء بعرض المنتج النهائي؟ أليس من حق المغرب أن يصدّر إلى العالم أسئلة ثقافته، لا بضائعها وحدها؟ فالصناعة التقليدية ليست الشيء المصنوع فقط؛ إنها أيضا العقل الذي ابتكره، واليد التي أنجزته، واللغة التي سمّته، والطقس الذي منحه معناه.
إن باريس لا تحتاج إلى نسخة أخرى من سوق يمكن أن يشبه أسواقا كثيرة؛ إنها تستحق أن تلتقي بالمغرب الذي لا يمكن استنساخه: المغرب الذي يضرب على البندير فتستيقظ الذاكرة، ويطلق الزجل فتضحك الحكمة، ويصنع من الطين إناء يحمل أثر الأرض. هنا بالضبط تبدأ الدبلوماسية الثقافية الحقيقية: حين لا نكتفي بأن نعرض ما نملك، بل نمنح العالم فرصة فهم من نكون. ثم إن الجالية المغربية في أوروبا ليست جمهورا يحتاج إلى إعادة تعريفه بقفطانه وزليجه فحسب. إنها ذاكرة موزعة بين ضفتين، تحمل في البيوت لهجات الأمهات، وروائح المطابخ، وأصوات الأعراس، وأسماء القرى التي ربما لم يزرها أبناؤها قط. بعض أفراد هذه الجالية يعرفون تفاصيل العادات أكثر مما تعرفها برامج التظاهرات الرسمية؛ لأن التراث عندهم لم يكن موضوعا ثقافيا، بل جزءا من الحياة. فلماذا لا يُشركون في اقتراح الفنانين والصناع والزجالين؟ ولماذا لا تتحول الجمعيات المغربية في أوروبا إلى جسور للبحث والتوثيق، لا مجرد جهات تستقبل برنامجا جاهزا من بعيد؟
وهل يعقل أن نبحث عن سفير ثقافي للمغرب فلا نجد إلا الأسماء التي اعتدنا استدعاءها؟ لماذا لا نذهب إلى القرى، وننصت إلى النساء اللواتي يحفظن الأهازيج، ونبحث عن صناع البندير والطين والخشب، ونكتشف الزجالين الذين صاغوا من تجارب الحياة شعرا لا يحتاج إلى زخرفة كي يبلغ القلب؟ ولماذا لا تُخصص ميزانيات للتوثيق والترجمة والتدريب، حتى يستطيع هؤلاء الانتقال إلى الفضاءات الدولية من دون أن يفقدوا استقلالهم أو يختزلوا في صورة فولكلورية جاهزة؟ إن الدبلوماسية الثقافية ليست عملية نقل للمنتجات من مكان إلى آخر، بل عملية بناء للمعنى. وحين نعرض الصانع من دون أن نروي قصته، والزجال من دون أن نشرح لغته، والطقس من دون أن نضيء سياقه، فإننا نترك للجمهور مهمة تخمين ما لا نكلف أنفسنا عناء شرحه. ليس المطلوب تبسيط التراث حتى يفقد عمقه، بل تقديم مفاتيح تساعد الآخر على الدخول إليه، مع الاحتفاظ بما فيه من خصوصية وغموض وجمال.
وهنا ينبغي أن نطرح سؤالا فلسفيا بسيطا: من يملك التراث؟ هل تملكه المؤسسة التي تعرضه، أم الفنان الذي يؤديه، أم الصانع الذي ينتجه، أم الجماعة التي حفظته عبر الأجيال؟ لعل الحقيقة أنه لا يعيش إلا بينهم جميعا. فإذا انتزعناه من أصحابه، حوّلناه إلى ديكور؛ وإذا تركناه دون توثيق أو دعم، تركناه عرضة للنسيان. والمطلوب ليس تجميده داخل زجاج المتاحف، بل إبقاؤه قادرا على التنفس والتحول ومخاطبة أجيال لم تعد تعيش الشروط نفسها التي عاش فيها أجدادها. إن المغرب العميق لا يطلب منا أن نعود إلى الوراء؛ إنه يطلب ألا نمضي إلى الأمام ونحن نجرّد أنفسنا من ذاكرتنا. لا يريد أن ينافس القفطان على منصة الأناقة، بل أن يخرج من الظل الذي وضعته فيه تصنيفات ضيقة للثقافة والصناعة. يريد أن يقول للعالم إن الحضارة ليست ما يُرى فقط، بل ما يُسمع، وما يُتعلّم، وما يظل عالقا في الروح بعد أن تنطفئ الأضواء.
وإنّي, قارئي, لأتخيّل قاعة أوروبية لا تتصدرها واجهات الزجاج، بل يجلس في وسطها صانع مغربي، ينحني على قطعة خشب وجلد. يراقبه الناس وهو يعمل، فيما تبدأ امرأة من قرية بعيدة في إنشاد بيت زجل قديم، فتجيبها امرأة أخرى من طرف القاعة. ثم يرتفع صوت البندير، ويلتحق به إيقاع الأقدام، وتتحول القاعة للحظات من فضاء للعرض إلى فضاء للقاء. لن يكون ذلك استعراضا للفولكلور إذا أحسنا تقديمه، بل استعادة لحق الإنسان في أن يُعرَف من خلال ما صنعه، وما غنّاه، وما ورّثه لمن جاء بعده. فهل نريد مغربا يصفّق له العالم لأنه أتقن عرض ما يعرفه العالم عنه، أم مغربا يفاجئ العالم بما لم يمنحه بعد فرصة اكتشافه؟ ربما آن الأوان أن نحمل البندير معنا في حقائبنا الدبلوماسية؛ لا باعتباره قطعة من الماضي، بل باعتباره قلبا صغيرا مصنوعا من الخشب والجلد، ما زال يعرف كيف يوقظ وطنا كاملا من نوم الصورة.
