بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
من التجار من لا يبيعونك الحياة، بل يبيعونك الاعتذار عن الموت. يضعون أمامك مرآة، تشير إلى التجاعيد بأصبع الطبيب، ثم يعرضون عليك أن تدفع كي تستعيد الوجه الذي كنت عليه قبل أن تتعرف إليك السنوات. وفي هذا السوق العجيب، لم يعد الدم سائلا يجري في العروق فحسب؛ صار، في خيال بعض تجار الخلود، أرشيفا للأخطاء التي ارتكبها الجسد، وملفا قديما يمكن حذفه وإعادة تثبيته بنسخة أكثر شبابا. هكذا خرجت البلازمافريز، وهي تقنية طبية حقيقية تستخدم في علاج أمراض محددة وتحت إشراف متخصصين، من سياقها العلاجي إلى واجهات بعض عيادات الرفاهية، حيث يعرض على الأثرياء تنظيف البلازما كما تنظف الشركات ذاكرة الحاسوب من الملفات غير المرغوب فيها. الفرق أن الحاسوب قد يستعيد ملفاته من النسخة الاحتياطية، أما الإنسان فليس لديه زر لاستعادة ما حذفته المغامرة من حياته.
تقوم البلازمافريز على فصل البلازما عن مكونات الدم، وإزالة جزء منها، ثم إعادة مكونات الدم إلى الجسم مع سائل تعويضي مناسب. وقد تكون هذه العملية ضرورية ومنقذة للحياة في حالات مرضية معينة، لكنها ليست مرادفا لغسل الدم من الشيخوخة، ولا توجد أدلة سريرية كافية تثبت أنها تعيد الشباب أو تطيل العمر لدى الأصحاء. فالطب لا يصبح علما بمجرد أن تدخل أنابيبه الشفافة إلى جسد أنيق، ولا تتحول الفرضية إلى حقيقة لأن من يبيعها يرتدي معطفا أبيض. في التاسع من سبتمبر 2026، توفي المغني اليوناني جورجوس مازونكيس، البالغ 54 عاما، بعد تعرضه لتوقف قلبي في عيادة خاصة بأثينا كان مقررا أن يخضع فيها لإجراء من هذا النوع. وأثارت الواقعة تحقيقا في ظروف الوفاة وممارسة الإجراء داخل العيادة. لكن الدقة تقتضي ألا نحول التزامن إلى حكم طبي نهائي: فقد أفادت تقارير بأن الفحص الأولي لم يحسم سبب الوفاة، وأن التحقيق ظل يبحث في ملابساتها. لا يجوز أن نعلن أن الإجراء وحده قتله قبل أن تثبت الأدلة ذلك، كما لا يجوز أن نسمح لغموض السبب بأن يتحول إلى إعلان مجاني لسلامة الممارسة.
المأساة هنا ليست جسدية فقط؛ إنها فلسفية أيضا. ماذا يحدث حين يصبح العمر مرضا، والتجاعيد تهمة، والشيب دليلا على سوء الإدارة الشخصية؟ لقد نجح السوق في إقناع الإنسان بأنه مسؤول حتى عن الزمن الذي يمر به، كأن الشيخوخة فاتورة استهلاك يمكن الاعتراض عليها لدى خدمة الزبائن. وإذا كان الموت هو النهاية التي لا نستطيع إلغاءها، فإن صناعة مكافحة الشيخوخة تعرف كيف تؤجل مواجهتنا بها، شرط أن ندفع مقدما. وليس كل ما يسمى «تنظيفا» تطهيرا، ولا كل ما يسمى «تجددا» عودة إلى الحياة. الدم ليس ماء متسخا في أنبوب، والبلازما ليست مستودعا عاما للسموم التي يمكن سحبها بلا حساب. إنها تحمل بروتينات وأجساما مضادة وعوامل تخثر ومواد يحتاج إليها الجسم. وإزالتها ليست عملية محايدة؛ فقد تنطوي على انخفاض ضغط الدم، واضطرابات في الأملاح والتخثر، وتفاعلات مع السوائل التعويضية، ومضاعفات أخرى تتوقف على حالة المريض وطريقة إجراء العلاج. لذلك لا يكفي أن تكون التقنية معروفة طبيا كي تصبح كل استعمالاتها مشروعة أو مفيدة.
لقد حذرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية من الادعاءات التي تسوق بلازما المتبرعين الشباب علاجا للشيخوخة وأمراض أخرى دون دليل كاف على الفائدة. وهذه ممارسة مختلفة عن تبادل البلازما، وإن التقت معها في الوعد التجاري نفسه: أن العمر مشكلة يمكن حلها بنقل مكونات الدم أو التخلص منها. وحين تسبق لغة التسويق لغة الأدلة، يصبح المريض مستهلكا يشتري الأمل بالتقسيط، بينما يظل جسده هو الضامن الوحيد للقرض. لكن لماذا نصدق هذه الوعود؟ لأن الخوف من الشيخوخة لا يسكن الجسد وحده؛ إنه يسكن مجتمع جعل الشباب رأسمالا، والجمال شهادة صلاحية، والبطء فضيحة. نحن لا نخشى أن تتقدم أعمارنا فقط، بل نخشى أن نتراجع في أعين الآخرين حين تتقدم. ومن هنا تتغذى صناعة الخلود على جرح اجتماعي عميق: إقناع الإنسان بأن قيمته تنتهي حين يتغير وجهه.
المفارقة أن العلم، في جوهره، يبدأ بالاعتراف بحدوده، بينما يبدأ التسويق من الوعد بتجاوزها. العالم يقول: لا نعرف بعد، ونحتاج إلى تجارب ومقارنة ومراجعة مستقلة. أما البائع فيقول: النتيجة مضمونة، ثم يضع في أسفل الإعلان عبارة صغيرة تنجو بها الشركة إذا لم ينج الجسد. العلم يسأل عن الدليل؛ التجارة تسأل عن القدرة على الدفع. وبين السؤالين قد تضيع المسافة التي تفصل العلاج عن المقامرة. لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: هل نستطيع تنقية الدم؟ بل: لماذا نريد تنقيته، ولأي مريض، وبأي دليل، وتحت أي رقابة؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول تقنية علاجية منقذة لبعض المرضى إلى سلعة تعد الأصحاء بما لم يثبته العلم؟ وهل يكفي أن تكون العيادة خاصة، والثمن باهظا، والطبيب حاضرا، كي نطمئن إلى أن الطب يمارس سلطته في المكان الصحيح؟
لسنا مضطرين إلى تمجيد الشيخوخة، ولا إلى إغلاق أبواب البحث في طول العمر. من حق الإنسان أن يبحث عن حياة أطول وأفضل، ومن واجب العلم أن يختبر ما قد يجعل ذلك ممكنا. لكن هناك فرقا بين إطالة الحياة وبيع الوهم، بين علاج مرض وبين اختراع مرض اسمه مرور الزمن. الأول مهمة الطب، والثاني قد يصبح امتيازا تجاريا للخوف. لا يحتاج الدم إلى أن يتذكر شبابه؛ إنه يحتاج إلى ألا يتحول إلى مسرح لتجارب غير مثبتة. ولا يحتاج الإنسان إلى وعد بأنه لن يشيخ، بل إلى طب لا يستغل فزعه من الشيخوخة. أما العيادة التي تعد بإلغاء الزمن، فينبغي أن نطرح عليها السؤال الذي لا تستطيع آلة ولا إعلان تجاري الإجابة عنه: إذا كان الخلود معروضا للبيع، فمن يضمن لنا أن البضاعة ليست حياتنا نفسها؟
