بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
مشهد يستحق أن يتوقف عنده الفلاسفة قبل الاقتصاديين: مواطن فرنسي يفتح محفظته، ينتزع منها بضعة يوروهات، ثم يمنحها للدولة التي يفترض أنها تحميه من تقلبات العالم، وتدير باسمه المدارس والمستشفيات والطرقات ومؤسسات العدالة. لا يفعل ذلك طلبا لامتياز، ولا انتظارا لإعفاء ضريبي، بل بدافع ما يسميه الضمير المدني. كأنه يحاول أن يسد بإصبعه ثقبا في سفينة عملاقة، فيما المحيط يواصل الصعود من حولها. بحسب تقرير نشرته بعض الصحيف الفرنسية، استنادا إلى وكالة فرانس برس في 14 أكتوبر 2026، تقترب ديون فرنسا من 3600 مليار يورو، فيما بلغت التبرعات المقدمة للدولة نحو 25 ألف يورو خلال سنة 2026 حتى تاريخ التقرير. وذكرالتقرير أن الفرنسي لويس-غريغوار دو ميتري دو سان جورج تبرع بـ45 يورو سنة 2025، بدافع المواطنة والتعلق بمؤسساتالدولة، رغم انتقاداته للسياسات العامة. إنها مفارقة تكاد تبدو مكتوبة بقلم روائي سريالي: دولة تتعامل مع أرقام فلكية، ومواطنون يحاولون ملامسة ذلك الجبل المالي بعملات صغيرة.
لكن النبل الفردي لا يعفي النظام العام من الحساب. فالدولة ليست صندوقا خيريا، والدين السيادي ليس جرحا يمكن تضميده بجمع التبرعات. إنه حصيلة تاريخ طويل من القرارات والالتزامات والإنفاق والإيرادات، ومن قدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة وتوزيعها، ومن استعداد السياسة لقول الحقائق التي لا تحب الجماهير سماعها. ليس كل دين كارثة، ولا كل عجز دليلا على سوء التدبير. قد يكون الاقتراض استثمارا في المستقبل إذا مول بنية تحتية منتجة أو تعليما جيدا أو تحولا صناعيا يرفع قدرة المجتمع على خلق الثروة. لكن الدين يصبح فخا حين يستدين الحاضر لتأجيل إصلاحاته، ثم يترك الفاتورة للأجيال التي لم تشارك في كتابة الشيك. عندها لا تعود المشكلة في الرقم وحده، بل في الزمن الذي يجري استهلاكه سرا، وفي المستقبل الذي يجري رهنه باسم الاستقرار.
فرنسا ليست بلدا فقيرا ينتظر معجزة من جيوب مواطنيه. إنها قوة اقتصادية كبرى، لكنها ليست محصنة ضد الحساب. حين تتراكم الديون وترتفع كلفة فوائدها وتتسع المنافسة على المال العام، تجد الحكومات نفسها أمام خيارات موجعة: زيادة الضرائب، أو تقليص بعض النفقات، أو إصلاح أنظمة التقاعد، أو إعادة ترتيب الأولويات، أو الجمع بين هذه المسارات. ولا يوجد زر سحري يعيد الميزانية إلى التوازن من دون أن يتحمل أحد كلفة التغيير. هنا يتحول الاقتصاد إلى مسألة وجودية. فالشارع الفرنسي ليس رقما هامشيا في معادلة الإصلاح، بل هو المكان الذي تتحول فيه الجداول المحاسبية إلى أجساد غاضبة، وحيث يصبح تعديل المعاشات أو رفع سن التقاعد أكثر من بند مالي؛ يصبح مساسا بصورة الإنسان عن عمره وكرامته والاتفاق الذي ظن أنه عقده مع الدولة طوال حياته العملية.
غير أن الحديث عن خفض معاشات المتقاعدين أو رواتب الموظفين لا ينبغي أن يتحول إلى وصفة جاهزة. فالاقتطاع الأعمى قد يخفف بعض النفقات، لكنه قد يخنق الاستهلاك، ويعمق الشعور بالظلم، ويزيد هشاشة الفئات التي يعتمد الاقتصاد نفسه على قدرتها الشرائية. وإذا أصبحت الأجور والمعاشات هدفا سهلا في كل أزمة، فمن يحمي التوازن الاجتماعي من أن يتحول إلى ضحية دائمة للتوازن المالي؟ السؤال الأذكى ليس: من سنقتطع من راتبه؟ بل: أين تتسرب الثروة؟ ومن يستفيد من الاستثناءات؟ وما النفقات التي لا تنتج قيمة عامة؟ وكيف تتوزع التضحية بحيث لا يدفع الضعفاء ثمن عجز الأقوياء عن الإصلاح؟ فالعدالة المالية لا تقاس فقط بمقدار ما توفره الخزانة، بل أيضا بمن يطلب منه أن يتنازل، ومن يسمح له بمواصلة الاستفادة من النظام كما لو أن العاصفة لا تخصه.
والأخطر أن الأزمة لا تظل حبيسة الحدود الفرنسية. ففرنسا ليست جزيرة اقتصادية، بل عقدة في شبكة أوروبية تتداخل فيها التجارة والاستثمارات وأسواق العمل وحركة الرساميل. وأي تباطؤ طويل في اقتصادها قد ينتقل إلى شركائها عبر تراجع الطلب والاستثمار وتغير شروط التمويل وانكماش بعض الفرص. وإذا اقترنت متاعبها الاقتصادية بتعثر العلاقات التجارية والسياسية بين المغرب وإسبانيا، فإن المملكة قد تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدا: شركاء يحمون اقتصاداتهم، واقتصاد مغربي يحتاج إلى توسيع أسواقه وتخفيف تعرضه للصدمات الخارجية. ليست هذه نبوءة بانهيار مغربي، بل تحذير من الاطمئنان إلى أن النمو يستطيع أن يحرس نفسه بنفسه. ففرنسا وإسبانيا من أهم الشركاء الاقتصاديين للمغرب، والتشابك التجاري بين هذه الاقتصادات يجعل ما يحدث في الضفة الشمالية من المتوسط مسألة تتجاوز حدود الجغرافيا. وإذا تدهورت العلاقات مع إسبانيا، أو تراجعت قدرة فرنسا على الاستثمار والاستهلاك، فقد تتأثر قطاعات مغربية مرتبطة بالتصدير والسياحة والصناعة والخدمات. لكن حجم الأثر سيظل رهينا بطبيعة التوتر ومدته، وبقدرة المغرب على تنويع شراكاته وأسواقه.
هنا ينبغي أن نتوقف عند حقيقة لا تحب الخطابات المتفائلة قولها: العلاقات الاقتصادية ليست ضمانة أبدية ضد الأزمات السياسية. فحين تتوتر المصالح، قد تتحول الحدود من جسور إلى أدوات ضغط، وقد تصبح سلاسل التوريد التي صنعت الازدهار قنوات لنقل الاختناق. لذلك لا يكفي أن يبيع المغرب أكثر إلى شركائه التقليديين، بل عليه أن ينتج قيمة مضافة أكبر، ويطور صناعته، ويقوي قدرته التكنولوجية، ويبحث عن أسواق جديدة، حتى لا يبقى مستقبله رهينا بمزاج العواصم أو بتقلبات الاقتصادات الكبرى. ولا يعني ذلك أن المغرب يواجه المصير الفرنسي نفسه بالضرورة. فلكل اقتصاد بنيته وخصوصيته ومؤشراته ومساراته المالية. لكن الدين العام، في كل مكان، ليس رقما معزولا عن حياة الناس. كما أن ضبط العجز ليس غاية مقدسة إذا تحقق على حساب المدرسة والمستشفى وفرص العمل. فالدولة التي تقلص إنفاقها على الإنسان كي تحسن صورتها أمام الأسواق قد تربح بعض الاطمئنان المالي، لكنها تخاطر بخسارة أهم أصولها: مواطن قادر على التعلم والعمل والإنتاج والمشاركة في بناء الثروة.
وماذا لو أصبح المواطن، في فرنسا أو المغرب، يدفع مرتين؟ مرة حين يؤدي الضرائب والاقتطاعات، ومرة حين تتراجع جودة الخدمات التي تمولها تلك الضرائب، فيضطر إلى شراء التعليم والعلاج والنقل من ماله الخاص؟ عندئذ لا يكون الخطر مجرد تراكم الالتزامات في دفاتر الدولة، بل تآكل العقد الاجتماعي نفسه؛ ذلك العقد الذي يجعل الإنسان يقبل اقتطاع جزء من دخله لأنه يعتقد أن الجماعة ستعيد إليه، في لحظة الحاجة، ما لا يستطيع شراءه وحده. من هنا، قد تكون السنوات المقبلة اختبارا صعبا لأنظمة التقاعد والأجور والخدمات العامة، في فرنسا كما في غيرها من الدول التي تواجه ضغوطا مالية. وقد تلجأ الحكومات إلى تجميد بعض الرواتب أو تعديل شروط التقاعد أو مراجعة المعاشات أو زيادة الضرائب. لكن هذه احتمالات سياسية واقتصادية وليست أحكاما نهائية. والأهم ألا تتحول الإصلاحات إلى اقتطاعات عمياء، بل إلى مراجعة عادلة للنفقات والإيرادات والامتيازات، مع حماية الفئات الأكثر هشاشة.
أما المغرب، فليس مطالبا بأن ينتظر حتى يسمع صرير الأبواب الأوروبية كي يبدأ مراجعة حساباته. عليه أن يقرأ الإشارات مبكرا، وأن يجعل من تنويع الشراكات والإنتاج المحلي وتحسين مردودية الإنفاق العام أدوات للاستقلال الاقتصادي، لا شعارات للاستهلاك السياسي. فالسيادة لا تعني الانغلاق عن العالم، بل امتلاك القدرة على التعامل معه من موقع أقل هشاشة، وعلى تحويل الأزمات الخارجية إلى حوافز للإصلاح الداخلي. ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر إزعاجا كامنا خلف قصة التبرعات الفرنسية: ماذا يعني أن يمنح المواطن الدولة مالا إضافيا بعدما أدى ما عليه؟ أهو فعل مواطنة يرمم الثقة، أم إشارة صغيرة إلى أن الناس يخشون على مؤسسة أكبر من أن يحملها فرد، وأقرب إليهم من أن يتركوها تسقط؟ لا تكفي البيانات المتاحة للجزم بأن المتبرعين يعبرون عن خوف جماعي، لكن المشهد يتيح لنا تأمل المفارقة: حين يهب المواطن الدولة مبلغا من المال، فهو يمنحها نقودا؛ وحين يمنحها ثقته، فهو يمنحها ما لا تستطيع الأسواق إقراضه.
إن الدولة التي تحتاج إلى تبرعات مواطنيها كي تتذكر معنى المسؤولية لا ينقصها المال وحده؛ قد ينقصها وضوح الأولويات، وجرأة الاعتراف، والقدرة على إقناع المجتمع بأن التضحية ليست امتيازا للأغنياء، ولا عقوبة للفقراء، ولا فاتورة مؤجلة يتركها جيل لجيل. ليست المأساة أن يبلغ الدين آلاف المليارات، ولا أن يتبرع مواطن بخمس وأربعين يورو. المأساة أن يصبح هذا التبرع صورة مصغرة عن نظام يطلب من الأفراد ترميم ما لم تستطع السياسة إصلاحه. وحينئذ لا يعود السؤال: كم ينقص خزينة الدولة؟ بل: كم بقي في رصيدها من الثقة؟ فقد تستطيع الخزائن أن تعيش سنوات طويلة على القروض، وقد تستطيع الحكومات تأجيل الحساب بموازنة بعد أخرى؛ لكن لا دولة تستطيع أن تقترض إلى الأبد من مستقبل مواطنيها، ثم تطلب منهم أن يشكروها لأنها منحتهم حق الانتظار.
