حين يتشبّث أبناء المهجر بـ«منبت الأحرار»

بين وفاء الأجيال وغياب الإنصاف السياسي

بقلم: البشير حيمري, كوبنهاغن-الدنمارك

ليست الهوية جواز سفر يُستظهر عند الحاجة، ولا وثيقة إدارية تُثبتها الأختام، ولا رابطة جغرافية تنتهي عند الحدود. الهوية، في جوهرها العميق، ذاكرة تسكن الوجدان، وانتماء يتجدد عبر الأجيال، وشعور بالانتساب إلى وطن قد تفصلنا عنه المسافات، لكن لا تقوى المسافات بالضرورة على انتزاعه من أعماقنا. ولعل أبناء الجالية المغربية الذين وُلدوا ونشؤوا في بلدان المهجر يقدمون اليوم واحدة من أكثر الصور تعبيرا عن هذه الحقيقة؛ فهم أبناء احتضنت طفولتهم، وتعلّموا لغاتها، وتشكل وعيهم في فضاءاتها الثقافية والاجتماعية، ومع ذلك ظل المغرب حاضرا في وجدانهم، لا باعتباره مجرد بلد الآباء والأجداد، وإنما بوصفه جزءا أصيلا من تعريفهم لأنفسهم.

وتبلغ هذه العلاقة ذروتها في لحظات تبدو، للوهلة الأولى، رياضية عابرة، لكنها تحمل في أعماقها دلالات اجتماعية وثقافية وسياسية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. حين يختار لاعب من أصول مغربية حمل القميص الوطني، وحين يتردد النشيد المغربي في الملاعب الدولية، وحين ترفرف الراية المغربية في شوارع باريس وأمستردام وكوبنهاغن وغيرها من المدن الأوروبية، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد احتفال بنتيجة رياضية، بل بتجديد علني لعلاقة وجدانية بين جيل ولد خارج الوطن ووطن لم يولد فيه، لكنه ظل حاضرا في ذاكرته العائلية ورموزه الثقافية. إنها مفارقة تستحق التأمل: كيف يستطيع وطن أن يحافظ على جاذبيته في نفوس أجيال لم تعش على أرضه، ولم تتلقَّ تعليمها في مدارسه، ولم تتشكل تجربتها اليومية داخل مؤسساته، بينما لا تزال صلته السياسية بهذه الأجيال أقل من مستوى ارتباطها العاطفي به؟ وكيف يتحول الانتماء، لدى أبناء المهجر، إلى ممارسة تلقائية في الملاعب والمنابر الإعلامية والفضاءات العامة، في حين لا يجد دائمًا ما يقابله من اعتراف مؤسساتي يترجم هذا الانتماء إلى مشاركة فعلية في صناعة القرار؟

من اللغة إلى الذاكرة: كيف تعبر الهوية الحدود؟

تبدأ الحكاية غالبا داخل الأسرة. هناك، حيث تنتقل الكلمات الأولى من جيل إلى آخر، وحيث تظل الحكايات المغربية جزءا من الحياة اليومية، وحيث تصبح أسماء المدن والقرى، وذكريات الأجداد، والأعياد والعادات، خيوطًا دقيقة تنسج علاقة الطفل بوطن لم يعرفه إلا من خلال روايات أسرته وصورها وطقوسها. وتؤدي اللغة العربية دورا مهما في هذا الانتقال، بما تحمله من رصيد ثقافي ورمزي، كما تؤدي الأمازيغية، بمكوناتها وتنوعاتها الغنية، دورا أصيلا في صيانة الذاكرة المغربية لدى أسر عديدة من أبناء المهجر. فالمغرب ليس هوية لغوية أحادية، ولا ثقافة تختزل في عنصر واحد، وإنما هو نسيج تاريخي تعددي تتكامل فيه روافد عربية وأمازيغية وإفريقية وأندلسية ومتوسطية، ضمن شخصية وطنية تشكلت عبر قرون من التفاعل والتراكم.

ومن هنا، فإن صيانة الهوية المغربية في الخارج لا ينبغي أن تقوم على تصور ضيق للانتماء، بل على الاعتراف بهذا الغنى، وعلى جعل التنوع مصدر قوة وتماسك. كما أن استعمال بعض المصطلحات التاريخية، ومنها مصطلح «البربر»، يقتضي وعيًا بسياقاتها ودلالاتها، مع احترام التسمية التي يفضلها الأمازيغ لأنفسهم وهويتهم، وهي الأمازيغية. لكن اللغة، على أهميتها، ليست وحدها ما يحفظ الهوية. فقد يضعف استعمال لغة الأجداد لدى بعض الأبناء، وقد تصبح لغة البلد المضيف هي لغتهم الأساسية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انقطاعهم عن أصولهم المغربية. فالهوية أوسع من المفردات، وأعمق من القدرة على التحدث بلغة بعينها. إنها تتشكل كذلك عبر الذاكرة العائلية، والرموز المشتركة، والتجارب الجماعية، والإحساس بأن هناك وطنًا يستحق أن يُحمل اسمه باعتزاز. وهنا تكمن مسؤولية الأسرة، كما تكمن مسؤولية الدولة. فالأسرة تنقل الذاكرة، لكن المؤسسات تستطيع أن تجعل هذه الذاكرة حية ومتجددة، أو تتركها عرضة للتآكل مع مرور الزمن. وبين الأمرين مسافة لا تختصرها الخطب الاحتفالية، بل تحددها سياسات ثقافية وتعليمية وإعلامية ودبلوماسية قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها وأسئلتها وتطلعاتها.

القميص الوطني كإعلان عن الانتماء

لقد منحت كرة القدم الهوية المغربية في المهجر فضاء استثنائيا للتعبير. ففي زمن أصبحت فيه الرياضة لغة عالمية، لم يعد القميص الوطني مجرد لباس يرتديه اللاعب، بل صار رمزا لاختيار شخصي، وإعلانا عن انتماء، ورسالة يوجهها اللاعب إلى المجتمع الذي نشأ فيه وإلى الوطن الذي اختار تمثيله. وتجسد مسيرة حكيم زياش، إلى جانب مسيرات عدد من اللاعبين ذوي الأصول المغربية، جانبا من هذه العلاقة المعقدة بين النشأة في الخارج والارتباط بالمغرب. فالاختيار الرياضي، في مثل هذه الحالات، لا ينفصل عن مسارات فردية وعائلية وثقافية، ولا ينبغي اختزاله في حكم عاطفي بسيط. لكنه يكشف، في المقابل، عن قدرة الهوية على تجاوز الجغرافيا، وعن حضور المغرب في حسابات جيل نشأ في بيئات متعددة الانتماءات. وعندما يحقق المنتخب المغربي انتصارا في منافسة دولية، تتحول شوارع بعض المدن الأوروبية إلى فضاءات احتفال بالعلم المغربي، وتخرج الأسر والشباب في مشاهد تعكس فرحة تتجاوز حدود النتيجة. وقد شهدت مدن في فرنسا وهولندا وغيرها من البلدان الأوروبية مظاهر احتفال مماثلة في مناسبات كروية مختلفة. وفي هذه اللحظات، تظهر الهوية لا بوصفها شعارًا نظريًا، بل باعتبارها تجربة جماعية محسوسة، يعيشها الناس بأصواتهم وأعلامهم وأهازيجهم.

غير أن القراءة العميقة لهذه المشاهد تقتضي تجاوز الانبهار العاطفي بها. فالاحتفال الرياضي، مهما بلغت دلالته، لا يكفي وحده لإثبات عمق الاندماج السياسي أو الثقافي، كما لا يمكن اعتباره ضمانة دائمة لاستمرار الانتماء عبر الأجيال. إنه مؤشر مهم على وجود رابطة وجدانية قوية، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا عن كيفية تحويل هذه الرابطة من لحظة احتفالية إلى علاقة مستدامة، ومن شعور عاطفي إلى شراكة في المستقبل. إن أبناء المهجر الذين يرفعون العلم المغربي في الملاعب الدولية لا يوجهون رسالتهم إلى العالم وحده، بل يوجهونها أيضا إلى المغرب نفسه. وكأنهم يقولون إن المسافة لم تمحُ الانتماء، وإن الولادة خارج الحدود لم تُلغِ الرغبة في الانتساب، وإن الوطن الذي لم يعيشوا تفاصيله اليومية ما زال حاضرًا في اختياراتهم الكبرى. لكن هل يكفي أن يفرح الوطن باختيارات أبنائه حين يرفعون رايته، من دون أن يفسح لهم المجال للمساهمة في تقرير مستقبله؟

وطن يستفيد من الوفاء، لكنه لم يستثمر كامل طاقته

هنا ينتقل النقاش من المجال العاطفي إلى المجال السياسي، ومن الاحتفاء بالهوية إلى مساءلة المؤسسات التي يفترض أن تحميها وتستثمر في طاقاتها. لقد ظل مغاربة العالم رافدا مهما للاقتصاد الوطني، من خلال تحويلاتهم المالية، واستثماراتهم، ومساهماتهم المهنية والعلمية، وصلاتهم التجارية والثقافية. وقد تجاوزت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، بحسب الأرقام المتداولة في السنوات الأخيرة، عتبة سبعين مليار درهم سنويا، وهو ما يجعلها موردا اقتصاديا بالغ الأهمية للأسر وللاقتصاد المغربي. أما الرقم الدقيق لكل سنة، فينبغي ربطه بالإحصاءات الرسمية الخاصة بتلك السنة، حتى لا تختلط المؤشرات الاقتصادية بالتقديرات أو الأرقام غير المحينة.

ومع ذلك، لا يجوز اختزال مغاربة العالم في قيمة تحويلاتهم، وكأن علاقتهم بالوطن تُقاس بما يرسَل من أموال. فهم ليسوا مجرد مورد مالي، ولا ينبغي أن يُنظر إليهم باعتبارهم خزّانا اقتصاديا يُستدعى عند الحاجة ثم يُترك خارج دوائر التأثير. إنهم مواطنون يحملون خبرات علمية ومهنية وتجارب ديمقراطية ومهارات تنظيمية وشبكات دولية يمكن أن تشكل قيمة مضافة للمغرب، إذا توفرت الإرادة السياسية والمؤسسات القادرة على إدماج هذه الإمكانات في مشروع تنموي وطني واضح. إن الخلل لا يكمن في ضعف ارتباط أبناء المهجر بوطنهم فحسب، بل في الفجوة بين قوة هذا الارتباط ومحدودية قنوات المشاركة التي تتيح لهم التأثير في تدبير الشأن العام. فالمغاربة المقيمون بالخارج يملكون حقوقا دستورية ومواطنة لا تسقط بالهجرة، غير أن تفعيل المشاركة السياسية والتمثيلية يظل موضوعًا يحتاج إلى إرادة تشريعية ومؤسساتية واضحة، وإلى معالجة عملية للعوائق التي تحول دون الممارسة الكاملة لهذه الحقوق.

والأدق، في هذا السياق، ألا نقول إن مغاربة العالم محرومون من جميع حقوقهم السياسية على نحو مطلق، بل إن هناك مسافة بين الاعتراف الدستوري بمكانتهم وبين تمكينهم الفعلي من المشاركة والتمثيل. فقد أقر دستور 2011، في فصله السابع عشر، تمتع المغاربة المقيمين بالخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشح في الانتخابات. كما نص الفصل الثامن عشر على سعي السلطات العمومية إلى ضمان أوسع مشاركة ممكنة للمغاربة المقيمين بالخارج في المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة الجيدة التي يحدثها الدستور أو القانون. لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: إلى أي حد تحول هذا الاعتراف الدستوري إلى آليات عملية ومستدامة تتيح لمغاربة العالم المشاركة الفعلية في المؤسسات المنتخبة وهيئات الحكامة، وفي بلورة السياسات العمومية التي تمس مصالحهم ومصالح وطنهم؟

إن استحضار النصوص الدستورية لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته، بل مدخلا لقياس المسافة بين المبدأ والتطبيق. فالمواطنة لا تكتمل بمجرد الاعتراف بها في الوثائق، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تتيح ممارستها، وإجراءات تضمن فعاليتها، وثقافة سياسية تتعامل مع المواطن المقيم بالخارج بوصفه شريكا كامل الأهلية، لا حالة استثنائية تستوجب التبرير في كل مرة.

الجيل الجديد: من الوفاء العاطفي إلى الوعي السياسي

لعل التحول الأهم الذي ينبغي أن تنتبه إليه النخب السياسية المغربية هو أن أبناء المهجر ليسوا نسخة مكررة من الجيل الأول من المهاجرين. فلكل جيل سياقه، وأدواته، وانتظاراته، وطريقته في فهم العلاقة بين الفرد والدولة. لقد عاش جزء كبير من الجيل الأول تجربة الهجرة بوصفها مسارًا للعمل وتحسين الظروف المعيشية، وظل دعم الأسرة في المغرب، والمساهمة في بناء منزل أو إطلاق مشروع، والحفاظ على روابط القرابة، من أبرز مظاهر الوفاء للوطن. أما الأجيال التي وُلدت في الخارج أو نشأت فيه منذ طفولتها، فإنها تتحرك داخل سياق مختلف؛ إذ تمتلك في الغالب لغة البلد المضيف، وتعرف مؤسساته، وتتابع نقاشاته السياسية، وتتعامل مع المواطنة باعتبارها حقوقًا ومؤسسات ومساءلة وشفافية.

وهذا لا يعني أن الجيل الجديد أقل تعلقا بالمغرب، ولا أن اختلاف تجربته يؤدي حتما إلى تراجع انتمائه. بل قد يكون أكثر قدرة على الجمع بين هويات متعددة، وأكثر استعدادًا للمساهمة في تطوير بلده الأصلي، شرط أن يجد فيه فضاء يعترف بكفاءته ويستجيب لانتظاراته. غير أن الانتماء العاطفي لا يعيش في فراغ. إنه يتأثر، مع مرور الزمن، بنوعية العلاقة التي يقيمها المواطن مع مؤسسات دولته. فحين يشعر الشاب المغربي المولود في الخارج بأن وطنه يقدّر كفاءته، ويمنحه فرصًا للمشاركة، ويعامل صوته باعتباره ذا قيمة، يصبح الانتماء قابلًا للتحول إلى مشروع مشترك. أما حين يظل حضوره مطلوبًا في لحظات التعبئة والاحتفال، بينما تتقلص فرص مشاركته في القرارات العامة، فقد تنشأ فجوة بين الهوية الثقافية والمواطنة السياسية.

وليس من الحكمة افتراض أن الأجيال الجديدة ستظل متشبثة بهويتها المغربية بالدرجة نفسها، مهما كانت الظروف. فالهوية، وإن امتلكت جذورا عميقة، تحتاج إلى تجديد الروابط التي تصلها بالحاضر. ولا يمكن للدولة أن تطلب من أبنائها في الخارج الحفاظ على انتمائهم، ثم تتعامل مع انتظاراتهم السياسية باعتبارها مسألة ثانوية أو مؤجلة إلى أجل غير مسمى. إن الجيل الجديد لا يطلب بالضرورة امتيازات خاصة، ولا يبحث عن معاملة تتجاوز حقوق الآخرين؛ إنه يطالب بأن تكون المواطنة متناسبة مع مسؤولياتها، وأن تتاح له إمكانية المساهمة في الشأن العام وفق قواعد واضحة وعادلة. وهو، بحكم تجربته في مجتمعات متعددة، قد يحمل معه تصورات مختلفة حول المشاركة والمساءلة وتداول المسؤولية، وهي تصورات يمكن أن تثري الحياة العامة المغربية بدل أن تُعامل باعتبارها مصدر إزعاج أو تحدٍّ للمألوف.

من تحويل الأموال إلى توسيع المشاركة

إن المقاربة التقليدية التي تقيس نجاح العلاقة مع مغاربة العالم بحجم التحويلات المالية وحدها لم تعد كافية. فاقتصاد اليوم لا يقوم على المال فقط، بل على المعرفة، والابتكار، والقدرة على بناء الشراكات، ونقل الخبرات، وتطوير المؤسسات. كما أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق بمجرد استقطاب الموارد، وإنما تحتاج إلى توسيع قاعدة المشاركة في اتخاذ القرار وتقييم السياسات العمومية. ومن هذا المنطلق، فإن إشراك مغاربة العالم في تدبير الشأن العام ليس مجاملة سياسية، ولا استجابة ظرفية لضغط جمعوي أو إعلامي، بل استثمار في رأس مال بشري ووطني يمتد عبر القارات. فبين أبناء المهجر أطباء وباحثون ومهندسون وأساتذة ومقاولون وخبراء في التكنولوجيا والاقتصاد والقانون والإدارة. وهناك أيضًا شباب يمتلكون معرفة عميقة بثقافة البلد الذي نشؤوا فيه، ويستطيعون أن يكونوا جسورًا للتعاون والتبادل بين المغرب وشركائه الدوليين.

غير أن الاستفادة من هذه الطاقات لا تتحقق عبر الدعوات العامة وحدها. إنها تتطلب آليات مؤسساتية محددة، من بينها توسيع فرص المشاركة السياسية والتمثيلية، وتطوير قنوات التشاور المنتظم، وتيسير المساهمة في هيئات الحكامة، وتعزيز مشاركة الكفاءات المغربية بالخارج في إعداد السياسات العمومية وتقييم نتائجها. كما تتطلب وضوحًا في الاختصاصات، وشفافية في اختيار ممثلي الجالية، وضمانا لعدم تحول هذه الآليات إلى واجهات شكلية لا تملك القدرة على التأثير. ويقتضي ذلك أيضًا بناء سياسة عمومية متكاملة تجاه الأجيال المزدادة بالخارج، تتجاوز منطق المناسبات والخطابات إلى الاستثمار طويل الأمد في تعليم اللغة والثقافة المغربيتين، ودعم المبادرات الشبابية، وتطوير برامج التبادل الجامعي والثقافي، وتوفير معلومات واضحة حول الحقوق والإجراءات، وإشراك الشباب أنفسهم في تصميم البرامج التي تستهدفهم. فلا يكفي أن نتحدث باسم أبناء المهجر؛ ينبغي أن نمنحهم المساحة التي يتحدثون فيها عن أنفسهم. ولا يكفي أن نحتفي بهويتهم حين يرفعون العلم المغربي أمام كاميرات العالم؛ ينبغي أن نفتح أمامهم أبواب المشاركة حين يتعلق الأمر بمستقبل البلاد.

الهوية عقد متجدد بين المواطن والوطن

إن العلاقة بين المغرب وأبنائه في الخارج لا ينبغي أن تبنى على منطق الامتنان المتبادل وحده، ولا على معادلة مالية. فالوطن ليس شركة تجارية، والمواطنة ليست صفقة، والهوية ليست دينا يُطالب الأبناء بأدائه لمجرد أنهم ورثوا أسماء أسرهم وأصولها. إنها علاقة أعمق، تقوم على الحقوق والواجبات، وعلى الثقة والاعتراف، وعلى الشعور بأن الوطن لا يكتفي باستدعاء أبنائه حين يحتاج إلى دعمهم، بل يفسح لهم المجال ليكونوا جزءًا من صناعة مستقبله. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام السياسات المغربية لا يتمثل في إقناع أبناء المهجر بأن لهم وطنًا، فقد أثبتت مناسبات عديدة أن المغرب ما زال حاضرًا في وجدان قطاعات واسعة منهم، وإنما يتمثل في جعل هذا الانتماء متبادلًا في أبعاده السياسية والمؤسساتية.

فإذا كان أبناء المهجر يرفعون العلم المغربي في ساحات العالم، فإن على المؤسسات المغربية أن ترفع مكانتهم داخل منظومة المشاركة الوطنية. وإذا كانوا يرددون «منبت الأحرار» باعتزاز، فإن الوفاء للمعنى العميق لهذه العبارة يقتضي أن يجدوا في وطنهم فضاءً يحترم إرادتهم، ويصون كرامتهم، ويتيح لهم الإسهام في بناء مؤسساته. ولا ينبغي أن يُفهم هذا المطلب باعتباره تهديدًا للهوية الوطنية أو محاولة لفرض نماذج خارجية على المغرب. على العكس، إن الدولة الواثقة من نفسها هي التي تستطيع استيعاب تعدد تجارب مواطنيها، وتحويل اختلاف مساراتهم إلى مصدر غنى. فالمغربي الذي نشأ في أمستردام أو باريس أو كوبنهاغن ليس أقل مغربية من الذي نشأ في الدار البيضاء أو فاس أو مراكش؛ غير أن تجربته مختلفة، ومن حق هذه التجربة أن تجد مكانها في السياسات والمؤسسات.

رسالة إلى الحكومة المقبلة

إن الحكومة المقبلة، كما النخب السياسية التي تتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، مطالبة بإعادة النظر في موقع مغاربة العالم داخل المشروع الوطني. والمطلوب ليس إطلاق شعارات جديدة، ولا الاكتفاء بتجديد الخطاب حول أهمية الجالية، بل الانتقال إلى قرارات ملموسة تجعل المشاركة السياسية والتمثيلية واقعا قابلا للقياس والتقييم. إن فتح الأبواب أمام الأجيال المزدادة في الخارج ينبغي أن يبدأ بالاعتراف بأن هذه الأجيال ليست مجرد امتداد عائلي للمهاجرين الأوائل، وإنما هي قوة بشرية وثقافية وسياسية لها خصوصيتها، ولها الحق في أن تكون جزءًا من النقاش حول مستقبل المغرب. وهي قوة لا يمكن استثمارها بالوصاية عليها، بل بالحوار معها، والثقة في كفاءاتها، وتمكينها من آليات المشاركة الفعلية.

كما ينبغي ألا تتعامل الدولة مع الهوية باعتبارها مسؤولية الأسرة وحدها. فحين تسعى الأسر إلى تعليم أبنائها العربية والأمازيغية، وإلى نقل الذاكرة المغربية إليهم، فإن المؤسسات مطالبة بمساندة هذا الجهد عبر برامج ثقافية وتعليمية مستدامة، ومبادرات تتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى المغرب بعيدًا عن الصور النمطية والزيارات العابرة. فالانتماء الذي يتجدد بالمعرفة والفهم أكثر قدرة على الصمود من الانتماء الذي يستند إلى العاطفة وحدها. وفي المقابل، فإن النخب السياسية مطالبة بفهم أن أبناء المهجر لا يعيشون خارج الزمن، وأن انتظاراتهم تتطور، وأن علاقتهم بالمغرب ستتأثر، عاجلا أم آجلا، بطبيعة الاستجابة المؤسساتية لمطالبهم. وليس من الحكمة ترك هذه العلاقة رهينة المناسبات الرياضية أو موجات الحماس الوطني؛ لأن بناء الانتماء المستدام يحتاج إلى سياسات مستمرة، لا إلى لحظات استثنائية.

لا تطلبوا من الأجيال الوفاء لوطن لا يفسح لها المجال

حين يتشبث أبناء المهجر بـ«منبت الأحرار»، فإنهم يقدمون للمغرب شهادة على أن الهوية قادرة على عبور الحدود، وأن الذاكرة قد تنتقل من جيل إلى آخر حتى حين تتغير اللغة والبيئة وأنماط العيش. لكن هذه الشهادة، على جمالها وعمقها، ينبغي ألا تتحول إلى ذريعة لتأجيل الإصلاح أو الاكتفاء بالاحتفاء الرمزي. إن المسؤولية الحقيقية تبدأ حين نفهم أن الحفاظ على الهوية المغربية في الخارج ليس مهمة أبناء الجالية وحدهم، بل مسؤولية مشتركة تتقاسمها الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة. وإذا كانت الأسرة قد نجحت في نقل شيء من المغرب إلى أبنائها، فإن الدولة مطالبة بأن تنقل إليهم رسالة أخرى لا تقل أهمية: أن المغرب لا يتذكرهم فقط حين يحقق منتخبه انتصارا، ولا يقيس مكانتهم بما يقدمونه لاقتصاده، بل يعترف بهم مواطنين كاملي الحقوق، وشركاء في الحاضر، وأصحاب مصلحة مشروعة في المستقبل.

لقد أثبت أبناء المهجر، في لحظات كثيرة، أن الوطن قد يكون بعيدا عن مكان الميلاد، لكنه قريب من الوجدان. ويبقى على المؤسسات أن تثبت أن هذا القرب العاطفي لن يظل من طرف واحد، وأن الاعتزاز بالهوية يمكن أن يجد ترجمته في المشاركة والإنصاف والثقة المتبادلة. إن «منبت الأحرار» ليس مجرد عبارة في نشيد وطني، بل معنى يستحق أن يُترجم إلى ممارسة سياسية ومؤسساتية. والأوطان التي تريد لأبنائها أن يظلوا أوفياء لها، مهما تباعدت بهم الجغرافيا، لا تكتفي بأن تطلب منهم حمل أعلامها؛ بل تتيح لهم أن يكونوا شركاء في رسم طريقها. فأبناء المهجر لم ينسوا المغرب، والسؤال الذي ينبغي أن يشغل ضمير السياسة المغربية اليوم ليس كيف نحافظ على تعلقهم بالوطن فحسب، بل كيف نجعل الوطن جديرًا بهذا التعلق، وكيف نحوّل وفاء الأجيال إلى شراكة حقيقية في بناء المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *