بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
حين تتواطأ المصادفات على إيقاع واحد، تصبح السياسة أشبه بمخطوط غامض، تتزحزح حروفه تحت ضوء الجغرافيا، وتتكشف بين سطوره إرادات لا تفصح عن أسمائها، كأن العالم يكتب خرائطه بالحبر المرئي، ويخفي حقائقه في الحبر الذي لا تراه العين. فمن تصريح هنا عن الكويرة، إلى زيارة ملكية إسبانية لسبتة ومليلية هناك، مرورا بالضجيج الحزبي في مدريد حول سفن حربية مغربية، واستدعاء الاتحاد الأوروبي إلى مسرح الخلاف، وصولا إلى ملف الصحراء المغربية وهو يقف عند منعطف بالغ الحساسية؛ تتجاور الأحداث في توقيت يثير الأسئلة، حتى ليبدو المشهد كأن الجغرافيا قررت أن توقظ ذاكرتها دفعة واحدة. فهل نحن أمام مصادفة صنعتها حركة الأيام، أم أمام تزامن يستحق أن تفكك شفراته العقول؟ وهل يتعلق الأمر بأزمات منفصلة، أم أن شيئا من إعادة ترتيب النفوذ يجري على تخوم المغرب، حيث لا تكون الحدود خطوطا على الورق، بل أبوابا على المستقبل؟
لا يحتاج المرء إلى الإيمان بنظرية المؤامرة كي يتوجس من تلاقي المصالح، كما لا ينبغي له أن يخلط بين الشك واليقين. فالدول لا تتحرك دائما في مواكب معلنة، ولا ترفع كل أوراقها فوق الطاولة. لكنها، في المقابل، لا تتآمر بالضرورة كلما التقت مصالحها. وبين هذين الاحتمالين تبدأ القراءة السياسية الرصينة: أن نرى ما يحدث، وأن نسأل عما قد يعنيه، من غير أن نمنح الظنون صفة الوقائع، ولا أن نمنح الوقائع براءة المصادفات قبل فحصها. في سبتة، لا يزور ملك إسبانيا مدينة عادية. إنه يزور عقدة في الذاكرة المغربية، وموقعا في الحسابات الإسبانية، ورمزا تتجاوز دلالته عدد سكانه ومساحته. وحين يحل التاج الإسباني في المدينتين، فإن مدريد تؤكد سيادتها القائمة، فيما يستحضر المغرب حقه التاريخي في استكمال وحدته الترابية. هنا لا يتواجه خطابان فحسب؛ بل تتواجه رؤيتان للزمن: دولة تستند إلى واقع قائم تريد تحصينه، وأمة ترى أن اكتمال جغرافيتها لم يتحقق بعد.
وليس من قبيل السذاجة أن نسأل: لماذا تأتي هذه الزيارة في هذا التوقيت بالذات، بينما يشتد الجدل حول الصحراء المغربية، وتعود قضايا الحدود البحرية والأمن والهجرة إلى واجهة السياسة الإسبانية؟ هل الزيارة إجراء سيادي معتاد، أم رسالة موجهة إلى الداخل الإسباني وإلى الرباط معا؟ وهل يريد اليمين الإسباني تحويل واقعة السفن المغربية إلى منصة انتخابية، أم أن وراء الضجيج مخاوف استراتيجية أعمق من مجرد خلاف على مياه بحرية؟ إن مطالبة الحزب الشعبي الإسباني بمساءلة حكومة بيدرو سانشيز، ونقل القضية إلى القضاء والسعي إلى إثارتها أوروبيا، تكشف أن المغرب لم يعد مجرد موضوع في السياسة الخارجية الإسبانية؛ لقد أصبح أيضا مادة في الصراع على السلطة داخل إسبانيا. وحين تدخل قضية سيادية إلى سوق الانتخابات، يصبح السؤال مضاعفا: أين ينتهي الحرص الحقيقي على الأمن القومي، وأين يبدأ الاستثمار السياسي في الخوف من الجار؟
أما الاتحاد الأوروبي، فليس مرآة محايدة لكل ما تعرضه مدريد عليه. قد تتضامن المؤسسات الأوروبية مع إسبانيا في مسائل الحدود والهجرة، لكنها مطالبة أيضا بحماية مصالحها الأوسع في علاقتها بالمغرب، الشريك الذي لا تختصره معادلة أمنية ولا تستنفده ورقة انتخابية. فهل يراد نقل الخلاف من ضفته الثنائية إلى فضاء أوروبي أوسع، أم أن مدريد نفسها تخشى أن يؤدي تضخيمه إلى إرباك شراكة لا تستطيع أوروبا الاستغناء عن أهميتها؟ السؤال هنا ليس اتهاما، بل اختبار لمدى قدرة السياسة على التمييز بين الدفاع عن المصالح وصناعة الخصومات.
ثم تظهر الكويرة من أقصى الجنوب، كاسم يخرج من ذاكرة الرمال كلما اقتربت التسويات الكبرى من أبوابها. وتتردد تصريحات وتأويلات موريتانية بشأن المدينة والحدود، في وقت تزداد فيه حساسية ملف الصحراء. لكن الوطنية لا تعني أن ننسب إلى نواكشوط موقفا رسميا لم تثبته وثيقة واضحة، ولا أن نحول كل تصريح متداول إلى نذير مواجهة. الوطنية الحقيقية هي أن نقرأ الإشارات بعين يقظة، وأن نطالب بالدليل، وأن نستعد لكل احتمال من دون أن نستدرج أنفسنا إلى معارك تصنعها الشائعات قبل أن تصنعها الوقائع. ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعا: إذا كانت ملفات سبتة ومليلية والكويرة والصحراء تتحرك في فضاء زمني متقارب، أفلا يستحق هذا التزامن أن يكون موضوعا لتقدير استراتيجي مغربي شامل؟ هل يكفي أن نعالج كل واقعة منفردة، أم أن الحكمة تقتضي أن نضعها على خريطة واحدة، لا لنجزم بوحدة مدبريها، بل لنفهم كيف يمكن أن تتقاطع نتائجها؟ وهل يمكن لخصوم المغرب، إن وجدوا مصلحة في ذلك، أن يستثمروا اختلاف الجبهات لإرباك أولوياته، أو أن يحاولوا تحويل انشغاله بملف إلى ضغط في ملف آخر؟
هنا تحديدا تظهر قيمة الدولة التي تعرف نفسها. فالمغرب ليس بلدا اكتشف جغرافيته أمس، ولا وطنا تنتظر ذاكرته إذنا من أحد كي تتكلم. إنه بلد تشكلت خبرته عبر قرون من الاحتكاك بين الإمبراطوريات والبحار والصحارى، وتعلم أن السيادة لا تصان بالصراخ وحده، وأن القوة ليست في كشف كل ما تملك، بل في معرفة ما ينبغي إعلانه، وما يجب أن يبقى في نطاق التقدير الهادئ. للدبلوماسية لغتها، وللدولة حساباتها، وللصبر أحيانا مفعول لا تملكه الخطب العالية. وليس معنى ذلك أن كل صمت مغربي خطة محكمة، أو أن كل تحرك خارجي دليل على نجاح تكتيك مغربي مضاد. إن تمجيد الدولة لا يقتضي تعطيل العقل النقدي، بل العكس تماما: يقتضي أن نثق بقدرتها على التفكير، وأن نطالب مؤسساتها بالاستباق والوضوح حين يكون الوضوح ضروريا، وبالتحفظ حين يكون التحفظ جزءا من حماية المصلحة الوطنية. فالدولة القوية ليست التي لا تخطئ، بل التي تميز بين الضجيج والخطر، وبين الاستفزاز والفرصة، وبين المعركة التي ينبغي خوضها والمعركة التي يريد الآخرون جرها إليها.
المغرب لن يتزحزح عن ثوابته لمجرد أن ارتفعت الأصوات، ولن تتبدل ذاكرته لأن زيارة ملكية عبرت ممرا تاريخيا، ولن يحدد الآخرون وحدهم جدول أعماله. لكن ثباته لا ينبغي أن يكون جمودا، واعتزازه لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من السؤال. فالأوطان التي تعرف قدر نفسها لا تخشى الأسئلة الصعبة؛ إنها تخشى فقط أن تستبدل المعرفة بالاطمئنان، والتحليل بالتصفيق، والاستعداد بترديد الشعارات. ولعل الصورة الأبلغ ليست صورة قلعة تحاصرها الجيوش، بل صورة شجرة ضاربة الجذور، تتلقى الرياح من جهات شتى، ولا تكشف للريح مقدار ما امتدت به جذورها في الأرض. غير أن الشجرة، مهما رسخت، تحتاج إلى من يرعى تربتها، ويعرف اتجاه الرياح، ويميز بين غيمة عابرة وسحابة تحمل المطر أو العاصفة. فهل ما يجري حول المغرب محاولة لتطويق هامش حركته في لحظة حساسة من ملف الصحراء؟ أم أن ما نراه هو حصيلة صراعات داخلية إسبانية، وحسابات موريتانية، ومصالح أوروبية تتقاطع من دون تنسيق شامل؟ أم أن الحقيقة أكثر تعقيدا من الخيارين، وأن كل طرف يتحرك وفق أجندته الخاصة، فيما تنتج تقاطعات هذه الأجندات ضغطا موضوعيا على المغرب، حتى من دون اتفاق مسبق بينها؟
لا نملك، حتى الآن، ما يجيز إعلان جواب قاطع. لكننا نملك ما يكفي لرفض السذاجة السياسية. فالتاريخ لا يطلب منا أن نخاف من كل حركة، بل أن نفهمها؛ ولا يطلب منا أن نتهم بلا دليل، بل أن نتهيأ قبل أن تتحول الإشارات إلى وقائع مكتملة. المغرب الذي يقترب من استحقاقات كبرى في قضيته الوطنية يحتاج إلى عين ترى أبعد من الخبر، وعقل يقرأ أبعد من التصريح، ودبلوماسية تعرف متى تتكلم ومتى تترك للزمن أن يكشف ما لا تقوله البيانات. ففي السياسة، ليست كل الأوراق على الطاولة، وليست كل الأوراق المخفية رابحة، لكن الدولة التي تحسن قراءة الطاولة لا تفاجئها حركة يد، ولا تستدرجها فوضى القاعة. إن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا ليس من يحاك ضد المغرب فحسب، بل من يملك القدرة على تحويل هذا التزامن إلى معرفة، والمعرفة إلى استعداد، والاستعداد إلى حماية للمصلحة الوطنية؟ هناك يبدأ الفرق بين وطن يكتفي بمراقبة ما يدور حوله، ووطن يقرأ التحولات قبل أن تكتمل خرائطها.
