حكومة بنظارة التشريح في انتظار ولادة المعنى

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

من وراء الحدود، تبدو السياسة المغربية كأنها مسرح تتغير فيه الديكورات، وتبقى بعض الشخصيات وفية لأدوارها القديمة، فيما ينتظر الجمهور أن يفاجئه العرض بما يتجاوز النص المحفوظ. ومن هنا، لا أكتب عن الحكومة الجديدة بعين تبحث عن عثرة، ولا بعين المصفقة التي ترى في التعيين فتحا مبينا، بل بعين مغربية تعرف أن المسافة عن الوطن لا تقلل حرارة الانتماء، وإنما تمنح أحيانا زاوية أخرى لرؤية ما ألفته العيون من كثرة التكرار. تشكيلة حكومية جديدة، وأسماء مألوفة، وأخرى تستحق أن تمنح فرصة إثبات الذات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس من دخل الحكومة ومن غادرها، بل أي صورة عن المغرب أرادت هذه التشكيلة أن ترسمها؟ وهل نحن أمام تجديد في هندسة البناء، أم أمام إعادة ترتيب للأثاث داخل البيت نفسه؟

ليست الحكومة مجرد أسماء تتراصف في لائحة ، ولا حقائب تتبادل الأيدي. إنها، في جوهرها، صورة مصغرة عن الطريقة التي يتخيل بها بلد ما مستقبله، وخريطة لما يريده من نفسه، ومرآة لا تعكس فقط من استوزر، بل تكشف أيضا من يظل خارج الحكاية. ومن هذا المنظور، تبدو التشكيلة الحكومية الجديدة في المغرب، التي عينها جلالة الملك محمد السادس في 16 أكتوبر 2026، جديرة بقراءة تتجاوز التهنئة المستحقة والتشكيك المجاني، لتدخل إلى المنطقة الأكثر أهمية: منطقة الأسئلة التي لا تفسد فرحة البداية، بل تحميها من أوهامها.

أول ما يستوقف النظر هو حضور الأسماء التي ألفتها الذاكرة السياسية المغربية. ثمة وجوه تواصل الرحلة من حكومة إلى أخرى، كأن بعض الكراسي اكتسبت مناعة ضد الغياب، وكأن التجربة السياسية أصبحت رأسمالا لا ينضب بمجرد إعادة تدويره. ولا يعني استمرار الوزراء، في حد ذاته، انتقاصا من قدراتهم. لكن الاستمرارية لا تصبح فضيلة إلا حين تكون مصحوبة بحصيلة قابلة للقياس، وبقدرة على تصحيح الاختلالات، وبشجاعة الاعتراف بأن بعض الملفات تحتاج إلى عقول جديدة لا إلى الذاكرة نفسها وهي تعيد ترتيب أوراقها. السؤال، إذن، ليس لماذا بقي هؤلاء، بل ماذا أنجزوا، وما الذي سيتغير هذه المرة؟ فالدولة ليست مسرحا لإعادة العرض، والمواطن ليس متفرجا مطالبا بالتصفيق كلما ارتفع الستار.

وفي المقابل، يحسب لرئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، في حدود ما تكشفه اللائحة المعلنة، غياب ما يمكن وصفه بالتوريث العائلي المباشر للمناصب داخل التشكيلة. إنها إشارة إيجابية في زمن أصبحت فيه القرابة، في كثير من التجارب السياسية، ظلا ينافس الكفاءة على مقاعد القرار. غير أن غياب المائدة العائلية لا يكفي وحده لإثبات استقلال القرار؛ فالمحاصصة الحزبية، وشبكات النفوذ، ومصالح الدوائر الضيقة قد تصنع موائد أخرى لا تجلس حولها العائلة، لكنها تتقاسم الأطباق نفسها. والاستحقاق الحقيقي هو أن تصبح المناصب مؤسسات للكفاءة، لا مكافآت للعلاقات، أيا كان شكلها.

ومن اللافت أيضا أن حزب الأصالة والمعاصرة يضم أسماء ذات خلفية مهنية في المحاماة، من بينها عبد اللطيف وهبي ونجوى كوكوس وقلوب فيطح، إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري. وقد تكون هذه الخلفية رصيدا مهما في فهم القانون ومنازعات المجتمع وآليات الترافع، لكنها تطرح سؤالا أوسع: هل تستطيع الثقافة القانونية أن تتحول إلى ثقافة تدبير عمومي؟ فالدولة ليست محكمة كبرى، والمواطن ليس دائما طرفا في دعوى، والوزارة لا يكفيها أن تحسن صياغة المرافعات؛ عليها أن تصنع السياسات، وتقيس آثارها، وتتحمل مسؤولية نتائجها.

أما النساء، فحضورهن يظل دون ما تستحقه الكفاءات النسائية المغربية من تمثيل في مواقع القرار. وإذا كان الاعتماد على الكفاءة معيارا أساسيا في الاختيار، فلا ينبغي أن يتحول إلى جواب جاهز عن ضعف التمثيل، بل إلى امتحان علني لمعايير الانتقاء نفسها. فالكفاءة ليست جنسا، ولا ينبغي أن تصبح ندرتها المفترضة ذريعة لإقصاء النساء. والبلد الذي أنجب نساء بارزات في الجامعة والقضاء والاقتصاد والمجتمع المدني لا تنقصه الطاقات بقدر ما يحتاج إلى آليات عادلة لاكتشافها وإيصالها إلى مواقع المسؤولية. إن ضعف التمثيل النسائي لا يدين النساء، بل يدفعنا إلى مساءلة البنية التي تختار وتزكي وتوزع المسؤوليات. فالإنصاف ليس زينة ديمقراطية، بل اختبار لقدرة السياسة على تجاوز عاداتها القديمة.

وفي موازاة ذلك، يستحق حضور عدد من الأسماء التي راكمت خبرة في مواقعها أن يقرأ بمنطق الاستمرارية المفيدة. فناصر بوريطة، بما راكمه في الدبلوماسية، وعبد الوافي لفتيت بما يقتضيه تدبير وزارة الداخلية من معرفة دقيقة بتوازنات الدولة والمجال، وعز الدين المداوي على رأس التعليم العالي والبحث العلمي، يمثلون اختبارات مختلفة لاستثمار الخبرة. لكن الخبرة، مهما بلغت، ليست شيكا على بياض؛ إنها مسؤولية مضاعفة، لأن من يعرف تعقيدات القطاع يصبح أقل عذرا في تأجيل إصلاحه.

ولعل أكثر التعيينات إثارة للتأمل إسناد وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل إلى نبيل بنعبد الله. نحن أمام رجل خبر السياسة والحوار والبلاغة، وراكم تجربة طويلة في تدبير الشأن العام. لكن حقيبة التربية ليست مجرد وزارة بين وزارات، ولا ملفا يمكن احتواؤه ببيان متوازن أو خطاب محكم. إنها المصنع البطيء لمستقبل المغرب، والمكان الذي تتصارع فيه الوعود مع الاكتظاظ، والمناهج مع أسئلة الواقع، وكرامة المدرس مع انتظارات الأسر، وطموح التلميذ مع تفاوت الفرص. في عالم تتغير فيه المعرفة بسرعة مذهلة، وفي فرنسا وغيرها من البلدان حيث يعيد جيل زد طرح أسئلة السلطة والهوية والعمل والتعليم، لم تعد المدرسة مطالبة بتلقين الأجوبة وحدها، بل بتكوين عقول قادرة على مساءلة الأجوبة نفسها. وهنا سيكون التحدي أمام بنعبد الله مضاعفا: أن يحول خبرته السياسية إلى ثقة تربوية، وبلاغته إلى نتائج، وقدرته على الحوار إلى جسر حقيقي مع المدرسين والنقابات والأسر والشباب. فهل يستطيع رجل السياسة أن ينصت إلى المدرسة قبل أن يطلب منها الإنصات إلى الدولة؟ وهل تكون هذه الوزارة بداية مصالحة مع المدرسة العمومية، أم حلقة جديدة في مسلسل الإصلاح الذي يغير لغته أكثر مما يغير واقعه؟

لكن الثقافة، آه من الثقافة ! إسناد وزارة الشباب والثقافة والرياضة إلى محمد المهدي بنسعيد يفتح سؤالا يتجاوز شخص الوزير إلى معنى الثقافة نفسها. هل نريد ثقافة تملأ القاعات وتزين التقارير، أم ثقافة تزعج اليقين، وتحرر الخيال، وتمنح الشباب حق الاختلاف؟ وهل ستعامل الوزارة الكتاب والفنون والمسرح والفكر بوصفها بنية أساسية للوعي، أم بوصفها قطاعات تحتاج إلى ميزانيات موسمية ومهرجانات عابرة؟ ومن منظور مغربي يعيش في المهجر، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحا. ففي بلدان الإقامة، لا يتحدد حضور الثقافة بعدد التظاهرات وحدها، بل بقدرتها على صناعة النقاش العام، وحماية التعدد، وإنتاج المعرفة، وفتح المؤسسات أمام الأجيال الجديدة. ولسنا مطالبين باستنساخ تجارب الآخرين، لكن من حقنا أن نسأل: لماذا لا تتحول الثقافة المغربية إلى قوة استراتيجية، قادرة على مخاطبة العالم بلغاته، وصون الذاكرة الوطنية دون تحويلها إلى متحف، وتقديم المغرب للأجيال الجديدة بوصفه فكرة مفتوحة لا مجرد حنين إلى الماضي؟

ومن الإشارات التي تستحق الانتباه اتساع حضور من مارسوا التدريس أو البحث الجامعي في الحياة العامة. فالجامعة المغربية ليست جزيرة من الكتب والأطروحات، بل خزان محتمل للكفاءات القادرة على فهم المجتمع وتحليل تناقضاته. غير أن الجامعة لا تصبح مشتلا للديمقراطية لمجرد انتقال بعض أبنائها إلى الحكومة؛ إنما تصبح كذلك حين تحمل معها إلى القرار العمومي ثقافة البرهان، واحترام الاختلاف، والاحتكام إلى المعطيات. فهل ستدخل الجامعة إلى الحكومة بعقلها النقدي، أم ستدخل الحكومة إلى الجامعة فتروض أسئلتها؟

ثم هناك الغائب الذي اعتاد أن يكون حاضرا في الخطب وغائبا عن طاولة القرار: مغاربة العالم. كيف يمكن لحكومة تراهن على إشعاعها الدولي أن تظل خبرات جزء من مواطنيها خارج التمثيل الحكومي؟ لسنا نطالب بمقعد رمزي لشخص يحمل جواز سفر أجنبيا، ولا نفترض أن الإقامة في الخارج شهادة تفوّق تلقائية؛ بل نسأل عن آلية مؤسساتية تجعل الكفاءة، أينما تراكمت، قابلة لخدمة الوطن. فالمغترب المغربي مواطن يحمل معه تجربة، وشبكات معرفة، وطرائق أخرى في تدبير المؤسسات، ومن حق الوطن أن يستفيد منها، ومن حقه هو أيضا أن يكون شريكا في صناعة مستقبله.ملايين المغاربة الذين يشتغلون في جامعات ومختبرات ومقاولات ومؤسسات دولية لا ينبغي أن يحضروا في الخطاب الوطني بوصفهم رصيدا للتحويلات المالية وصورة جميلة في المناسبات فقط. لماذا لا يكون بينهم من يتولى مسؤولية حكومية، وينقل إلى الداخل خبرات راكمها في الخارج، دون أن يعني ذلك تفضيل الشهادة الأجنبية على الكفاءة المحلية؟ إن إشراك مغاربة العالم اختبار لقدرة الدولة على الاعتراف بأن الوطن قد يتسع جغرافيا من دون أن يفقد وحدته.

ثم إن استحداث حقيبة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، كما ورد في اللائحة، يفتح بابا مهما على المستقبل، لكنه يضعنا أمام مفارقة مغربية قديمة بثوب جديد: كيف نرقمن الإدارة قبل أن نحررها من التعقيد؟ وكيف نجعل الذكاء الاصطناعي أداة لتجويد الخدمة العمومية لا واجهة تقنية تخفي الأعطاب نفسها؟ فالتكنولوجيا لا تصلح وحدها ما أفسدته الثقافة الإدارية، والخوارزمية لا تعوض المسؤولية السياسية، مهما بدت الشاشة براقة. إن الحكومة الجديدة مطالبة أيضا بأن تنظر إلى ما وراء حدود الحقائب. فالتعليم مرتبط بالتشغيل، والتشغيل مرتبط بالاستثمار، والاستثمار مرتبط بالثقة، والثقة مرتبطة بعدالة الإدارة وتكافؤ الفرص. لا يمكن لكل وزارة أن تنجح منفردة إذا كانت الدولة تفشل في الربط بين سياساتها. وربما كان الامتحان الحقيقي لرئيسة الحكومة هو قدرتها على جعل هذه الأسماء المتعددة تشتغل بعقل واحد، دون أن تحول الانسجام إلى صمت، أو الانضباط إلى إلغاء للنقد.

لا نحتاج إلى حكومة تشبه أحلامنا في الصور، بل إلى حكومة تقترب من حاجاتنا في الواقع. نريد كفاءات لا تحتمي بألقابها، ووجوها قديمة تثبت أن الاستمرار يمكن أن ينتج التجديد، ووجوها جديدة لا تتحول إلى ديكور، ونساء لا يقتصر حضورهن على تحسين الأرقام، وجامعيين لا يتركون أسئلتهم عند باب الوزارة، ومغاربة العالم لا يظلون ضيوفا دائمين على خطاب الانتماء. لا يهم كثيرا أن تتغير الأسماء إذا بقيت الدولة تدور حول الأسئلة نفسها من دون أن تجرؤ على الإجابة. ولا يضر أن تستمر الوجوه إذا استطاعت أن تجدد أدواتها وتفتح النوافذ لمن ظلوا خارج الغرف. فالمناصب لا تكشف معدن أصحابها في يوم التعيين، بل حين يضطرون إلى الاختيار بين راحة القرار وكلفة الإصلاح. وربما يكون السؤال الذي يستحق ويجب أن يعلق فوق كل مكتب وزاري، لا بوصفه شعارا بل إنذارا فلسفيا، هو: هل يجلس المسؤول على الكرسي ليمنح السلطة وجها، أم يجلس ليمنح المواطن حقا؟

فالكرسي يضع صاحبه أمام عري المسؤولية, والمنصب قد يرفع صاحبه فوق الناس في الصورة، لكنه لا يرفعه فوق المحاسبة في التاريخ , وبما يخفف من ثقل الحياة على الآخرين. ومن وراء الحدود، تظل نظارة المهاجر موجهة إلى وطن لا يريد له الكمال، بل يريد له الشجاعة: شجاعة أن يرى نفسه كما هو، وأن يغير ما يستطيع، وألا يخلط أبدا بين استمرار الدولة واستمرار الأشخاص… من المهجر، لا تبدو المسافة بيننا وبين الوطن جغرافية فقط؛ إنها أيضا مسافة بين ما نراه ممكنا وما نخشاه أن يظل مؤجلا. فالمغرب الذي ننظر إليه من وراء البحار ليس وطنا بعيدا، بل سؤال قريب: هل تستطيع السياسة أن تتجدد بقدر ما يتجدد المجتمع؟ وهل يمكن للحكومة أن ترى في النقد شريكا في البناء، لا خصما ينبغي إسكات صوته؟ ذلك هو الرهان الحقيقي. نتمنى لهذه الحكومة التوفيق، ونمنحها حق البداية، لكننا لا نمنحها حق احتكار الأمل. فالاحترام الحقيقي للمسؤولين لا يكون بإعفائهم من النقد، بل بمطالبتهم بما يجعل الثقة فيهم مستحقة. ففشل الحكومات لا يبقى محصورا في مكاتبها؛ إنه يتسرب إلى أعمار المواطنين، وإلى أحلام الشباب، وإلى ثقة الناس في السياسة نفسها. وبين التهنئة والنقد، هناك وطن لا ينتظر معجزة، بل ينتظر أن تتحول الأسماء إلى أفعال، والوعود إلى حقوق، والسلطة إلى خدمة عامة. فالتاريخ لا يتذكر طويلا من جلس حول الطاولة، بل من امتلك الشجاعة لتغيير ما كان فوقها، وما ظل غائبا عنها.

One thought on “حكومة بنظارة التشريح في انتظار ولادة المعنى”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *