مارين لوبان ومعمار الخوف: رأس المرأة أهم من رأس الدولة
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة بلدان تدخل أزماتها من أبواب المصانع المغلقة، والمستشفيات المثقلة بالمرضى، والمدارس التي تتآكل فيها فرص المستقبل، والديون التي ترتفع كجدار لا ترى نهايته. وثمة بلدان، حين تعجز السياسة فيها عن تبديد غيوم الأزمة، تبدأ في البحث عن قطعة قماش لتعلق عليها عجزها، كأنما يكفي أن تنزعها من رأس امرأة حتى تستعيد الدولة رأسها، ويستقيم الاقتصاد، وتعود القطارات إلى مواعيدها، وتتصالح الأرقام مع الخزائن. فرنسا، في هذا المشهد، تستحق سؤالا أكبر من الحجاب، وأعمق من الضجيج الذي يحيط به: هل أصبح المطلوب من السياسة الفرنسية أن تعيد بناء الجمهورية، أم أن تعيد تشكيل رؤوس النساء وفق الصورة التي تريدها؟
في تصريحاتها الأخيرة، أعادت مارين لوبان طرح مشروعها الرامي إلى حظر ارتداء الحجاب الإسلامي تدريجيا، متحدثة عن الجامعات والاتحادات الرياضية والمباني العامة، وصولا إلى الشارع. وهنا لا يعود السؤال عن الحجاب وحده، بل عن الفلسفة السياسية التي تسمح للسلطة بأن تتحدث باسم المرأة، ثم تنتزع منها حق الاختيار، وتعلن أنها فعلت ذلك من أجل حريتها. أي مفارقة هذه؟ أن تبشر امرأة بالتحرر من خلال قرار يحظر عليها ما اختارت ارتداءه. وأن تستدعى الحرية، تلك الفكرة التي انتزعت النساء قرونا من أعمارهن ثمنا لها، لتقف شاهدة على مصادرة اختيار امرأة أخرى. إننا أمام معضلة تتجاوز الموقف من الدين، وتمس جوهر الدولة الحديثة: هل تحمي الجمهورية حق الفرد في أن يختار، أم تمنح نفسها حق الاختيار نيابة عنه؟
من دفتر الاقتصاد إلى خزانة الملابس
لنتأمل فرنسا بعيدا عن أضواء الاستوديوهات قارئي العزيز,، حيث تبدو السياسة أكثر لمعانا مما هي عليه في حياة الناس. هناك مواطن يحسب ثمن الوقود قبل أن يقرر إن كان سيذهب بسيارته إلى عمله. وأسرة تتلقى فاتورة جديدة فتضطر إلى إعادة ترتيب احتياجاتها، لا رغباتها فحسب. وشاب يطارد عقد عمل مستقرا، فيما تتأرجح أحلامه بين التدريب المؤقت والبطالة والانتظار. ومريض لا يحتاج إلى من يشرح له هوية الجمهورية، بل إلى موعد طبي في وقت معقول. ومعلم يريد أن يؤدي رسالته في مدرسة تمنحه الوسائل والكرامة. ومؤسسات عامة تواجه ضغوطا مالية وبشرية تجعل السؤال عن كفاءتها وجودة خدماتها سؤالا يوميا . وفوق هذه التفاصيل المتفرقة، تقف المعضلة المالية الفرنسية: دين عام ثقيل، وعجز في الميزانية، ونقاش مستمر حول الضرائب والإنفاق والنمو، فيما تتصارع البلاد على نموذجها الاقتصادي والاجتماعي المقبل. في هذا السياق، ما الذي تضيفه معركة الحجاب إلى حياة المواطن الذي ينتظر العلاج، أو العامل الذي يخشى فقدان وظيفته، أو الأسرة التي تخشى أن يصبح آخر الشهر امتحانا في الحساب؟
لا يعني ذلك أن قضايا الحريات الدينية والعلمانية والاندماج والأمن مسائل هامشية، ولا أن على السياسة أن تصمت عنها. بل يعني أن الدولة الجادة مطالبة بأن تزن مشكلاتها بميزان النتائج، لا بميزان قدرتها على إثارة الانفعالات. فليس كل ملف قابل للاشتعال أولوية وطنية، وليس كل خصومة ثقافية سياسة عامة، وليس كل قرار يثير التصفيق في الاستوديوهات قادرا على اجتياز امتحان الواقع. لقد طرحت لوبان بالفعل مواقف اقتصادية تتصل بخفض الإنفاق العام والضرائب على الإنتاج والعلاقة المالية مع الاتحاد الأوروبي. ولذلك فإن القول إنها لا تملك أي تصور اقتصادي سيكون حكما متعجلا. لكن وجود مقترحات على الورق لا يعفيها من السؤال الأصعب: هل هي متماسكة؟ وهل يمكن تمويلها؟ وما أثرها المتوقع على النمو والوظائف والخدمات العامة؟ وهل تتوافق وعودها الاجتماعية مع تعهداتها المالية؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن توضع تحت المجهر. أما الحجاب، حين يرفع إلى مرتبة المعركة التي تختصر مصير الجمهورية، فيوشك أن يتحول من قضية ضمن قضايا المجتمع إلى ستارة كثيفة تحجب بقية المسرح. إن الاقتصاد لا يستعيد أنفاسه لأن امرأة نزعت غطاء رأسها. ولا تنخفض المديونية لأن جامعة أصبحت أكثر تجانسا في مظهر طلابها. ولا تنمو الإنتاجية لأن الدولة ضيقت مساحة الاختيار الشخصي. بين هذه النتائج المزعومة وتلك الإجراءات المقترحة مسافة لا يردمها الخطاب الانتخابي، مهما أتقن صناعة الخوف. فرنسا لا تحتاج إلى رأس مكشوف بقدر ما تحتاج إلى أفق مكشوف.
حين تتحدث السلطة بلسان المرأة
المفارقة الأعمق في مشروع لوبان ليست أن امرأة سياسية تدافع عن حظر الحجاب؛ فالجنس لا يمنح صاحبه حصانة من التناقض، كما أن المرأة ليست ملزمة سياسيا بالتعاطف مع كل موقف تتبناه النساء الأخريات. المفارقة أن مشروعا يقدم بوصفه تحريرا للمرأة ينتهي، في آليته العملية، إلى انتزاع سلطة القرار منها. يحق للمرأة أن ترتدي الحجاب، ويحق لها ألا ترتديه. ويحق لها أن تغير رأيها فيه، وأن تتعامل معه بوصفه تعبيرا عن الإيمان أو الهوية أو العادة أو القناعة الشخصية، وفق تجربتها الخاصة. ولا يجوز اختزال جميع النساء المحجبات في صورة واحدة: فهناك من ترتديه عن اقتناع، وهناك من قد تتعرض لضغط اجتماعي أو عائلي، وهناك من تخوض تجربتها الدينية بطريقتها الخاصة. الاعتراف بهذه الاختلافات هو بداية التفكير الجاد، لا ذريعة لمحوها بقرار موحد.
إذا كانت امرأة تجبر على ارتداء الحجاب، فإن حريتها تستوجب حمايتها من الإكراه. وإذا كانت امرأة تجبر على نزعه، فإن حريتها تستوجب حمايتها من الإكراه أيضا. أما أن نعد الفعل الأول قمعا والثاني تحررا لمجرد أن السلطة اختارت هذا التصنيف، فذلك ليس دفاعا عن الحرية، بل استبدال لإرادة بإرادة أخرى. إن تحرير المرأة ليس مشروعا لتغيير الزي الذي ترتديه، بل لتوسيع المساحة التي تستطيع أن تتخذ فيها قراراتها من دون خوف أو تهديد أو عقوبة. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين فتح الباب أمام الإنسان، وسحبه من يده ثم إخباره بأنه أصبح حرا لأنه لم يعد يستطيع الدخول.
لا تحتاج المرأة المسلمة إلى أن تتبنى تصورات مارين لوبان عن حريتها كي تكون مواطنة كاملة. ولا ينبغي أن يطلب منها أن تثبت ولاءها للجمهورية بتغيير مظهرها. المواطنة ليست اختبارا يوميا في التشابه، والاندماج ليس مسابقة في محو العلامات التي تجعل الناس مختلفين. ولأن القضية تتصل بحرية الضمير، فإن السؤال لا يتعلق بما إذا كان المجتمع الفرنسي يحب الحجاب أو ينفر منه، بل بما إذا كان يملك مبررا قانونيا ودستوريا متناسبا مع خطورة تقييد حرية فردية بهذا الاتساع. فالديمقراطية لا تقاس بقدرتها على حماية الخيارات التي تحظى بالقبول الشعبي وحدها، وإنما أيضا بقدرتها على حماية الحقوق حين تصبح غير شعبية.
العلمانية ليست مقصا لخياطة المجتمع على مقاس واحد
للعلمانية الفرنسية تاريخها الخاص، وتعقيداتها الخاصة، ومكانتها المركزية في فهم العلاقة بين الدولة والدين. لكن ثمة فارقا جوهريا بين دولة لا تفرض عقيدة على مواطنيها، ودولة تقرر أن عليها أن تعيد تشكيل مظاهر تدينهم في كل فضاء عام. إن حياد الدولة تجاه الأديان ليس بالضرورة مطالبة المجتمع كله بأن يبدو محايدا دينيا. فالدولة مؤسسة، والمواطن إنسان؛ وللدولة واجباتها في الحياد، بينما يحتفظ المواطن، من حيث المبدأ، بحريته في الاعتقاد والتعبير عن معتقده ضمن الحدود التي يضعها القانون لحماية حقوق الآخرين والنظام العام.
ولهذا لا يمكن التعامل مع جميع الأماكن باعتبارها فضاء قانونيا واحدا. فهناك قواعد خاصة بموظفي الدولة أثناء أداء وظائفهم، وقواعد تنظم المؤسسات التعليمية في ظروف محددة، وقواعد أخرى تحكم الفضاء العام المفتوح أمام المواطنين. وتوسيع الحظر من مجال محدد إلى الشارع بأكمله ليس مجرد خطوة إدارية صغيرة؛ إنه انتقال من تنظيم بعض السياقات إلى التدخل في الحياة اليومية لملايين الأفراد. ثم إن الحظر الشامل المقترح لا يصبح مشروعا لمجرد تقديمه في صورة استفتاء. فالأغلبية السياسية، مهما بلغت قوتها، ليست مالكة مطلقة لحقوق الأقليات، والاستفتاء ليس ممحاة دستورية تستطيع محو الضمانات الأساسية بمجرد وضع ورقة في صندوق. إن أي مشروع بهذا الاتساع ينبغي أن يواجه أسئلة الضرورة والتناسب والمساواة وحرية الدين والضمير، وأن يختبر في ضوء الدستور الفرنسي والالتزامات الأوروبية ذات الصلة. وليس من الدقة الجزم سلفا بمصيره القانوني من دون تحليل النص النهائي وآلياته، لكن من المؤكد أن استدعاء السيادة الشعبية لا ينهي النقاش القانوني؛ بل يبدأه. فالحرية ليست استفتاء دائما على حق المختلف في أن يكون مختلفا.
لماذا يصبح الحجاب مرآة لكل المخاوف؟
تنجح بعض القضايا انتخابيا لأنها تضغط مشكلات متعددة داخل رمز واحد. فالحجاب، في الخطاب السياسي المتشدد، يمكن أن يقدم مرة بوصفه علامة على الإسلاموية، ومرة بوصفه دليلا على فشل الاندماج، ومرة بوصفه تهديدا للعلمانية، ومرة أخرى باعتباره امتحانا لهوية فرنسا نفسها. هكذا تتحول قطعة قماش إلى خريطة كاملة للمخاوف: الهجرة، والتغير الديمغرافي، والتوترات الثقافية، والعنف، والإرهاب، وأزمة الثقة بالمؤسسات. ثم يطلب من الجمهور أن يقرأ الخريطة كلها في تلك القطعة الصغيرة، كأنما يمكن اختصار مجتمع معقد في رمز واحد، واختصار أزماته في الأشخاص الذين يحملونه. لكن الرمز ليس هو الواقع، مهما كان تأثيره في المخيلة العامة.
إذا كان ثمة خطر من التطرف العنيف، فإن مواجهته تحتاج إلى معلومات استخباراتية دقيقة، وعمل أمني وقضائي فعال، ومحاسبة على التحريض والعنف والتمويل غير المشروع، وحماية للضحايا. وإذا كان ثمة إكراه يمارس على النساء، فإن مواجهته تحتاج إلى آليات حماية فعلية، واستقلال اقتصادي، وإمكانية الوصول إلى التعليم والعمل، ودعم اجتماعي وقانوني. أما الانتقال من هذه الأهداف المحددة إلى اعتبار كل امرأة محجبة جزءا من مشكلة أمنية أو أيديولوجية، فهو قفز فوق الفروق التي يفترض بالدولة أن تكون أول من يحميها. ليس كل تدين تطرفا، وليس كل مظهر ديني مشروعا سياسيا، وليس كل من يختلف في لباسه مع التصور الثقافي للأغلبية خطرا على الجمهورية. الدولة القوية هي التي تعرف كيف تميز بين الأشياء. أما الدولة التي تضع الجميع في خانة واحدة، فإنها لا تثبت قوتها؛ إنها تعلن عجزها عن فهم المجتمع الذي تحكمه.
وماذا عن الكيباه؟ اختبار المساواة قبل اختبار الهوية
إذا كان الحظر المقترح يستهدف الحجاب الإسلامي تحديدا، بينما تبقى الكيباه اليهودية وغيرها من الرموز الدينية مسموحا بها، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحا: ما المبدأ القانوني الذي يفسر اختلاف المعاملة؟ لا يكفي القول إن أحد الرمزين مختلف عن الآخر، أو إن لكل دين تاريخه وسياقه. المطلوب هو معيار واضح، قابل للتطبيق على الجميع، ومبرر من حيث الضرورة والتناسب، لا معيار يتغير تبعا للهوية الدينية لمن يرتدي الرمز. ينبغي هنا التمييز بين الوصف الدقيق لمقترح الحظر وتفاصيل تطبيقه، وبين الاستنتاج بأن كل رمز ديني آخر سيعامل حتما على نحو مختلف؛ فذلك يتوقف على الصياغة القانونية النهائية. لكن إذا كانت القاعدة تستهدف الحجاب وحده، فإن عبء التبرير يصبح أثقل، لا أخف.
فالعلمانية التي تحتاج إلى استثناءات غير مبررة كي تعمل ليست علمانية مطمئنة إلى مبدئها، بل علمانية تواجه خطر التحول إلى أداة لفرز المواطنين بحسب رموزهم الدينية. ولا ينبغي أن تكون الكيباه نقيضا للحجاب، ولا الحجاب نقيضا للكيباه. كلاهما يضعنا أمام السؤال ذاته: هل تستطيع الجمهورية أن تحمي حق الإنسان في الاختلاف، ما دام لا ينتهك حقوق الآخرين، أم أنها تقبل الاختلاف حين يبدو مألوفا وتضيق به حين يأتي من جماعة أقلية؟ إن المساواة لا تعني أن نحب جميع الرموز بالقدر نفسه، بل أن نحتكم إلى قواعد عادلة لا تتبدل لمجرد أننا نحب جماعة أكثر من أخرى.
الدولة التي تبحث عن خصم صغير لأزماتها الكبيرة
في السياسة، ثمة إغراء قديم: حين يصعب حل المشكلة البنيوية، يجري تضخيم مشكلة رمزية. فإصلاح الاقتصاد يحتاج إلى سنوات، وإلى قرارات قد تكون مكلفة وغير شعبية. وإعادة بناء المستشفيات تحتاج إلى تمويل وكوادر وإدارة. وإصلاح المدرسة يحتاج إلى رؤية تربوية واستقرار مؤسسي. ومعالجة البطالة تحتاج إلى إنتاجية واستثمار وتكوين وسياسات صناعية قادرة على الصمود في عالم تنافسي. أما تحويل لباس إلى قضية وطنية كبرى، فيمكن أن يبدأ بجملة تلفزيونية وينتهي بمعركة انتخابية مكتملة الأركان.
لا أقول إن مارين لوبان تفتقر إلى كل برنامج، أو إن كل ما تقترحه في الاقتصاد لا يستحق النقاش. بل إن نقدها يصبح أكثر جدية حين نأخذ مقترحاتها الاقتصادية على محمل الجد، ونطالبها بكشف كلفتها، ومصادر تمويلها، وآثارها الاجتماعية، ومدى اتساقها مع وعودها بشأن الإنفاق العام والخدمات والضرائب. والمطلوب من أي مرشح للرئاسة أن يشرح، بالأرقام لا بالاستعارات وحدها، كيف يريد خفض العجز، وماذا سيحدث للاستثمار والوظائف، وكيف ستمول الالتزامات الاجتماعية، وما موقع المستشفى والمدرسة والجامعة في ترتيب أولوياته. كما ينبغي مساءلته عن أثر سياساته في التماسك الاجتماعي، وعن قدرتها على حماية الأمن من دون تحويل فئة كاملة من المواطنين إلى موضع اشتباه دائم.
هذه هي الأسئلة التي تليق ببلد يطمح إلى قيادة أوروبية، لا إلى إدارة خصوماته الثقافية إلى ما لا نهاية. إن فرنسا ليست مختبرا لملابس النساء، وليست مشروعا لإنتاج نسخة واحدة من المواطن. إنها مجتمع متعدد، فيه تاريخ جمهوري عميق، وتقاليد علمانية، وديانات مختلفة، وحقوق متساوية من حيث المبدأ، ومواطنون لا يتطابقون في معتقداتهم ولا في طرائق عيشهم. وليس من الإنصاف أن نحمل الحجاب مسؤولية ما يتجاوز قدرته على تفسيره. فلا الديون ترتدي الحجاب، ولا البطالة تنزعه، ولا سوء الإدارة يختبئ تحته، ولا أزمة الثقة بالمؤسسات تزول حين يصبح الشارع أكثر تجانسا في مظهره. إنها استعارة سياسية جذابة، لكنها استعارة لا تسدد الفواتير ولا تفتح أسرة المستشفيات ولا تعيد الثقة إلى المدرسة.
المرأة ليست أرضا تخاض عليها الحروب
ثمة شيء شديد الدلالة في أن تتحول المرأة، مرة أخرى، إلى الساحة التي تتصارع فوقها مشاريع الهوية. في مجتمعات يفرض فيها بعضهم الحجاب باسم الدين، وفي مشاريع سياسية أخرى يراد نزع الحجاب باسم التحرير، تجد المرأة نفسها محاصرة بين سلطتين تدعي كل منهما معرفة مصلحتها أكثر منها. لكن الفرق بين الإكراهين لا ينبغي أن يستخدم ذريعة لتجاهل أحدهما، ولا ينبغي أن يستخدم وجود الإكراه الديني في بعض الحالات لتبرير الإكراه القانوني على الجميع. إن الدفاع عن حق امرأة في ارتداء الحجاب لا يعني إنكار حق امرأة أخرى في رفضه. والدفاع عن العلمانية لا يعني التسليم بأن كل امرأة متدينة أسيرة وعي زائف. ومقاومة التطرف لا تعني تحويل الانتماء الديني إلى قرينة على التطرف.
وإذا أرادت مارين لوبان أن تقدم نفسها بوصفها مدافعة عن النساء، فإن الامتحان الحقيقي لا يكمن في عدد الأغطية التي تستطيع الدولة منعها، بل في مقدار الحرية التي تستطيع النساء ممارستها من دون خوف. هل ستتمكن المرأة من العمل والاستقلال المالي؟ هل ستتمكن من مغادرة علاقة قسرية؟ هل ستجد حماية قانونية حين تتعرض للعنف؟ هل ستصل إلى التعليم والخدمات العامة من دون تمييز؟ وهل ستظل مواطنتها كاملة إذا اختلف لباسها عن لباس الأغلبية؟ هذه الأسئلة ليست هامشا نسويا في برنامج رئاسي؛ إنها من صميم معنى الجمهورية. فالمرأة ليست راية يرفعها اليمين لإثبات صرامته، ولا رمزا يستخدمه اليسار لاحتكار الفضيلة، ولا جسدا تتنازع عليه الأيديولوجيات. إنها مواطنة لها عقلها وضميرها وحقوقها، ولا تصبح حرة حين يختار الآخرون عنها، بل حين تمتلك القدرة الفعلية على الاختيار.
أي فرنسا نريد غدا؟
ليست المسألة أن نطلب من فرنسا تجاهل الحجاب، ولا أن ننكر وجود خلافات حقيقية حول الدين والعلمانية والاندماج. المسألة أن نرفض تحويل هذه الخلافات إلى بديل من السياسة، أو إلى آلة تبتلع النقاش في الاقتصاد والتعليم والصحة والأمن والعدالة. فرنسا التي يحتاج إليها الفرنسيون غدا ليست بالضرورة فرنسا التي تخلو شوارعها من الحجاب، بل فرنسا التي لا يخشى فيها المواطن من الفقر، ولا يضطر المريض إلى انتظار طويل للحصول على الرعاية، ولا يصبح التعليم امتيازا طبقيا، ولا تتحول الضواحي إلى جزر من التهميش، ولا يعيش الناس تحت وطأة العنف أو الخوف، ولا يضطر المختلف إلى تبرير وجوده كل صباح.
إن الأمن حق، لكنه ليس مرادفا للتجانس. والعلمانية مبدأ دستوري، لكنها ليست ترخيصا مفتوحا للتدخل في كل اختيار شخصي. والسيادة الشعبية أساس للديمقراطية، لكنها لا تعفي السلطة من احترام الحقوق والضمانات الدستورية. أما البرنامج السياسي، فلا يقاس بعدد المعارك التي يعلنها ضد الرموز، بل بقدرته على حل المشكلات التي تمس حياة الناس. إنه ليس قائمة بالممنوعات، ولا معرضا للخصومات، بل عقد يشرح للمواطنين كيف ستصبح حياتهم أفضل، وبأي وسائل، وعلى حساب أي موارد، وتحت أي رقابة. يمكن لمارين لوبان أن تجعل الحجاب عنوانا انتخابيا، وأن تصفه بأنه جزء من أيديولوجيا شمولية، وأن تتعهد بحظره تدريجيا. لكن عليها أن تجيب عن السؤال الذي لا تستطيع أي قطعة قماش أن تحجبه: ما الذي ستفعله بفرنسا نفسها؟ ما خطتها للنمو؟ كيف ستعالج أزمة المالية العامة؟ ما مصير الخدمات الصحية والتعليمية؟ كيف ستواجه البطالة وتراجع القدرة الشرائية؟ كيف ستضمن الأمن من دون الإخلال بالحريات؟ وكيف ستقنع مواطنا قلقا على مستقبله بأن مشروعها يقدم له أكثر من خصم جديد يخوض ضده حربا ثقافية؟
هذه ليست أسئلة معادية للوبان، بل أسئلة يحق لكل ناخب أن يطرحها عليها، كما يحق له أن يطرحها على سائر المرشحين. فالانتخابات ليست مهرجانا لتبادل الهويات المتهمة، وإنما فرصة لمحاسبة من يطلبون السلطة على ما يعدون بإنجازه. وفي نهاية المطاف، لا تقاس قوة الجمهورية بقدرتها على جعل النساء متشابهات، بل بقدرتها على حماية حقهن في الاختلاف. ولا تقاس هيبة الدولة بمدى تدخلها في تفاصيل الأجساد، بل بمدى نجاحها في أداء وظائفها الأساسية. ولا يقاس مستقبل فرنسا بعدد الأغطية التي ستختفي من شوارعها، بل بعدد الفرص التي ستفتحها أمام أبنائها وبناتها. فرنسا لا تحتاج إلى خلع الحجاب كي ترفع رأسها؛ تحتاج إلى أن ترفع رأسها عن الحجاب، وتنظر إلى أزماتها الحقيقية.
فالدولة التي تظن أن بوسعها أن تستعيد عظمتها من خلال قطعة قماش، تشبه مهندسا يحاول إصلاح قصر تتصدع أعمدته بإعادة طلاء نوافذه. قد يتغير المشهد للحظة، وقد يصفق الجمهور لجمال الواجهة، لكن الشقوق ستبقى في الأساسات. والتاريخ لا يمنح الدول العظيمة شهادة العظمة لأنها نجحت في توحيد ملابس مواطنيها، بل لأنها امتلكت الشجاعة لتوسيع حرياتهم، والقدرة على صيانة كرامتهم، والحكمة التي تميز بين ما يستحق أن تخوض الدولة معركة من أجله، وما ينبغي أن تتركه للإنسان وضميره. تلك هي المعركة التي تستحقها فرنسا: لا معركة الرأس المكشوف، بل معركة العقل المستنير؛ لا معركة القماش، بل معركة الكرامة؛ لا معركة فرض صورة واحدة للمواطنة، بل معركة بناء دولة قوية بما تقدمه لمواطنيها، لا بما تنتزعه منهم.
