التطبيع لا يختصر التاريخ، والدبلوماسية المغربية لا تقرأ من الثقب الأوروبي
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليس كل صمت علامة انكسار، ولا كل ضجيج دليل قوة، ولا كل موقف أوروبي حكما نهائيا في قضية صنعتها الجغرافيا وعمقها التاريخ وتتنازعها حسابات السياسة. فالدول التي تقرأ التاريخ بعين الاستعجال قد تخلط بين غياب التصريح وغياب الموقف، وبين تأخر الجواب وضياع الحق، وبين هدوء الدبلوماسية وانطفاء الإرادة. أما الدول التي خبرت تقلبات الزمن، وعبرت ممرات الاستعمار والاستقلال، وراكمت تجاربها في دهاليز السياسة الدولية، فإنها تدرك أن المعارك الكبرى لا تخاض كلها على المنابر، وأن بعض القرارات لا تعلن عن نفسها إلا حين تكتمل شروطها، وأن السياسة ليست سباقا في رفع الصوت، بل امتحانا في امتلاك القدرة على التأثير وتحديد اتجاه الأحداث.
من هذه الزاوية ينبغي قراءة السؤال الذي عاد إلى الواجهة بشأن سبتة ومليلية، وما إذا كان التطبيع المغربي مع إسرائيل قد جعل المدينتين ضحية حسابات دولية جديدة، وما إذا كان الصمت المغربي أمام بعض المواقف الأوروبية دليلا على تراجع في الموقف أو تنازل غير معلن. إنه سؤال مشروع حين يطرح بجدية، لكنه يصبح مضللا حين يتحول إلى حكم جاهز، وحين يستبدل تحليل الوقائع بسردية تختزل شبكة كاملة من المصالح والتحالفات والتوازنات في سبب واحد ونتيجة واحدة. هل ذهبت سبتة ومليلية ضحية التطبيع، أم أن بعض القراءات المتعجلة ذهبت أبعد من الوقائع، فحولت الاحتمال إلى حقيقة، والصمت إلى هزيمة، والتاريخ إلى عنوان في سجال عابر؟
إن الإجابة لا تستقيم إلا بالفصل بين ثلاثة مستويات متداخلة: حقيقة القضية التاريخية والسياسية للمدينتين، وطبيعة المواقف الأوروبية والإسبانية في لحظات التوتر مع الرباط، ثم حسابات الدولة المغربية في تدبير علاقاتها مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإسرائيل. وحين تختلط هذه المستويات، تصبح السياسة حكاية سهلة الاستهلاك، بينما هي في حقيقتها هندسة دقيقة للمصالح، تتقدم فيها بعض الملفات بالتفاوض، وتتراجع أخرى بفعل الظروف، وتظل ملفات ثالثة مفتوحة على الزمن وعلى تغير موازين القوة.
أولا: سبتة ومليلية ليستا خبرا عابرا في نشرة سياسية
سبتة ومليلية ليستا عنوانا طارئا في سجل العلاقات المغربية الإسبانية، ولا قضيتين استيقظتا مع أزمة هجرة ثم عادتا إلى النوم بعد انطفاء أضواء الإعلام. إنهما جزء من الذاكرة التاريخية المغربية، ومن الأسئلة التي بقيت معلقة في علاقة المغرب بإرث الاستعمار وحدود السيادة وتداخل الجغرافيا بالتاريخ. ولذلك، فإن اختزال مصيرهما في خيار دبلوماسي واحد، أو في واقعة سياسية محددة، هو تعامل مع التاريخ كما لو كان ورقة خفيفة تحملها الرياح من عاصمة إلى أخرى. فالقضايا التي تعيش في الذاكرة الوطنية لا تفقد وجودها لأن المسؤولين لم يعلقوا عليها في يوم بعينه، ولا تتحول إلى ملكية سياسية لطرف آخر لمجرد أن بعض المؤسسات الأوروبية اختارت خطابا لا ينسجم مع الرؤية المغربية.
إن الجغرافيا لا تمحوها البيانات، والذاكرة لا يلغيها الصمت، والحقوق التاريخية لا تسقط بمجرد غيابها عن واجهة التداول الإعلامي. لكن هذه الحقيقة، على أهميتها، لا تعني أن بقاء القضية في الوجدان الوطني يكفي وحده لتحقيق تقدم عملي بشأنها. فثمة فرق بين استمرار المطالبة من حيث المبدأ، وبين قدرة الدولة على تطوير أدواتها السياسية والقانونية والدبلوماسية لدفع الملف إلى الأمام. ومن هنا، لا ينبغي أن نكتفي بالقول إن سبتة ومليلية في مكانهما، وكأن ثبات الموقع الجغرافي يحسم وحده سؤال السياسة. إنهما في مكانهما بالفعل، لكن السؤال الذي يستحق المتابعة هو موقع القضية في الحسابات الدولية، وطبيعة المواقف التي تواجهها، والوسائل التي يمكن أن تجعل حضورها أكثر تأثيرا في المستقبل. إن المغرب لا يحتاج إلى أن يحول كل غياب لبيان إلى ملحمة صامتة، كما لا يجوز لخصومه أو منتقديه أن يحولوا كل غياب إلى دليل على الانكسار. المطلوب هو عقل يميز بين الوقائع والاستنتاجات، وبين ما ثبت وما يحتمل، وبين ما نعرفه وما نتمنى أن يكون صحيحا.
ثانيا: التطبيع لا يمحو التاريخ، لكنه لا يعفي من المحاسبة
فتح استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية في ديسمبر 2020 صفحة جديدة في شبكة العلاقات الدولية للمغرب، في سياق تضمن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. وقد شكل ذلك تطورا مهما في مسار قضية الصحراء المغربية، وفي طبيعة العلاقات الاستراتيجية التي يعمل المغرب على بنائها مع شركائه الدوليين. لكن السياسة الخارجية لا تعمل بمنطق المعادلة البسيطة التي تمنح الدولة مكسبا واحدا مقابل خسارة واحدة، ولا تسير وفق عقد مختصر تنتهي جميع نتائجه بمجرد الإعلان عنه. إنها شبكة متحركة من المصالح والالتزامات والفرص والضغوط، وقد يفتح خيار دبلوماسي بابا في ملف، بينما يثير أسئلة جديدة في ملف آخر.
من حق الباحث أن يسأل عن انعكاسات التطبيع على موقع المغرب في علاقاته الأوروبية، ومن حق المواطن أن يناقش كلفة الاختيارات الاستراتيجية ومكاسبها، ومن حق الصحافة أن تبحث في احتمال وجود مقايضات أو حسابات غير معلنة. لكن الانتقال من السؤال إلى الجزم يحتاج إلى أدلة واضحة، لا إلى مجرد تزامن بين الأحداث أو تقاطع في مواقف بعض الأطراف. فليس كافيا أن تتوتر العلاقات بين الرباط ومدريد، أو أن تتخذ مؤسسة أوروبية موقفا مؤيدا لإسبانيا، حتى نستنتج أن إسرائيل هندست أزمة سبتة، أو أن الولايات المتحدة شاركت في خطة لإرباك أوروبا، أو أن المغرب قدم تنازلا غير معلن بشأن المدينتين. هذه فرضيات يمكن بحثها إذا توفرت قرائن موثوقة، لكنها لا تصبح حقائق بمجرد تداولها أو تكرارها.
والأهم أن المغرب ليس أسيرا لتفسير واحد لسياساته الخارجية. فعلاقاته مع أوروبا أقدم وأوسع من أزمة بعينها، وشراكاته مع الولايات المتحدة تتصل بملفات استراتيجية متعددة، وعلاقاته مع إسرائيل تندرج ضمن حسابات إقليمية ودولية لا يمكن اختزالها في قضية واحدة. كما أن للمغرب أولوياته الوطنية التي لا ينبغي أن تختفي خلف أي تحالف أو خلاف. إن الدفاع عن الاختيارات الدبلوماسية للمغرب لا يقتضي تحصينها من النقد، كما أن نقد التطبيع لا يقتضي إعلان ضياع سبتة ومليلية دون دليل. وبين الموقفين مساحة واسعة للتحليل الرصين الذي يزن المكاسب والتكاليف، ويبحث في النتائج الفعلية، ولا يمنح الافتراضات صفة اليقين.
ثالثا: أوروبا ليست عقلا واحدا، وإسبانيا ليست مجرد صوت في جوقة
من الأخطاء التي تفسد قراءة العلاقات الدولية النظر إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه كتلة متجانسة، تتحرك بإرادة واحدة وتفكر بمنطق واحد وتتبنى المواقف نفسها في جميع الملفات. فالمؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء تتحرك ضمن شبكة من المصالح المتقاطعة، وقد تتقارب مواقفها في لحظة معينة، ثم تظهر بينها اختلافات حين تتغير الحسابات أو تتبدل الأولويات. ولإسبانيا خصوصية جغرافية وتاريخية في علاقتها بالمغرب. فهي دولة تجمعها بالضفة الجنوبية للمتوسط حدود ومصالح تجارية وأمنية وإنسانية كثيفة، وتتعامل مع الرباط في ملفات لا يمكن إدارتها بمنطق القطيعة الدائمة. ولهذا، فإن التوتر السياسي بين البلدين لا يلغي حقيقة الاعتماد المتبادل، كما أن التعاون في بعض المجالات لا ينهي الخلاف في قضايا السيادة والحدود.
أما أوروبا، فإن علاقتها بالمغرب لا تختصرها سبتة ومليلية، ولا تقتصر على الهجرة أو الأمن أو التجارة. المغرب شريك في ملفات إقليمية متعددة، وتربطه بالدول الأوروبية علاقات اقتصادية واسعة، وله دور في التعاون الأمني ومواجهة شبكات التهريب والهجرة غير النظامية. غير أن هذه المصالح لا تضمن تلقائيا أن تتبنى أوروبا الموقف المغربي في كل نزاع. هنا ينبغي أن نتحرر من تصور عاطفي للعلاقات الدولية، يتوقع من الشريك أن يكون نصيرا دائما، ومن الخصم أن يظل خصما في كل الظروف. فالدول لا تتحرك وفق منطق الوفاء الشخصي، بل وفق حسابات المصالح والأمن والاقتصاد والتحالفات، وقد تتعاون مع دولة في ملف وتختلف معها في ملف آخر.
وإذا كانت بعض المواقف الأوروبية قد بدت منحازة إلى مدريد في مراحل التوتر، فإن السؤال الأعمق ليس لماذا لم تمنح أوروبا المغرب كل ما يريده، بل كيف يستطيع المغرب توظيف مكانته وشراكاته ومصالحه المتعددة لتوسيع هامش تأثيره في المواقف الأوروبية. فالدبلوماسية لا تنتظر عدالة الآخرين كما ينتظر المسافر قطارا متأخرا؛ إنها تبني شروط التأثير، وتوسع خيارات التفاوض، وتجعل التعاون مع الدولة أكثر فائدة، وتجاهل مصالحها أكثر كلفة. وهذه عملية طويلة لا تحسمها خطبة، ولا يختصرها بيان، ولا تقاس نتائجها بموجة غضب عابرة.
رابعا: الصمت المغربي ليس اعترافا، لكنه ليس انتصارا بمجرد تسميته استراتيجيا
في التحليل السياسي، يتحول الصمت أحيانا إلى مساحة فارغة يتسابق الجميع لملئها بالتأويل. فإذا غاب البيان قيل إن الدولة تراجعت، وإذا لم يصدر الرد قيل إنها خضعت، وإذا تجنبت السجال اعتبر البعض ذلك دليلا على الضعف أو العجز. غير أن الدولة ليست صحيفة يومية مطالبة بالتعليق على كل حدث، وليست منصة مفتوحة تدخل في كل جدل يفرضه عليها الآخرون. فثمة فرق بين المجال العام الذي يحتاج إلى التوضيح والمساءلة، وبين مجال التفاوض الذي قد يؤدي الكشف المبكر عن أوراقه إلى إضعاف القدرة على المناورة. وقد خبر المغرب، عبر محطات متعددة من سياسته الخارجية، أهمية الجمع بين وضوح الثوابت والتحفظ في كشف جميع الأدوات. وهذا أمر مفهوم في عالم تتداخل فيه المفاوضات الثنائية مع الحسابات الإقليمية والدولية، وتصبح فيه إدارة التوقيت جزءا من إدارة الموقف نفسه.
لكن وصف الصمت بأنه استراتيجي لا ينبغي أن يتحول إلى تعويذة نرددها كلما غاب التفسير. فالصمت يكون أداة ناجعة حين يخدم غاية محددة، ويحفظ مجالا للمناورة، ويمنع تصعيدا غير ضروري، أو يتيح نضج شروط تفاوض لم تكتمل بعد. أما إذا ترك المجال للروايات المضادة كي تستقر، أو أوجد غموضا غير ضروري بشأن الثوابت الوطنية، فإن التواصل المدروس يصبح جزءا من الحكمة نفسها. ليست الحكمة أن تتكلم الدولة دائما، وليست الحكمة أن تصمت دائما؛ الحكمة أن تعرف متى يكون الكلام حماية للمصلحة، ومتى يكون الصمت جزءا من قوتها، ومتى يتحول الغموض إلى عبء ينبغي رفعه.
إن الثقة في مؤسسات المغرب لا تتعارض مع المطالبة بفهم أوضح لسياساته، ولا مع حق الصحافة في مساءلة الأداء الدبلوماسي، ولا مع حق الباحثين في اختبار فرضية الصمت الاستراتيجي بالأدلة والنتائج. بل إن الثقة الناضجة لا تخشى السؤال، لأنها لا تحتاج إلى تحويل كل نقد إلى خصومة، ولا كل تحفظ إلى انتصار، ولا كل إخفاق محتمل إلى مؤامرة خارجية. إذا كان المغرب يمتلك أوراقا تفاوضية لا يعلنها، فإن قيمتها ستظهر في النتائج التي تحققها، لا في مقدار التخمينات التي تحيط بها. وإذا كانت لديه أسباب موضوعية لتجنب الرد على مواقف أوروبية معينة، فإن شرح المبادئ العامة التي تحكم سياسته لا يعني بالضرورة كشف الأسرار أو إفساد التفاوض. فبين الإفصاح الكامل والصمت المطلق مجال واسع للدبلوماسية الرصينة، وفي هذا المجال بالذات تختبر الدول قدرتها على الجمع بين حماية المصالح واحترام حق المجتمع في فهم الخيارات الكبرى.
خامسا: المغرب الذي صنعته القرون لا يختزل في أزمة حدود
ليس المغرب وليد لحظة دبلوماسية، ولا كيانا تشكلت مكانته الدولية من تصريح عاصمة أوروبية أو موقف مؤسسة دولية. إنه دولة ذات امتداد تاريخي طويل، تشكلت شخصيتها السياسية عبر تعاقب الدول والسلالات والمؤسسات، وعبر تفاعلها مع إفريقيا وأوروبا والعالم العربي والمتوسط. وقد عرفت هذه الدولة مراحل قوة واضطراب، وواجهت ضغوطا خارجية، وأعادت بناء أدواتها في ظروف لم تكن دائما مواتية. لم يكن استقلال المغرب هبة من مزاج دولي عابر، بل ثمرة مسار وطني طويل من المقاومة والعمل السياسي والتفاوض والتضحيات. كما أن استكمال وحدته الترابية لم يكن مسارا بسيطا أو مكتملا في جميع جوانبه، بل ظل ملف الصحراء المغربية ميدانا متواصلا للتحرك الدبلوماسي والقانوني والسياسي. وفي هذا الملف، عمل المغرب على توسيع دائرة التأييد لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها سنة 2007، واستثمر علاقاته الدولية لتعزيز موقعه التفاوضي. وشكل الاعتراف الأمريكي بسيادته على الصحراء في ديسمبر 2020 تطورا مهما في هذا المسار، مع اختلاف المواقف الدولية في طبيعتها وآثارها القانونية والسياسية.
هذه التجربة لا تعني أن كل تحرك مغربي يصيب الهدف، أو أن جميع الملفات الوطنية تحسم بالطريقة نفسها. لكنها تؤكد أن السياسة الخارجية للمغرب تتحرك ضمن مسار طويل، لا ضمن رد فعل منفرد على تصريح أو أزمة. ولهذا، فإن تقييمها ينبغي أن يستند إلى تراكم المواقف، واتساع الشراكات، ومتانة المؤسسات، والنتائج الملموسة، لا إلى لحظة إعلامية عابرة. فالمغرب الذي يعمل على تعزيز حضوره الإفريقي، ويحافظ على شراكاته الأوروبية، ويطور علاقاته مع قوى دولية متعددة، ليس مطالبا بأن يختزل جميع هذه المسارات في معركة خطابية واحدة. إن جزءا من قوة الدولة يكمن في قدرتها على إدارة ملفاتها المتعددة من دون أن تسمح لملف واحد، مهما بلغت أهميته، بأن يبتلع مجمل سياستها الخارجية. لكن التاريخ ليس شيكا على بياض، والمجد المتراكم لا يعفي من ضرورة الإنجاز. فالدول العريقة لا تحافظ على مكانتها بمجرد استحضار ماضيها، وإنما بتحويل خبرتها التاريخية إلى قدرة حاضرة، وتحويل رصيدها الدبلوماسي إلى نتائج، وتحويل شرعيتها الوطنية إلى عمل مؤسساتي متواصل.
سادسا: السيادة لا تستعاد بالشعارات وحدها، ولا تصان بالشعارات وحدها
الدفاع عن الحق التاريخي لا يغني عن بناء القدرة على حمايته، والتمسك بالموقف الوطني لا يعفي من ابتكار الأدوات التي تجعله قابلا للتقدم في بيئة دولية لا تتحرك دائما وفق منطق الحق المجرد. فالقضايا الترابية تتداخل فيها اعتبارات التاريخ والقانون والاعتراف والمصالح والتحالفات. وقد يكون الحق التاريخي راسخا في الوجدان الوطني، بينما تظل طرق معالجته سياسيا وقانونيا شديدة التعقيد. ومن ثم، فإن الانتقال من الذاكرة إلى الاستراتيجية يحتاج إلى عمل متعدد المسارات: بحث تاريخي موثق، وحضور قانوني رصين، ودبلوماسية مستمرة، وتواصل دولي قادر على شرح الموقف المغربي، وتعزيز الجبهة الوطنية بالمعرفة لا بالانفعال وحده. وأي نقاش جاد بشأن سبتة ومليلية يحتاج إلى فهم دقيق لطبيعة وضعهما، وللمواقف الإسبانية والأوروبية، وللقواعد القانونية التي تستند إليها الأطراف المختلفة. فالخطاب الوطني الذي لا يستند إلى معرفة تفصيلية قد يمنح الآخرين فرصة للتشكيك في حججه، حتى حين ينطلق من شعور مشروع بالانتماء والتمسك بالحقوق.
المطلوب، إذن، ليس مجرد الرد على كل تصريح أوروبي، بل بناء ملف معرفي ودبلوماسي متراكم، يوضح الخلفيات التاريخية، ويتابع التحولات السياسية، ويدرس الأبعاد القانونية، ويمنع احتكار رواية القضية من طرف واحد. كما أن التواصل مع النخب الأوروبية والبرلمانيين والباحثين ووسائل الإعلام، متى كان مناسبا، ليس تنازلا عن الصمت الاستراتيجي، بل قد يكون من أنجع وسائل تعزيز الحضور المغربي. إن الدبلوماسية القوية لا تخشى تعدد أدواتها. فهي تعرف متى تتفاوض خلف الأبواب المغلقة، ومتى تشرح موقفها في العلن، ومتى تلجأ إلى القنوات القانونية، ومتى توسع دائرة الشراكات التي تعزز قدرتها على التأثير. أما تحويل الصمت إلى مذهب دائم، أو جعل الكلام معيارا وحيدا للوطنية، فكلاهما يضيق خيارات الدولة بدلا من أن يوسعها. ولا تناقض بين الثقة في مؤسسات المغرب والمطالبة بمواصلة العمل على ملف سبتة ومليلية، ولا بين رفض الاستنتاجات المتسرعة بشأن التطبيع والبحث الجاد في انعكاساته المحتملة، ولا بين الدفاع عن استقلال القرار المغربي والسؤال عن النتائج العملية لبعض خياراته. فالوطنية التي تستحق اسمها لا تقوم على تحريم الأسئلة، بل على امتلاك القدرة على الإجابة عنها، وعلى الفصل بين النقد المسؤول والتشكيك المجاني، وبين الدفاع عن الدولة وتحويل كل قرار إلى حقيقة فوق النقاش.
سابعا: لا تقاس الدبلوماسية بما تقوله الصحافة وحدها، ولا بما تخفيه الدولة وحدها
في زمن التحليلات السريعة، أصبح من السهل أن تتحول كل أزمة إلى رواية مكتملة قبل أن تتوافر أدلتها. حادثة حدودية تتحول إلى مؤامرة دولية، وتصريح سياسي يصبح دليلا على صفقة سرية، وغياب بيان رسمي يتحول إلى علامة على الهزيمة. وهكذا تصنع الحكايات التي تستميل القارئ لأنها تقدم له عالما بسيطا: فاعلا خفيا، وخطة محكمة، وضحية واضحة، ونتيجة نهائية. لكن السياسة الواقعية أقل انتظاما من هذه الحكايات. فقد تسيء الدول التقدير، وقد تختلف مؤسساتها، وقد تتحرك أطرافها بدوافع متباينة، وقد تنتج الأزمة من تفاعل عوامل لا يسيطر عليها طرف واحد. وليس كل ما يبدو مؤامرة مؤامرة، وليس كل ما يبدو محسوبا قد أعد منذ البداية، وليس كل ما يصمت عنه المسؤولون دليلا على وجود خطة سرية ناجحة.
ومن هذا المنطلق، ينبغي التعامل بحذر مع فرضية أن أحداث سبتة كانت جزءا من مخطط مغربي إسرائيلي أمريكي لإرباك الاتحاد الأوروبي. فمثل هذا الادعاء، إن أريد له أن يكون تحليلا سياسيا لا مجرد تأويل، يحتاج إلى قرائن موثوقة تكشف آليات التنسيق المفترض، وأهدافه، والجهات التي تبنته، ومدى تأثيره الفعلي في المواقف الأوروبية. أما الاستناد إلى تزامن الأحداث مع خلافات أخرى، أو إلى الشكوك المتعلقة ببرنامج بيغاسوس، فلا يكفي وحده لإثبات وجود علاقة سببية متكاملة. فالتزامن ليس برهانا، والاشتباه ليس دليلا نهائيا، والقراءة السياسية لا تصبح أكثر عمقا لمجرد أنها تفترض وجود يد خفية وراء كل حدث. والأمر نفسه ينطبق على القول إن التطبيع أدى مباشرة إلى تراجع أوروبي في ملف سبتة ومليلية. فقد تكون للتحولات الجيوسياسية انعكاسات على حسابات الدول، لكن إثبات ذلك يتطلب التمييز بين الوقائع المعلنة والقراءات المحتملة، وبين الموقف السياسي والالتزام القانوني، وبين التغير في الخطاب والتغير في السياسات الفعلية.
إن التحليل الذي يحترم المغرب لا يحتاج إلى أن ينسب إليه قدرة مطلقة على التحكم في جميع الوقائع، كما أن التحليل الذي ينتقد اختياراته لا يحق له أن يحول كل تطور دولي إلى دليل على فشلها. فالمبالغة في تمجيد الدولة لا تقلل الحاجة إلى المعرفة، والمبالغة في اتهامها لا تعوض نقص الأدلة. ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب النقاش الوطني هو أن تتحول الثقة إلى بديل عن البرهان، أو أن يتحول الشك إلى بديل عن البحث. ففي الحالتين، نخسر القدرة على فهم الواقع، ونترك المجال للروايات التي تنتصر فيها البلاغة على الحقيقة.
ثامنا: لا نحتاج إلى أسطورة عن المغرب كي ندافع عن المغرب
للمغرب من التاريخ ما يكفيه لكيلا يحتاج إلى اختراع تاريخ إضافي، ومن التجارب ما يكفيه لكيلا يضطر إلى تحويل كل قرار إلى ملحمة، ومن عناصر القوة ما يتيح له أن يدافع عن مصالحه من دون أن ينكر حدود القدرة أو تعقيد الظروف. إن قوة المغرب ليست في الادعاء بأنه لا يخطئ، بل في قدرته على التعلم من التجربة، وإعادة ترتيب أدواته، وتوسيع خياراته، وتطوير مؤسساته. وليست في أن جميع خصومه يخططون ضده، بل في أن يمتلك من المعرفة والمرونة والقدرة ما يجعله مستعدا لمواجهة اختلاف المصالح وتبدل المواقف. ولا تحتاج سبتة ومليلية إلى أن نقدمهما باعتبارهما حقا ضائعا بسبب خيار دبلوماسي واحد، كما لا تحتاجان إلى أن نعلن انتصارا غير مثبت لمجرد أن المغرب لم يدخل في سجال علني بشأنهما. فالقضية أكبر من أن تستخدم لإدانة التطبيع وحده، وأكبر من أن توظف لتبرير كل ما يقال باسم الصمت الاستراتيجي.
المطلوب هو أن نبقي الملف حيا في الوعي الوطني، وأن نقرأ التحولات الأوروبية قراءة دقيقة، وأن نتابع آثار العلاقات المغربية الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية على المصالح الوطنية، وأن نرفض في الوقت نفسه اختزال السياسة الخارجية في علاقة سببية لا تثبتها الأدلة المتاحة. فالمغرب لا يفقد مكانته لأنه لم يرد على كل تصريح، ولا يكتسب مكسبا بمجرد أنه لم يرد. المكانة تبنى على عناصر القوة، وتصان بحسن استعمالها، وتختبر حين تتعارض المصالح، وتقاس بالنتائج التي تتراكم على مدى الزمن. وهنا يتعين أن نميز بين الاعتزاز الوطني والتقديس السياسي. الاعتزاز يمنحنا القدرة على الدفاع عن مصالح بلادنا بثقة، أما التقديس فيجعلنا عاجزين عن رؤية الثغرات التي ينبغي إصلاحها. الاعتزاز يطالب بالإنجاز، والتقديس يكتفي بالنية. الاعتزاز يثق في الدولة ويسائل أداءها، أما التقديس فيخشى السؤال حتى عندما يكون السؤال ضروريا. وليس المغرب في حاجة إلى هذا الخوف. فالدول الراسخة لا تتضرر من النقاش الجاد، ولا تنقص هيبتها حين يطالب مواطنوها بتفسير السياسات العامة، ولا تصبح أقل وطنية حين يراجع الباحثون فرضياتها. بل إن الثقة الحقيقية في المغرب تقتضي الإيمان بقدرته على تحمل النقاش، بعيدا عن الصور التي تجعله إما دولة لا تخطئ، وإما دولة تهزم في كل أزمة.
سبتة ومليلية في مكانهما، والسؤال في مكانه الصحيح
هل ذهبت سبتة ومليلية ضحية التطبيع؟ لا تسمح المعطيات وحدها بالجزم بأن التطبيع كان سببا مباشرا في تحول المواقف الأوروبية بشأن المدينتين، ولا يكفي الصمت المغربي لإثبات وجود تنازل أو مقايضة أو هزيمة. لكن ذلك لا يعني أن السؤال ينبغي أن يغلق، أو أن انعكاسات الاختيارات الدبلوماسية للمغرب على ملفاته الوطنية محصنة من البحث والنقد. الأدق أن نقول إن قضية سبتة ومليلية تظل قائمة، وإن تقييم ما أصاب موقعها في النقاش الأوروبي يحتاج إلى توثيق وتمييز بين الخطاب السياسي والآثار العملية، وإن التطبيع يجب أن يقرأ ضمن شبكة أوسع من المصالح والتحالفات والاعتبارات الاستراتيجية. أما القول إن المدينتين دفعتا ثمنا لصفقة محددة، فيحتاج إلى أدلة لا توفرها مجرد المصادفة الزمنية أو غياب الرد الرسمي.
إن المغرب ليس مطالبا بأن يشرح كل خطوة أمام كل صحيفة، لكنه مطالب بأن يجعل ثوابته الوطنية واضحة، وأن يواصل الدفاع عن مصالحه بالأدوات التي تحقق نتائجها. وليس مطلوبا منه أن يحول كل خلاف إلى معركة علنية، لكن ليس من الحكمة أيضا أن يترك المجال العام نهبا للتأويلات حين يصبح التوضيح ممكنا ومفيدا. أما سبتة ومليلية، فلا ينبغي أن تتحولا إلى شاهد زور في محاكمة التطبيع، ولا إلى عنوان لتبرئة جميع الاختيارات الدبلوماسية من النقد. إنهما قضية وطنية ذات امتداد تاريخي وسياسي، تستحق عملا متواصلا، وقراءة قانونية دقيقة، ودبلوماسية متعددة المسارات، وذاكرة لا تنطفئ، وعقلا لا يستبدل المعرفة بالانفعال.
ولعل أبلغ ما يمكن قوله في هذا المقام أن المغرب لا يحتاج إلى رفع صوته في كل مرة كي يثبت وجوده، لكنه يحتاج دائما إلى أن يجعل لوجوده أثرا، ولصمته معنى، ولتحركاته نتائج قابلة للقياس. فالصمت ليس ضعفا بالضرورة، كما أن الكلام ليس قوة بالضرورة؛ والقوة ليست في إخفاء الأسئلة، بل في امتلاك القدرة على مواجهتها. إن الأوطان العريقة لا تختبر فقط بما تقوله في لحظات التوتر، بل بما تبنيه بين أزمة وأخرى، وبما تحافظ عليه من توازن بين الذاكرة والمصلحة، وبين الثابت والمتغير، وبين الحق التاريخي ومتطلبات السياسة الواقعية. وإذا كان التاريخ قد علم المغرب شيئا، فهو أن السيادة ليست جملة تقال ثم ينتهي الأمر، وأن الدبلوماسية ليست مسرحا توزع فوق خشبته أدوار المنتصر والمهزوم، وأن القضايا الوطنية الكبرى تحتاج إلى نفس طويل، وعقل بارد، وإرادة لا تنسى وجهتها.
سبتة ومليلية ليستا خارج التاريخ، ولا خارج الذاكرة المغربية، ولا خارج الأسئلة التي يحق للمغاربة أن يطرحوها. لكنهما أيضا ليستا مقياسا وحيدا لنجاح المغرب أو فشله، ولا دليلا جاهزا على أن التطبيع بدل كل شيء، أو أن الصمت حسم كل شيء. إن المغرب أكبر من أن تختصره فرضية عابرة، وأوعى من أن يستغني عن النقد، وأعرق من أن يستمد شرعيته من تصفيق الخارج أو من ضجيج الداخل. غير أن هذه المكانة لا تصان بالاطمئنان إلى التاريخ وحده؛ تصان حين يتحول التاريخ إلى معرفة، والمعرفة إلى سياسة، والسياسة إلى نتائج. فالأرض لا تذهب لأن الصحافة قالت إنها ذهبت، والحق لا يسقط لأن دولة لم ترفع صوتها في يوم بعينه؛ لكن الحقوق، مهما رسخت في الذاكرة، تحتاج إلى من يحرس حضورها في الواقع، ويمنع الزمن من تحويلها إلى مجرد حنين. وهذه، في نهاية المطاف، ليست دعوة إلى كسر الصمت ولا إلى تقديسه؛ إنها دعوة إلى أن يكون المغرب، في كل ما يقوله وما لا يقوله، وفيا لثوابته، واعيا بمصالحه، يقظا لتحولات العالم، ومتمسكا بحقه في أن يصنع مساره بنفسه، لا وفق الروايات التي يكتبها الآخرون عنه.
